تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الثقافة والاكتئاب

بقلم: أ/ منة الله عامر*

منذ عدة أعوام ظننتُ أن هناك علاقة بين الثقافة والاكتئاب، وهذا ما صدرته لنا بعض الكتب والمقالات، وبالطبع تأثر العديد منا بتلك الكتابات، حتى أصبح الإصابة بالاكتئاب سمة منتشرة بين الأوساط المثقفة، وغيرها أيضًا، ولكن بعد التفكير والتدقيق فيما يُبث لنا أدركتُ أن ماهية الثقافة الحقة التي تُبنى على مرجعية سليمة وفطرية، تُنفي من عليها مسحة الاكتئاب ويصبح الاكتئاب نتيجة تأثر بالظروف وحساسية شديدة للواقع وربما هو اضطراب ليس له أي علاقة بمقدار الثقافة، فليس هناك رابط واقعي بينهم، فأساس النفس السوية، هو الإيمان والأمل، إذا فقدنا تلك الميزتين، هوينا ولن يفرق هذا بين شخص مثقف أو غير مثقف.

دعنا ننظر إلى المجتمعات الغربية، المجتمعات التي يُطلق عليها متقدمة، ماذا نلاحظ هناك، فقدان هوية يؤدي بهم إلى الاكتئاب من ثم يقدم البعض إلى الانتحار، ولماذا كل هذا؟ هل هي نتيجة الثقافة، أم نتيجة الحياة العبثية التي جعلتهم بلا هوية وبلا مرجعية ثابتة، مرجعيتهم متغيرة، فلا طمأنينة بها، بِمّنْ يؤمنوا؟! يؤمنوا بالمادة والمادة متغيرة، إذا فلا ثبات؛ أي فلا اطمئنان وآمان في حياتهم، فتصاب نفوسهم بالعطب، فيفقدوا الهوية، ويقدموا على أفعال تحررية من وجهة نظرهم، فيصابوا بفقدان هوية أكبر مِنْ ذي قبل، فيلجاؤوا إلى أي وسيلة لتخلصهم من هذا العذاب...

فهم يربطوا الحياة السعيدة بالمرأة الجميلة (وفق مقاييس كل عصر)، أو بالثروة الهائلة، يربطوا السعادة بأهداف مادية، وتركوا النفس تهوي، فلا يغذوها بما ينفعها ويعلوه بها فوق المادة، بل دعوها تهوي في الدرك الأسفل من الدُنيا، وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا العربية الآن، فنرى الفتى لم يُكمل عامه العشرون ومكتئب وحزين؟ وعندما تسأله يقول لك: لقد تركتني الفتاة التي أحبها! هل تعرف ما الحب؟ أسأله في أي مادة ما، ليس الدراسة أسأله في أي شيء لن يجيب عليكَ فقد شغله عقله بالارتباط!، جعله من الأغاني الشعبية والراب منها، هي مثله الأعلى وأقصى أحلامه! أسأله ماذا تريد أن تقدم لنفسك؟ لبلدك؟ لمحيطك؟ لن يجيب عليك، لن يفهمك أصلا؟ وهذا فقط جزء صغير عما سُرب لنا في مجتمعاتنا العربية التي هي إسلامية أيضًا، ولكن تم علمنتها بطرق عدة، دون قصد وبقصد، الموضة وما يحدث كل عام، من تهافت الفتيات والنساء بشراء العديد من الملابس التي لا أهمية لها، فقط لتواكب الموضة! هذا ما بعد الحداثة، أن تصبحوا مادة أنتم أنفسكم يتم توجيهكم دون إرادة منكم، لذلك رفضت الحداثة وما بعدها، وربما يراني البعض رجعية، ولكني أحب رجعيتي وتركت لهم حداثتهم، لا أريد أن استيقظ يومًا ما لآري أننا جميعنا تم عَلمنتنا دون إرادتنا.... أرجو أن تفكروا، تفكروا قليلًا بما يحدث حولنا....

الكثير من الأشياء الخاطئة كنا نظنها صحيحة، والجدير بنا أن نعترف بإننا كنا مخطئين وبدلنا تلك النظرة بنظرة أخرى أكثر صوبًا، الأمل لابد أن يولد، ولا قول بأن ليس هناك أمل، العلماء هم الأمل، المفكرون هم الأمل، المعرفة هي الأمل، فقدانهُ يحدث عَطب وخلل بالنفس، الرغبة التي تدفعنا لتقديم المزيد والمزيد، هي أمل في البقاء والاستمرارية وتحقيق شيء ما يؤثر في المجتمع ويحدث فرق، هذه هي دوافعنا المستمدة من مرجعية ثابتة وهى الإيمان بالله وبالأخلاق والقيم والمُثل العليا الخيرة، مهما تشوه الواقع الخارجي المحيط بنا، ومن المفترض أن الثقافة تزيد ذلك الشعور بنا وليس العكس، لا حياة بلا فشل، وخيبة، هكذا حدث مع رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، لذلك لا يجب أن ندع هذا يؤثر على نفوسنا المجبولة على الخير والحب والتسامح والإيمان الكامل بالله، أن نشوه الفطرة السوية، ونجعلها مظلمة معتمة، أن نتشدق بإن المثقف دائم الاكتئاب، وأن لا أمل في الحياة، كل تلك الترهات، نشروها بيننا؛ لكي نُحبط ونُهزم... مَنْ الذي نشرها؟! هذا سؤال يحتاج إلى مقال أخر؛ كي أستطيع أن أجيب عليه بكل بساطة ووضح.

كل ما أريد أن أقوله؛ أن نسقط الكآبة من على الثقافة، وأن نصقل الثقافة بالأمل والرؤية الجيدة لما بعد الثقافة، وأن نطور من أنفسنا دائمًا، وأن نصقل ونشحذ عقولنا؛ كي نستطيع مجابهة ما سيأتي؛ لأن هناك الكثير والكثير من الأفكار السامة التي تُقدم لنا ونحن نلتهمها دون تفكير ولا تعليق! علينا أن نحذر فقط بما نعتقد به ونؤمن به... ولندعو الله أن ينير لنا بصيرتنا وأن يمنحنا الإيمان الكامل به؛ كي نستطيع أن نحقق مراده منا ونقف أمام كل ما يهدد هذا الجيل والأجيال التي تليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*منه الله عامر: حاصلة على درجة الماجستير في الدراسات اليهودية؛ باحثة متخصصة في شئون الديانة اليهودية ومؤسسة منصة שער השמים

 

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة