تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



 

الأميرة الفنانة البارعة «قدرية حسين» التي استلهمت من وحي ريشتها الفنية صورة جسدت فيها ملحمة نضال بلاد الأناضول لتحيي شمس العراقة في صفحة تاريخ الوطنية، ولَا غَرْوَ فِي ذَلِك؛ فهي تتقن التصوير، وصنع التماثيل، كما أنها مؤرخة ومفكرة وشاعرة سطرت خفقات قلب نضال الوطن.

ولدت عام 1888م، وهي كريمة السلطان حسين كامل ابن الخديوي إسماعيل بن إبراهيم باشا والي مصر، ووالدتها ملك حسن طوران التي اشتهرت في التاريخ المصري بلقب «السُّلْطانة مَلَك».

وقد أفسح السلطان حسين أمام كريمتيه قدرية وسميحة أفق التزود من العلوم والفنون، ومهد لهما طريق الحرية الصحيحة القائمة على دعائم العلم، كما أذن لهما بالسفر إلى أوروبا في سن مبكرة ؛ فأتاح لهما فرصة التعرف على عوالم شتى من أنحاء المعمورة

وقد أظهرت الأميرة قدرية استعدادا كبيرا للكتابة العلمية والأدبية، وأخرجت طائفة قيمة من المؤلفات العربية، والتركية، والفرنسية؛ مثل كتاب «طَيْف ملكي»، ومجموعة «رَسائِل أَنْقَرة المُقدَّسة»، ومن أنفس مؤلفاتها كتابها «شَهِيرات النِّساء فِي العالَمِ الإِسْلامِي». وقد جمعت قدرية حسين في كتاباتها بين الروح الشعرية والحكمة الفلسفية.

سوف نتناول تفاصيل عن بعض من مؤلفاتها:

- مجموعة رسائل أنقرة المقدسة

هل هي قداسة الرسائل أم هي قداسة المدينة الباسلة؟ الإجابة: كلاهما! ويُضاف إليهما قدسيَّة الروح التي سكنت «قدريَّة حسين» وحَدَت بها إلى تخليد كفاح الشعبِ الأناضوليِّ في مواجهة الاستعمارِ الغربيِّ، وذلك في صورة رسائل تُخْرِجُ إلى حيِّز التاريخ ملحمة النضال الذي قاده «مصطفى كمال باشا» ضد آلة القتل التي حصدت أرواح الكثيرين، وهجَّرت آخرين، إبَّان الاحتلال الأجنبيِّ للأراضي التركية والذي أعقب الحرب العالمية الأولى، فلم يجد الوطنيون الصادقون بُدًّا من خوض معركة الاستقلال بأنفسهم، رافعين الشعار المقدَّس «نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيب»، فيما كان السلطان العثمانيُّ خانعًا مستسلمًا للمستعمر. وقد هَدَفَت الترجمة العربيَّة لهذه الرسائل إلى توطيد أركان المحبَّة والإخاء بين المصريين والأتراك آنذاك، ودعوة العالم الإسلاميِّ بأسره إلى مناصرة أبطال الأناضول الذين تدفقت عليهم سيول المطامع من كلِّ جانب.

- كتاب طيف ملكي

بينما كانت «قدرية حسين» تطوف أرجاء «طيبة»؛ المدينة المصرية العتيقة، إذ بها تصطدم بخفَّة مع أطياف مَلكيَّة زاهية لم يُفقدها الزمن عنفوانها وحيويتها، على الرغم من عدم نيل كثير منها الاحتفاء الذي تستحق. وحيث كانت قدرية محبَّةً لتاريخ مصر القديمة، وشغوفة كلَّ الشغف بتتبُّع مآثر وأمجاد نسائها على وجه التحديد، فقد أثار إعجابها أن تلك المعابد المهيبة، والأودية القدسية، والعلامات العصية على الزوال، لم يصنعها ملوك الفراعنة فحسب، بل كان هناك حضور عظيم لملكات، نساء حلَّت فيهن روح الوطن، فشيَّدنه بأرواحهن، وحمينه بدهائهن ومكرهن، فهذه الملكة «هاتاسو» أولى ملكات مصر الفرعونية التي كان لها من المنزلة مثلما كان لـ «شجرة الدر» في العصور الإسلامية، وتلك «أهمس-نوفيريتاري» صاحبة الجبروت والسلطان الذي حدا بالمصريين لتنصيبها إلهةً، وهذه سليلة «رمسيس الثالث» تتولى الإمارة الدينية في طيبة.

- سوانح الأميرة

تكتب الأميرةُ «قدرية حسين» سلسلةً من المقالات؛ تُسجِّل فيها بعضَ أوضاع مصر في فترة من أخطر فترات تاريخها؛ إنها فترة حكم أسرة «محمد علي»؛ فهي تتجول بمقالتها «النور» في عصر «محمد علي»، حيثُ ترصد العديد من إنجازاته. وفي مقالتها «السلطان الغوري» تُبين الأميرة حال مصر إبان عصره ومعركته الأخيرة أمام السلطان «سليم الأول»، التي انتهت بموته. أما في مقالتها «الغروب» فتُقدم بيان لوقائع الحملة الفرنسية على مصر. وتُعطي لمحة أثرية عن آثار مصر في وادي الملوك من خلال مقالتها «قصر الأموات» ، وفي مقالتها «تأوهات مسلَّة» ألقت الضوء على المسلَّة التي تتأوه لنقلها من مصر إلى باريس. ولم تنس أن تُذكِّرنا بحب الوطن، وبأنه من الإيمان في مقالتها «حب الوطن من الإيمان».

- السراب

إن اللحظ الدقيق لتفاصيل الحياة اليومية ومجريات أحداثها، يثير في النفس العجب وفي العقل الحيرة؛ حيرة تستعصى على التعبير إلا من كاتب قدير تمكنه مفردات لغته من صياغة اضطراباته الذاتية في جمل معقولة، وتمكنه قدريته على التصوير على جعلها قابلة للتخيل، تتماس مع قارئها بالمشاركة، وتحمل في طياتها التفهم والمواساة. هكذا يخلق من الحيرة فنا، ومن اضطراب الذات إبداعا، وهكذا كانت خواطر الأميرة المصرية «قدرية حسين» في بِلادِ الأناضول؛ سلسلة من النصوص الصادقة البسيطة التي تصل القلب والعقل، تحكي من خلالها مشاعرها ومشاهداتها اليومية، وحياتها التي بالرغم من ثرائها تظل سرابا تصعب ملاحقته، كتبتها بالتركية وترجمها عنها أديب محنك صنع من كتابتها نثرا سلسا وقيما، يستحق الاحتفاظ به.

ومن أهم كتبها كتاب شهيرات النساء في العالم الإسلامي

يُقدم الكتاب سِيرًا مختصرة عن نساء عربيات أسهمنَ في التاريخ والحضارة الإسلامية؛ فكانت منهن مَن آوى بيتُها الرسالةَ النبوية، وبذلت الجهد والمال لنصرة الدين مثل «خديجة بنت خويلد»؛ أول مَن آمن بدين الإسلام وصدَّق نبيَّه وناصَر دعوتَه أمام طواغيت قريش، والتي أنجبَت للنبي (صلى الله عليه وسلم) سيدةً عظيمة أخرى، هي «فاطمة الزهراء» أم الشهيدَين (الحسن والحسين)، والحانية التي ضربَت المثلَ في العطف على الأيتام والمساكين. استطاعت النساء أيضًا تولِّي الحكم وإدارة شئونه كما فعلت «شجر الدر» ملكة مصر المُحنكة، التي تمكنَت من تصفية الوجود الصليبي في البلاد وإدارة المفاوضات مع ملك الصليبيين الأسير «لويس التاسع». يحفل الكتاب بنماذج نسائية أخرى لمَعنَ في مجالات كالأدب، والتصوُّف، والسياسة.

وقد تُوفِّيتْ عامَ ١٩٥٥م وتركت لنا إرث لا يستهان به من المؤلفات العظيمة التي مازالنا نحتفظ بها.

 

 

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة