تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الترجمة سُبُّةُ النصوص

لقد بلغ من سوء واقع الترجمة في العالم العربي أن الأمم المتحدة نفسها في توجيه خاص تنعى على المترجمين العرب الإغراق في الحرفيّة في الترجمات من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية.

وليس من النافل الزعم أنه وإن تكن مهارات الترجمة الحرفية وراء الجزء الأغلب من ترجمات العالم، إلا أن المغالاة في حرفية الترجمة والاتكاء الشديد على تكتيكاتها سمة غالبة لأعمال المترجمين غير الأكفاء.

فخوفاً من الوقوع فيما لا تحمد عقباه، "ترجم حرفياً" واتكل على الله.

الأمر يشبه النصيحة التي تُسدى للمذيعين ومقدمي البرامج التلفزيونية والإذاعية الذين لا يتقنون اللفظ والقراءة بإعراب سليم في اللغة العربية (والذين تحفل بهم الشاشات العربية)، "سكّن تسلم"، وهنا "ترجم حرفياً تسلم".

فالترجمة الحرفية هي سبب لا يمكن إغفاله عندما نتحدث عن انخفاض رسوم الترجمة: أتقاضى منك رسوماً زهيدة فأعطيك ترجمة حرفية، لأن هذا الأسلوب من الترجمة عادة ما يتطلب جهداً أقل ووقتاً أقصر.

يضاف إلى ذلك أن الخروج عن حرفية النص الأصل لمصلحة النص الهدف يستلزم قدراً من الكفاءة لا يتوافر للغالبية العظمى من المترجمين، في ضوء نقص الكفاءات العلمية الفاضح وغياب الخبرات الكاسح بين المترجمين.

وما دامت الترجمة الحرفية هي وسيلة المترجم المبتدئ أو الغرّ أو عديم الحيلة (وما أكثرهم وأكثر توصيفاتهم)، فقد كان استشراؤها في النصوص المنقولة إلى العربية عاملاً هاماً في تخفيض الرسوم التي يتقاضاها المترجم مقابل عمله، ودلالة هامة على الهاوية إلى تسير إليها أوضاع المترجمين.

وقد بلغ من سوء واقع الترجمة في العالم العربي أنك إذا أردت أن تقدح في جودة نص بلغة أصل كائناً ما كان موضوعه قلت عنه "يبدو وكأنه ترجمة".

يعني إذا أردت أن تسبّ نصاً قلت عنه "ترجمة"، فكلمة ترجمة أصبحت إهانة نكراء لأي نص. لا عزاء للمترجمين

للمترجم أن يعزّي نفسه بما قاله كونديرا، وهو مترجم قبل أن يكون كاتباً لامعاً، "المترجمون أكثر أهمية من أعضاء البرلمان الأوروبي".

هذا في الاقتباسات وفي الأقوال المؤطرة.

فماذا عن أرض الواقع (الواقع في داهية)؟

في الواقع، يُنظر إلى الترجمة في سوق الأعمال العربي بوصفها عملاً إدارياً ملحقاً أو إضافياً أو "على البيعة"، بمعنى أن على السكرتيرة أن تكون مترجمة أو على مندوب المبيعات أو على التنفيذي أن يكون مترجماً.

أي أن الترجمة ليست سوى إحدى المهارات الثانوية التي يفترض المشغّل أو صاحب العمل توافرها لديك عندما يوظفك بادئ الأمر، ولا حاجة له لأن يتأكد من ذلك قبل أن يوكل إليك العمل الترجمي الأول.

ومن واقع خبرتي في هذا المجال، يمكن أن يتصل بك زميل لكي يطلب منك مساعدة في ترجمة نص معين، دون أن يفوته أن يردف ذلك بأنه قادر على ترجمته، ولكن وقته ضيق. ولك أن تقول ما تشاء بعد أن تضع سماعة الهاتف.

ولو أتيح لك المرور على مكاتب الترجمة في دبي، لفاجأك أنك لن تفتقد في مكتب من هذه المكاتب السائق أو الفرّاش أو المدير أو السكرتيرة، بل ستفتقد المترجم. فالمترجم الذي يفترض أن يكون أهم أركان العمل الترجمي ليس إلا من نوافل مكتب الترجمة، ولو حدث ووجد لكان مثل الزائدة الدودية في الجسم استئصالها (أي صرفه من الوظيفة) لا يضر بالعمل.

لعل هذا الأمر مرده في جزء كبير منه إلى ما يسمى ثورة الاتصالات والمعلومات التي ساعدت عصبة مضطهدي المترجمين على مزيد من اضطهاد المترجمين. ولهذا الجانب من الأمر تفصيل لا يتسع له المقام.

وراء الأكمة ما وراءها

من المعلوم أن القادم إلى دبي لا بد له من أن يتعلم الإنجليزية ويتقنها لكي يكون له من الرزق نصيب فيها، أو على الأقل لكي يكون نصيبه أوفر.

فإذا كان من غير بلد لغته الأصل الإنجليزية، يكون بإتقانه الأخيرة قد أصبح مترجماً بقدرة قادر.

فليس من المطلوب لكي تعمل مترجماً في مكتب ترجمة في دبي إلا أن تعرف (لا حتى أن تتقن) لغتين.

بشيء من الممارسة وبشيء من تنازل العميل عن جودة الترجمة (وهذا موضوع شائك)، وبشيء من تنازل المترجم عن جزء من رسوم الترجمة (وهذا صلب القضية)، تنعقد الصلة بين المترجم وزبون الترجمة عبر وسيط ثالث (مكتب ترجمة في الغالب) فتحدث الخدمة المخلّة بشروط ما يمكن أن يسمى عملاً مهنياً لائقاً أو كريماً.

هذا العامل هو أحد العوامل التي كان لها أثر كبير في الإسفاف الذي يشهده سوق الترجمة خاصة في دبي. وهو عامل يعزى إلى طبيعة المهنة نفسها.

بالحديث عن عامل آخر، فقد كانت الترجمة من الصناعات التي وجدت فيها التكنولوجيا ملعباً واسعاً، ومن الصناعات التي عاثت فيها التكنولوجيا فساداً، فضلاً عن الجانب المتعلق بما أفضت إليه التكنولوجيا من التخلص من أسر المكان والزمان، بحيث يوكل وسطاء الترجمة أعمال الترجمة المتحصلة من بلد معين (دبي مثلاً) إلى مترجمين من بلد يتقاضى مترجموه رسوماً زهيدة (مصر مثالاً).

وبغض النظر عن أن منصة الترجمة (جوجل ترانسليت) قد أصبحت نكتة القرن، والموضوع الأثير لدى الكثير للتندر والتهكم والسخرية وضرب المثل في سخافة الترجمة، حتى ليقال لأي ترجمة مُسفّة في السوء تبدو مثل ترجمة جوجل.

في استطراد قصير، للمرء أن يعجب من تدني مستوى ترجمة خدمة جوجل رغم أنها توظف أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وأكثرها تقدماً. لا بد أن وراء الأكمة ما وراءها. وإلا لكنا ما نزال على مسافة قرون من خدمة ترجمة آلية يمكن أن تطلق عليها صفة محترمة.

وبغض النظر عن أن جوجل بخدمتها هذه تقدم خدمة لا تنكر للشركات والمؤسسات التي لا يوجد لديها مترجمون أو حتى التي يوجد لديها مترجمون.

أقول بغض النظر عن هذا وذاك، فقد كانت خدمة الترجمة الآلية التي قدمتها جوجل مصيبة من المصائب الكبرى التي نزلت على رأس المترجمين والمترجمات خلال العقود الأخيرة. أقصد بما يخص موضوعة رسوم الترجمة.

لا شك أن لهذه الخدمة الجوجلية أثراً فظيعاً على أقوات المترجمين، وإن كان البعض منهم يستعين بها كوسيلة مبدئية للوصول إلى ترجمة أولية للنص الذي بين يديه، خاصة من غير لغته الأم إلى لغته الأم، لينطلق من بعد إلى التحرير ليصل إلى نص مقبول.

بغض النظر عن كل هذا، لا بد أن عمل جوجل هذا (اللامشكور) جاء على حساب أقوات المترجمين. خِسّة باسم المنافسة

يروى عن الخليفة المأمون أنه كان يعطي المترجم وزن ما يترجمه ذهباً.ما هو واضح للعيان في سوق الترجمة في العالم العربي على الأقل أن المترجم لا يتقاضى وزن ما يترجمه فولاً سودانياً.

لعل الأسباب كثيرة ولا يمكن حصرها في مقال مثل هذا، ومنها ما هو شديد العشوائية.ولعل من أهم الأسباب على الإطلاق غياب أي بيانات أو إحصائيات عن واقع عمل المترجم بما يخص الرسوم والأجور .

لكن ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه. وإذا كنا قد اكتفينا من الحديث في المشكلة ولو على سبيل الإشارة والتنويه والتلميح، وكان لا بد من الكلام في الحل، إن كان ثمة من حل ممكن التحقيق،

فلا بد أن نقول أولاً: على المترجم نفسه، تقع مسؤولية رفض العمل الذي لا يقدم أجراً معقولا. المترجم هو خط الدفاع الأول أمام هذا التكالب الفاضح على أرزاق المترجمين

لا يمكن أن تنحي باللائمة على زبون الترجمة لشُحّه وجهله بما ينطوي عليه عمل المترجم، ولا على وسيط الترجمة (مكتباً كان أم ما لا أدري) لشراهته وجشعه، دون أن يكون أولاً للمترجمين موقف واضح ضد هذه المؤامرة القبيحة والظاهرة الفضيحة.

من جانب آخر، ما ينبغي على مكاتب الترجمة (ووسطائها) هو إضافة قيمة رسوم خدماتها إلى الأجر المفترض أنه المقابل العادل لعمل الترجمة، والذي يجب أن يذهب للمترجم كلاً غير منقوص.

ما تقوم به مكاتب ومؤسسات الترجمة المنتشرة في دبي وسواها أيضاً هي اقتطاع معظم أجر المترجم بوصفه رسوم خدمات ترجمة، وهذه وضاعة ودناءة وخسة باسم المنافسة.

أكرر ما يحدث الآن في سوق الترجمة ليس سوى سباق في الخسة ومنافسة على الدناءة. هي كلمات ثقيلة نعم، لكن كيف يمكن أن ترد على من يرسل لك طلب عمل ترجمة عاجل لنص مؤلف من 330 كلمة مقابل 10 دولارات؟هزلت، وهزل المترجم.

في الختام، يهمني أن أسمع آراء الزملاء جميعاً والأصدقاء وكل من يروق له إبداء رأي في هذه المشكلة، سواء كانوا مترجمين أو معنيين بالترجمة من قريب أو بعيد

المصدر موقع extranslation


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة