تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الترجمة في العصر الأموي والعباسي

بقلم : د/ محمد بكري

اتفق المؤرخون العرب والأجانب على أن الأمير ‘خالد بن يزيد’ هو أول من أمر بنقل المصنفات الإغريقية والسريانية إلى اللغة العربية وقد كانت مختارات من ميادين عدة ومختلفة نذكر منها : الطب والفلك والكمياء، كما أن الخليفة الأموي ‘عمر بن عبد العزيز′ هو أول خلفاء ‘بني أمية’ الذيي أبدى اهتماما بالترجمة والدليل على ذلك تكليفه للطبيب اليهودي البصري ‘ماسرجويه’ بنقل كناش للطب لـ’أهرن’ القس من السريانية إلى العربية والجدير بالذكر هنا أن اختيار مثل هذا التوجه كان فأل خير على ‘بني العباس′ إذ تقوى عضدهم وازداد محبو خلفائهم.

نالت الترجمة في العصر العباسي الحظوة العظمى، إذ يعتبر هذا العصر الفترة الذهبية لتطور الترجمة وازدهارها سواء من حيث التنظيم أو من حيث غزارة الإنتاج وجودته ، ولا سيما عند خلافة ثلاثة عباسيين وهم على التوالي: ‘الخليفة المنصور’ وبعده ‘هارون الرشيد’ إلا أن أبرزهم يظل وبدون منازع ‘الخليفة المأمون’.

يعد الخليفة ‘أبو جعفر المنصور’ أول خليفة وجه جهود الدولة إلى علم الترجمة، فقد عرف باهتمامه بميدان علوم الفلك والنجوم مما جعله يولي اهتماما بهذا الميدان وبكتب الأسلاف والأجداد وهذا ما يفسر إهتمامه المطرد بمعرفة ما كتبه السلف، فعمل على سبر غور عالم الفلك من خلال الترجمة فأمر على عهده بنقل كتاب ‘أقليدس′ المسمى’كتاب أصول الأركان’ وبعده كتاب ‘الهند والسند’ وهو مؤلف هندي يهتم بعلم النجوم ثم الكتاب البديع لصاحبه ‘عبد الله ابن القفع′ ‘كليلة ودمنة’ ذي الأصل الهندي ثم انتقل إلى مستوى اخر وهو ترجمة أمهات الكتب اليونانية خاصة تلك التي كتبها فلاسفة كبار أمثال: ‘أرسطوطاليس′ و’بطليموس′.

ثم جاءت بعد ذلك فترة حكم الخليفتين ‘المهدي’ و’الهادي’، إلا أنهما لم يكملا المشروع الترجمي الضخم ولم يقوما بالدور المنوط بهما فأهملا هذا النشاط الثقافي ولم يكثرتا به فتوقفت عجلت النهضة إلى أن جاء عهد ‘هارون الرشيد’ الذي اعتمد على الترجمة وجعلها من الأولويات بل قُل ركائز بناء الدولة العباسية القوية والمزدهرة، فقد كان ‘هارون الرشيد’ يرى بأن الثراء الفكري يرسي دعائم الدولة المتوازنة وهذا ما يمكن أن نفسر به قيام إمبراطورية إسلامية شاسعة متميزة ظلت علاماتها بارزة في التاريخ رغم مرور الأيام والشهور والسنوات، ولم ينحصر هذا التطور على الجانب العسكري والحضاري فقط، بل امتد إلى الجانب الفكري أيضا. هذا الأخير الذي يمكن اتسم بغزارة الإنتاج الأدبي الرزين والمنتظم الذي خرق صداه الافاق فوصل إلى الغرب وخاصة بعد ترجمة كتاب ‘ألف ليلة وليلة’ خلال القرن 18 م . ومما ميز عهد الخليفة ‘هارون الرشيد’ إعتماده عل طرق جديدة للتحصيل وتمثلث في إرسال بعثات علمية إلى الروم بغية البحث عن المخطوطات اليونانية وجلبها إلى الوطن مهما كان ثمنها، وقد كانت هذه المقاربة جديدة بالنسب لمعاصريه فقد كان الاعتماد على التراكم النوعي هو السائد والمعروف.

وتبقى الميزة الفارقة في تلك المرحلة هي تكليف مترجمين مسيحيين للقيام بعملية الترجمة، ممن كانوا على قدر كبير من التمكن والمعرفة باللغات الأساسية والتي يمكن ترتيبها كما يلي : اليونانية العربية والفارسية والسريانية، وقد كان يُنظر إلى هذه الأخيرة كلغة وسيطة وقنطرة تواصل بين الثقافات وهذا راجع في الأصل كون’ السريانية’ لغة المتعلمين انذاك فكان التواصل بها سهلا وممكنا.

عند تقلد الخليفة ‘المامون’ مقاليد الحكم، عاد للترجمة بريقها المفقود وتوهجها الزائل، فتأسست في عهده مدرسة علمية ذائعة الصيت المعروفة تحت اسم ‘بيت الحكمة’ والتي كان مقرها في بغداد وقد اهتمت بالأبحاث العلمية المتميزة وكذا الترجمة والتأليف في مختلف المجالات والميادين وقد برز في هذا العصر علماء أفداد، لا يشق لهم غبار وعلى درجة عظيمة من العلم والتبحر في المعرفة مكنتهم من منافسة الأوروبيين، بل ذهبوا أبعد من ذلك فقد شكلوا مرجعا أمنا وقاعدة موثوقا بها ومن أمثال هؤلاء نذكر: ‘الخوارزمي’ و’الجاحظ’و’الكندي’ وما هؤلاء إلا شنو من محيط، فهناك بالإضافة إلى هؤلاء مترجمون عظماء، ومن أشهرهم على الإطلاق ‘حنين ابن إسحاق العبادي’ الذي جمع في سجاياه المهارة في الطب والنبوغ في الترجمة والتصنيف.

يمكن اعتبار عامل ‘التخصص في الترجمة’ من العوامل المؤثرة في تطور ميدان الترجمة في تلك المرحلة، فقد كان المترجم مطالبا بإتقان اللغة الأصل واللغة المترجم إليها، كما ذكر ذلك ‘الجاحظ’ في كتابه ‘الحيوان’ ‘الجزء الأول’، كما أنه خلال فترة حكم ‘المأمون’ استعادت البعثات الطلابية عافيتها ونشاطها وبريقها فوصلت إلى منبع العلم ومهده وهي العاصمة اليونانية ‘أثينا’ نفسها، فتمت مراجعة ترجمات سابقة لتوافق التقدم الذي أحرزته اللغة العربية من حيث المفاهيم الجديدة والمصطلحات العلمية الدخيلة وخير مثال على عملية التكرار هذه أذكر: كتاب ‘المجسطي’ ل’بطليموس′ الذي كانت قد تمت ترجمته لأول مرة في عهد ‘المنصور’ وتمت إعادة ترجمته ثانية في عهد ‘هارون الرشيد’.

إن ما ميزحركة الترجمة خلال هذه المرحلة التطرق إلى مواضيع ومجالات جديدة كالرياضيات والتاريخ الطبيعي والأخلاق والنفسيات والفلسفيات والطب . حيث صارت ميدان الفلسفة مجالا مهما للعرب أكثر مما كان عليه، حيث قاموا بدراسة مصنفات ‘أرسطو’ وفهمها بكتب شراح يونانيين أمثال: ‘الإسكندر الافروديس′، وبذلك صارت متداولة ونظرت لماجاء بعد ذلك من مفاهيم ونظريات فلسفية إسلامية ناشئة في القرن 4هـ.

لقد أجمع القدماء ك’الأندلسي’ و’البيهقي’ و’ابن أبي أصيبعة’ و’الشهرستاني’ أن حُذاق الترجمة في الإسلام أربعة وهم: ‘حنين بن إسحاق’ و’ثابت بن قره الحرافي’ و’عمر ابن الفرخان الطبري’ و’يعقوب ابن إسحاق الكندي’، إلا أن ‘حنين ابن اسحاق’ يبقى أشهرهم وأمهرهم على الإطلاق وهو رائد حركة الترجمة في العصر العباسي خلال القرن الثالث، ولعلنا سنتطرق إلا المسوغات التي أتاحت لهذا المترجم الكفؤ أن يتبوأ المرتبة الرفيعة ويصل الدرجة العالية، فقد كان’حنين بن إسحاق’ مُتقنا لأربع لغات معاصرة وهي ‘اليونانية’ و’الفارسية’ و’السريانية’ و’العربية’ وبعد ذلك نجد إلتزامه الأمانة العلمية والدقة فيما يترجم رغم أنه كان يعتمد في ترجمته على المعنى وليس المصطلحات وهذا ما جعل إنتاجه غزيرا ومنتظما، بالإضافة إلى هذا فهناك عامل اخر مهم وهو التمكن من العلوم والمعارف المراد ترجمتها، مما كان يجنبه الوقوع في الأخطاء وهناك عامل الفصاحة والطلاقة في تعابيره في اللغة العربية أيضا، وأخيرا استخدامه لأسلوب علمي صارم في عمله الترجمي وقد تركز هذا الأسلوب في الاعتماد على النسخة الأصلية للمؤلف الذي ينوي ترجمته، أي أنه يقرأ الكتب بلغتها الأصل وبدون لغة وسيطة بينهما قد تحجب عنه الكثير من المعاني وجمالية النص، فإذا ما تعذر عليه ذلك لسبب من الأسباب فإنه كان يشترط توفر نسختين أوأكثر من الكتاب ليتاح له بذلك المقارنة والموازنة وسد الثغرات المحتمل وقوعها في المخطوط.

لقد انصب اهتمام ‘حنين ابن اسحاق’ على البحث عن المصنفات الطبية اليونانية وكان هناك سبب واضح لذلك وهو أن الرجل كان بارعا في الطب، ولولا ترجماته هذه لما وصلتنا أمهات الكتب اليونانية ولما اضطلعنا عليها. وقد تمكن ‘حنين ابن إسحاق’من ترجمة الشيء الكثير من مصنفات ‘أبقراط’ و’جالينوس′ فلخص بعضها وشرح الآخر. وإنه لمن نافلة القول الحديث عن طريقة عمله في ميدان الترجمة، حيث كان ‘حنين بن إسحق’ من أنصار العمل الجماعي في الترجمة، نظرا لما عاناه من ويلات في العمل الفردي، وهذاما جعله يفكر في الإستعانة بنخبة من المترجمين الشباب الذين كونهم ودرس لهم طريقة الترجمة السوية والأمينة، وقد أسند له الخليفة ‘المأمون’ رئاسة ‘بيت الحكمة’ وعهد له بتطبيق برنامج الترجمة المقرر في هذه المؤسسة.

عمد المترجمون خلال تلك الحقبة إلى اتباع ونهج أساليب للترجمة واحترام ركائز ومقومات لها، جعلت ترجماتهم تتصف بصدق النقل ومطابقة المعنى وصحة التعبير مع مراعاة حسن التبويب وإيضاح الهدف والإطار، أما في ما يخص تعريب المصطلحات الأعجمية، فلم يكونوا بحاجة إلى حفظ ولا حافظة وإنما أخذوا اللفظة الأجنبية وعربوها على بنية اللسان العربي، فكان المترجم يتصرف في اختيار اللفظ المترجم وفقا لفهمه وذوقه وقدرته على إدراك المعنى المراد، وحسب مقدرته في اللغة العربية ذاتها.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة