تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



المصطلح: بناءٌ تحتيٌّ للترجمة وجودتها

بقلم : د/ هيثم غالب الناهي

مدير عام المنظمة العربية للترجمة

منذ بدء الترجمة كفنِّ يجمع بين الثقافات والحضارات الأخرى مع نهاية العهد الأموي بالشام وبزوغ العهد العباسي في بغداد، وتتويج الترجمة ونعتها بأم التنمية والانفتاح على العلوم كافة ومروراً بإعادة ما تم ترجمته إلى العربية للغة اللاتينية واللغات الأوروبية الأخرى مع القرن الميلادي العاشر وليومنا هذا، كان المصطلح العلمي الشغل الشاغل للمولعين بهذا الفن. فاستنباطه واستقصاؤه وتوحيده وشرحه ومن ثم استخدامه كان من المعضلات التي عاناها إسحق بن حنين وقسطا بن لوقا وغيرهما، ولكن أرسى هؤلاء البنيان المتين لتستمر الترجمة وليتم هضم العلوم من خلالها ومن ثم الانطلاق لإيجاد علوم أخرى في هذا المضمار. مضمارٌ خلد فيه العرب المسلمون وأصبح أساساً في بناء المجتمعات الأخرى في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين بعد محاولاتٍ عديدة للاستفادة من الترجمة والمصطلح وتفسيره.

فالمصطلح العلمي سواء أردنا أم انثنينا بعيداً عنه أو عن اللغة يعتبر وسيلة علمية حية لنقل الفكرة بلفظ معين يجمع في داخله الذاتي المعنى الظاهر والباطن للشيء العلمي المراد الإتيان به. أي خلاصة القول هو أن المصطلح لفظ له معانٍ كثيرة يعتمد على التخصص لوضع المفهوم سواء في العلوم البحتة أو الإنسانية بما لا يتجاوز الدلالات المعنية للشيء. فعلى الرغم من بعضهم ينعته بالاصطلاح إلا أن المصطلح والاصطلاح يعنيان الهدف نفسه مع الاعتبارات التاريخية واللغوية لاستخداماته. فمنذ القدم استخدم العرب لفظ المصطلح الدلالي خصوصاً في كتب الحديث النبوية والتي منها الألفية في مصطلح الحديث للزين العراقي ونخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر للعقلاني  ومصطلح الإشارات في القراءات الزوائد المروية عن الثقات. هذه الإلمامة التاريخية أردت منها بيان ورود المصطلح قديماً لأنه يمثل ظاهرة حضارية ثقافية تمعن في دلالات الأشياء وصقلها وتوظيفها بما ويتلاءم مع العلوم المدروسة، ضمن سياقات تعليلية للمعنى في لفظ مبسط يحمي المعرفة في داخله.

المصطلح في هموم اللغة والتاريخ

دأب العرب منذ القِدم على استخدام مصطلحات أسهمت في التفسير القرآني والحديث والفقه وغيرها من الأمور الشرعية، لكون المصطلح ما إن يمكن أن نميز الاختلافات فيه من خلال الاستخدام الدقيق حتى نتمكن من أن نبرز من خلاله ما نحتاج بالضبط من أسس علمية حكيمة يمكننا من خلالها إطلاق الأحكام الصحيحة والصائبة في أي منحى نريد أن نولج فيه آراءنا. فلذا عند بداية حكاية التاريخ في المصطلح نرى أن المتصوف عبد الرزاق جمال الدين الكاشاني المتوفى في 736هـ (1335م) هو أول مَن اعتنى بالمصطلح أو كما كان يطلق عليه العرب بالاصطلاح لغوياً. وقد برز هذا الاهتمام من خلال كتابه الموسوم “إصطلاحات الصوفية” الذي حققه المستشرق النمساوي ألويس سبرنجر(Aloys Springer) (1813-1893).

 كما استمرّ الكاشاني في الاهتمام بالمصطلح وإيجاد الوجيز للدلالات الصوفية في الكتب التي تلت كتاب الاصطلاحات، وعلى هذا المنوال جاء دأب الكاشاني بترديد كلمة مصطلح حتى في مقدمة المعجم الموسوم “لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام“ الذي جاء فيه “أحببت أن أجمع هذا الكتاب مشتملاً على شرح ما هو الأهم من مصطلحاتهم”.

لقد توالى العرب والمسلمون على الضلوع في توظيف هذه اللفظة للدلالات على مسرورات الأشياء وعناصرها المترابطة التي توضح المعنى والعملية في وقتٍ واحدٍ دون شروحات طويلة. أي أن العرب من خلال استخدامهم مبكراً لفظة مصطلح كان الهدف منها أن تتوحد سيرورات الأشياء ليتفعل العقل في تصور عناصر ما هو مرتبط بالمصطلح. فهذا الخوارزمي الذي بعلمه لا بد أن يتواشج الفكر والإدلال بوصف المصطلحات لكونها حسب قوله مفاتيح العلوم وفهمها. فهو يرى أن فهم المصطلح يعني فهم نصف العلم لكون المصطلح يعبر عن المفهوم، ولكون المفاهيم التي بجمعها ستكون منظومة المعرفة الفكرية لأي علم من العلوم. فلذا استخدام اللغة بصورة صحيحة والبحث في أتونها عن الكلمة الوصفية للمفاهيم المعرفية ستكون اللغة من خلاله وعاءً حاملاً للضمنية المعرفية والدلالة الاستدلالية وسيكون عند النضج الفهمي أداة التواصل المعرفي بين العاملين على أي علم يتوق إليه هذا المصطلح أو ذاك. لكون المفهوم التصويري لأي مصطلح يوفق التصور الوصفي لكونه عند الفهم يتخزن في داخل الدماغ  ويستدعى كعملية متكاملة موسومة بكلمة وصفية متى أراد المتخصصون التعامل مع جانب من جوانب البحث العلمي وتطوره.

إن إدراك العرب والمسلمين للمصطلح وما له من دور كبير في حصر الوصف الفهمي للعلوم وتطويرها دفعهم مع بداية الترجمة ونقل العلوم إلى الاعتناء بالمصطلح، فلذا اتفق اللغويون العرب من بداية الدولة العربية الإسلامية على التركيز على المصطلح وتعريفه كي لا يحيد المعنى الأساس والهدف الاستدلالي إلى المساس بما لا يمس العلم والعلوم مباشرة. فهم اتفقوا ضمنياً وفهمياً واستدلالياً على أن المصطلح هو ما يتفق عليه المتخصصون ليعني في مفهومه الدلالي على مدلول معين للتعبير عن شيء تتخلله عناصر لأشياء ضمنية تعطي دلالة بمنظومتها الكاملة. فلهذا وضمن هذا السياق فقد ذكر أبو العباس أحمد القلقشندي (1355م – 1418م) في كتابه صبح الأعشى في صناعة الإنشاء المصطلح بما هو مفيد وما هو عتيد حين قال “على أن معرفة المصطلح هي اللازم المحتم والمهم المقدم لعموم الحاجة إليه واقتصار القاصر عليه”. أما الشريف علي بن محمد الجرجاني (1339-1413) فقد ذكر في كتاب التعريفات المتخصص في تحديد معاني المصطلحات المستخدمة في عصره في الفنون والعلوم أن المصطلح هو “عبارة عن اتفاق قوم على تسمية شيء باسم ما ينقل عن موضعه أو إنه إخراج اللفظ من معنى إلى آخر لمناسبة بينهما”.

لقد فتح المصطلح وكيفية التعامل معه وتقنيته واستخدامه باباً علمياً جديداً في عصر الترجمة العباسية وما بعدها، حتى صار الإتيان به في لب الموضوع باباً مهماً في الترجمة أو العلوم العربية الإسلامية المؤلفة تأليفاً. وبهذا الخصوص يقول آية البقاء الكوفي المتوفى العام 1683م في الكليات “المصطلح هو اتفاق القوم على وضع شيء وإخراج الشيء عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر لبيان المراد”. ومن هذا المنطلق العلمي سعى مرتضى الزبيدي (1732م- 1790م) عالم الحديث واللغة والذي يعتبر أول من جمع اللغة العربية وقعدها وصاغ المصطلح العلمي والفهمي فيها، ليبين المصطلح بأنه “اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص”. فالزبيدي في أدلجته لمفهوم المصطلح أراد أن ينهي نزاعاً ظل قائماً لسنوات عديدة لا يمكن فضه في التعريف والاستدلال. وهو بالفعل قد حسمه حسماً علمياً قاموسياً حين أناط اللثام عن الإتيان بتتبع اللغة والاستناد إلى المعنى المحدود في اللغة العربية لأي لفظ. فحين يتفق الكيمائيون على مصطلح خاص بتفاعل ما يعني هذا أمر مخصوص وخاص بهذه العملية دون غيرها، وكذا الأمر ينطبق على الاختصاصات الأخرى. ولعلنا هنا نؤكد أن ما جاء به الزبيدي وغيره في المصطلح كان في وقتٍ صارت الترجمة من العربية إلى اللاتينية أو اللغات الأوروبية الأخرى هماً طال الزمن به أو قصر لكل الدول الحديثة التي كانت تغص بالظلام حين كان الزبيدي ومن سبقه يغطون بالعلم وحين كانت بلادنا تفخر بالعلماء. فهو قد حل هذا الإشكال ليس باللغة العربية ولكن في اللغة الأخرى التي أخذت العلوم عن العربية لتسهيل فهمها وهضمها. وهو ما فتح في العصر الحديث أبواباً جديدة لفهم المصطلح وتطويره مع التطور الذي حصل في العلوم وتفرعاتها الأخرى.

نشأة المصطلح حديثاً وأهميته

حين نقول أنّ المصطلح يغني اللغة العربية ويطورها، لا يعني أن المصطلح يدخل كلمات جديدة أو كلمات قاموسية أُعيدت لتأخذ مكانها في التداول العلمي واليومي فحسب، بل إن المصطلح يمكنه أن يكون تفسيراً لحالة تاريخية أو علمية أو منطقية. فعلى سبيل المثال، حين نستخدم مصطلح “عصر النهضة” لا يعني كلمة لغوية عربية تتصل بفعلها بالعصر والنهضة بقدر ما هو أن المصطلح أبعد ثقافياً ودلالياً عن معاني الكلمات بموضوعاته. فمصطلح عصر النهضة مثلاً يعني الانتقال الفكري والمعرفي والثقافي من العصور الوسطى (ما بين وخلال القرنين الرابع عشر والسادس عشر الميلاديين) إلى العصور الحديثة. ناهيك عن أن هذا المصطلح على بساطته يؤرخ لسقوط القسطنطينية عام 1453م واتجاه وجهة هجرة العلماء والمفكرين والمعرفيين نحو إيطاليا ليعيدوا نشر الفكر والمعرفة اليونانية والرومانية. وإذا أردنا أن نغوص أكثر في دلالات المصطلح وأنغامه المعرفية سيكون دلالة للثقافة والفكر وكيفية بدايته في إيطاليا في القرن الرابع عشر الميلادي والانطلاقة من هناك إلى فرنسا وإنكلترا وألمانيا ومن ثم لجميع أرجاء أوروبا. هذه إلمامة بسيطة لتوضيح مفهوم المصطلح منذ التأسيس ونهاية بتطوره وصياغته ومفاهيمه ودلالاته، فكيف اليوم الذي تطورت فيه العلوم والاختصاصات؟ فلا بد من أن يكون هناك منطلق ذاتي للتعريف به والتعرف عليه.

المصطلح وكيفية صياغته واستخداماته ليس حديثاً كما يصفه البعض بأنه أوروبي المنشأ اتفق عليه ليكون “مفهوم أو عبارة مركبة استقر معناها أو استخدامها وحُدد بوضوح ليكون تعبيراً خاصاً ضيقاً في دلالته المتخصصة وواضح لأقصى درجة ممكنة وله ما يقابله في اللغات الأخرى”. فهذا التعريف يلغي واقعاً كل الجهود العربية والإسلامية وغيرها التي بُذلت لإيجاد علم المصطلح واستخدامه، فهو فيه فجوات كبيرة منها أن يكون تعبيراً خاصاً وضيقاً، في حين ما تحدثنا فيه عن مصطلح عصر النهضة يبين مدى إمكانية أن يكون مصطلحاً يضم في دلالته التاريخية واللغوية والثقافية والفكرية وحتى سير الحقبة وسلوكية الناس. وعليه فإن أدق تعبير للمصطلح يجب أن يتخلل عناصر أساسية منها الاتفاق على دلالة المعنى لأي معنى علمي يصب في توضيح صيرورة الأشياء المراد الاستدلال بها. وهذه الدلالة لا يمكن أن تجد طريقها إلى التفعيل والاستخدام كعرفٍ ما لم تكن هناك اتفاقية بين المهتمين تؤكد صحة إطلاق المصطلح على عملية معينة ما. هذه الأساسية التي لا بد أن تُؤخذ بعين الاعتبار في المصطلح التي بجانبها توضيح الدلالة الجدية الخاصة بالمصطلح والتي لربما لا تتطابق بصورة مباشرة مع المعنى اللغوي كما وضحنا آنفاً مفهوم مصطلح عصر النهضة. وهذا لا يمنع التوافق والتشابه الدلالي ما بين المصطلح الذي وقع عليه الاصطلاح وبين المفهوم العام للمعنى اللغوي اللفظي لتلك الكلمة.

ضمن هذه السياقات ومن خلال تطور الاهتمام بالمصطلح ولأهمية تبسيط الفهم والتبادل الحضاري ومع التوافق والقبول والنقاش حول العلوم ومنجزاتها، بدأ الاهتمام بالمصطلح وتوحيد استخدامه مهنياً وأكاديمياً من قبل علماء الرياضيات في القرن التاسع الميلادي لكي يكون باباً مهماً من بعد ذلك في الفلك والفلسفة مع القرن الثاني عشر الميلادي. إلا أن النقلة الحقيقية في استخدامه كانت من نصيب علوم الكيمياء والأحياء والطب حيث بدأت أوروبا بصورة جلية توحيد مصطلحات تلك العلوم مع بداية القرن العشرين. وقد حرص المهتمون بهذا الموضوع على توحيد المصطلح ليس في لغة المنشأ ولكن حتى في اللغات الأخرى ليتمكن المتخصصون التفاهم فيما بينهم وإن لم يجيدوا اللغة تماماً للتواصل فيما بينهم.

لعل أول بادرة في المصطلح العلمي الدلالي الذي فجر مبررات وجوده وضرورات التأني فيه كانت مع ما صدر عام 1906م، وعلى مدى أكثر من 22 سنة تمكنت مؤسسة شلومان من إصدار معجمها المصور التقني الخاص بالمصطلحات بواقع 16 مجلداً وبست لغات. ميزة هذا المعجم لم تكن عفوية كما عرفنا وجود الكثير من المصطلحات المعرفية الدلالية بقدر ما كانت ميزته تكمن في الترتيب المبني على أساس المفاهيم والعلاقات القائمة ما بين المصطلحات. وهو ما سهل فهم المصطلح والإتيان باستخدامه لكون المجاميع المتوافقة والمتداخلة ما بين المصطلحات أدت بصورة غير مباشرة إلى توضيح مدلول المصطلح وتفسيره بصيغة مقبولة مقرونة بالصورة.

لقد أسهم صدور معجم شلومان بهذه الصيغة وهذه الطريقة في تشجيع الخبراء والعلماء الآخرين على ضرورة اعتماد المصطلح ضمن السياقات الدلالية لوظيفة العملية العلمية. وهو ما دفع العديد من المؤسسات العلمية الهندسية وغيرها إلى وضع مصطلحاتها الدلالية بصيغ تراجع سنوياً ضمن إطار الإضافات والحذف والتبادل والتطوير لأي مصطلح. حتى بات اليوم في الكثير من التقنيات التي تهم حياة الإنسان المجتمعية أن هناك رقماً دلالياً لأي مصطلح يعوض عن الشرح الخاص لأية مادة أو عملية معينة. وعليه ضمن هذا السياق الذي لا نريد أن نتطرق فيه بما يودنا في الخروج عن لب الموضوع الذي نحن نقصده. هذا الموضوع هو كيف أن الترجمة أثرت اللغة بالعديد من الكلمات الدلالية وطورتها وستسهم أيضاً في المستقبل في تطوير اللغة العربية قياساً باللغات الأخرى المعتمدة علمياً في هذا العالم الصغير. من خلال ذلك نود أن نقول أن المصطلح في عصرنا الحالي قد أخذ طوراً وفهماً جديدين في عملية صياغته ودلالته المعرفية التي أضافت بما لا يقبل الشك العديد من المستجدات للغة العربية وحسنت من أداء مستخدميها بدلاً من أنهم لغرض الفهم يمزجون بين لغة ولغة أخرى.

 

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة