تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



نظم الترجمة الآلية الخاصة بالعربية وبعض أسباب تعثرها

بقلم : د/ مسعود عمشوش

قبل أن نربط بين معضلة السياق وتعثر نظم الترجمة الآلية الخاصة باللغة العربية، سيكون من المناسب أن نبيّن إنّ السياق، بمستوييه اللغوي والاجتماعي، ما زال يشكل معضلة تواجهها نظم الترجمة الآلية في مختلف اللغات. فمثلاً، لكي نترجم كلمة (avocats) في الجملة الفرنسية الآتية: (certains avocats sont pourris) ينبغي علينا أن نعرف أولاً من خلال السياق أي ترجمة نختار (بعض المحامين فاسدون أو بعض ثمرات كمثري التمساح فاسدة) إذ أن كلمة (avocats)  تعني في الفرنسية (محامي وثمرة كمثري التمساح). وقد أكّد على ذلك محمود إسماعيل صالح، أستاذ اللسانيات التطبيقية في جامعة الملك سعود، في دراسته عن (الاتجاهات المعاصرة في حركة الترجمة في العالم) التي قال فيها إن “أحد عيوب الترجمة الآلية في العالم يكمن في الصعوبات التي يواجهها الحاسوب مع الكلمات المتعددة المعاني والتعبيرات الاصطلاحية والاستعمالات المجازية للغة، ثم التعامل مع الضمائر العائدة إلى أسماء سابقة ولاحقة، وقضايا التطابق بين مكونات الجمل والتعبيرات، والتفريق بين ما يتطلب ترجمة حرفية أو دلالية وبين ما يتطلب تعادلاً وظيفياً. ولعل من أسباب هذه المشكلات التي تواجهها الترجمة الآلية صعوبة برمجة الحس العام (common sense) وتحديد دور السياقين اللفظي والموقفي الأمر الذي هو متاح للمترجم البشري الخبير”.

ويؤكد حسن الشريف في سنة 1998، في نهاية “تقرير المسح عن الترجمة الآلية في الوطن العربي” الذي قدمه إلى ندوة “نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة” أنه “تتوافر في الأسواق بعض البرمجيات للترجمة من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ويمكن اعتبار هذه البرمجيات مســـاعدة أساسية للترجمة إلى اللغة العربية، لكنها جميعها تحتاج إلى مراجعة وتدقيق من قبل مترجم إنسان لإزالة اللبس وتجميل النص العربي المولد” ويضيف: ” من الأفضل في المرحلة الحالية التحدث عن الترجمة بمساعدة الحاسوب وعن أدواتها المساعدة، المتوفرة بشكل واسع في مختلف اللغات، بدلاً من الحديث عن ترجمة آلية كاملة”

ويقرر ذلك أيضاً أ. د. سلمان داود الواسطي الذي يضمّن بحثه حول “التفاعل بين الإنسان والآلة في الترجمة الحاسوبية” رأي سعد عبد الستار المتخصص في اللسانيات الحاسوبية الذي يؤكد على دور جهل الحاسوب بالسياق في تدني مستوى الترجمة الآلية في مقابل الترجمة البشرية حيث يقول: “مهما اختلفت أساليب واستراتيجيات الترجمة الآلية، تبقى صعوبات ومعوقات تواجه الحاسوب خلال عمليات الترجمة. فالإنسان لديه القدرات الذاتية والمعارف الآنية والمقامية والمعرفة بالموضوع وهي تساعده في إنجاز الترجمة الصحيحة”. وفي نهاية هذا البحث الذي أعد في نهاية عام 2000، يكتب الأستاذ  سلمان الواسطي: “وعلى الرغم من هذه المحاولات التحسينية كلها، تبقى نوعية النتاج، في الترجمة الآلية كلياً، أي التي لا يساعد الإنسان فيها الآلة، قاصرة في كثير من الحقول المعرفية، عن الترجمة البشرية، في دقتها ودرجة الوثوق بها والتعويل عليها”.

لكن من المؤكد أن نظم الترجمة الآلية الخاصة باللغة العربية قد طرأ عليها بعض التحسن خلال السنوات القليلة الماضية لاسيما تلك التي تترجم من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، حيث استطاعت الشركات المصنعة لبرامج الترجمة من هذه اللغة باتجاه اللغة العربية أن تحسن من مستواها بشكل ملحوظ. فشركة  ATA (لندن)، مثلاً، قامت في مطلع هذا العام بإصدار نسخ جديدة ومطورة من برامج الوافي الشهيرة للترجمة من اللغة الإنجليزية إلى العربية تضم برنامج الوافي الجديد 3 ، وبرنامج الوافي الذهبي إضافة إلى برنامج المترجم العربي 3 . وتمتلك هذه الإصدارات إمكانيات جديدة مهمة تشكل قفزة كبيرة في قدرات الترجمة من الإنجليزية إلى العربية. ويؤكد محمد المرزوق مدير (مؤسسة المرزوق للتقنية والمعلومات) التي تمثل شركة ATA في المملكة العربية السعودية أن “برامج الوافي تضم معجما إنجليزي-عربي  بـ  500 ألف كلمة، و يمتاز عن غيره من المعاجم الموجودة بالسوق، والتي هي مع الأسف مجرد عملية قص ولصق لقواميس ورقية، وتم إعدادها منذ سنوات دون تجديد حقيقي، بطريقة تصميمه؛ إذ تم إعداده في الأصل من قبل متخصصين وخبراء يعملون في معالجة اللغة والترجمة على الكومبيوتر وعلى رأسهم الخبير  الدكتور عدنان وال  الذي يعد من أوائل الخبرات العربية التي وضعت أسس علم الترجمة الآلية. وفي الوافي الجديد الوافي الجديد (V 3) أضيفت كلمات جديدة ويضم القاموس التابع له مليون ونصف المليون كلمة. ويوجد في البرنامج خيار لإظهار حركات الحروف العربية، ومراجعة النص جملة جملة ويعطي الكلمات المرادفة لبعض الكلمات. أما برنامج الوافي الذهبي فيضم نفس ميزات الوافي الجديد إضافة إلى ميزات جديدة منها إمكانية ترجمة عدة ملفات في وقت واحد، كما يضم البرنامج  9معاجم علمية متخصصة في الطب، والبيطرة، والأحياء ( نبات وحيوان )، والفيزياء، والرياضيات والإحصاء، والكيمياء، والهندسة، وعلوم الأرض وعلوم أخرى. ويوجد في هذه المعاجم أكثر من مليوني كلمة”.

وعندما حاولنا، في شهر يوليو 2002، تجربة برنامج (الوافي الذهبي) وطلبنا منه ترجمة الجملتين الآتيتين: “the book is long. And many problems face me in this chapter “، حصلنا على هذه الترجمة المرضية: “إنّ الكتاب طويل. والعديد من المشاكل تواجهني في هذا الفصل”. لكن حينما طلبنا من برنامج آخر أن يترجم لنا من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية الجملتين الآتيتين: “الكتاب طويل. وتواجهني صعوبات كثيرة في هذا الفصل”، لم نحصل إلا على  ما يأتي: “The difficulties of many meet me face to face in this separation” ” !!

ويمكن أن نذكر هنا أن محمد عزا لدين، مدير شركة  CIMOS(فرنسا) قد أكد، خلال تقديمه لتجربة شركته في ندوة “الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة” أن برنامج “الناقل العربي للترجمة الآلية” يتصدى فعلاً لمعضلة مرحلة التحليل الدلالي إذ يقول: “يصب اهتمام معظم برامج الترجمة الآلية في التحليل الصرفي والنحوي للجملة العربية، وليس هناك حالياً برامج تعالج التحليل الدلالي. ولسد هذا العجز صممنا برنامج الناقل العربي ليكون أول برنامج يعالج هذه المشكلة ويقدم حلولاً مرضية”. ومع ذلك يعترف محمد عزا لدين في نهاية تقديمه (1998) بوجود معضلة السياق التي تحتم تدخل الإنسان، أي اللجوء إلى الترجمة التفاعلية، لحل بعض حالات اللبس التي تبرز بسببها. فهو يقول: “وفي جميع الحالات المذكورة يمكن للمترجم البشري فضلاً عن الاختيارات الدلالية التي يقدمها برنامج الناقل العربي أن يعدل أو يضيف معنى آخر بحسب سياق النص. وهذا ما يسمى بالترجمة التفاعلية. ففي الجملة “إنه كريم” لا يمكننا أن نعرف ما إذا كان كريم اسم علم أم صفة. وفي غياب دلالات صرفية ونحوية لرفع الالتباس لا بد من تدخل بشري. فهذه المعاني لا يحددها إلا سياق الجملة أو الفقرة أو موضوع النص. ويمكن للمترجم أن يعدل اختيار البرنامج بواسطة الترجمة التفاعلية”.

ومن هذا كله نستنتج أن مستوى التحليل الدلالي المزدوج، الذي يزعم مصممو نظم الترجمة الآلية أنه قد أدخل في مكونات برامجهم، ما زال يواجه كثيراً من المعضلات والتحديات. فإذا كان بالإمكان جدولة الخصائص الصرفية والصوتية والنحوية، فالمعجميون لم يتوصلوا حتى اليوم إلاّ إلى وضع معجم الكتروني يحتوي على مختلف المعاني التي يمكن أن تلصق بأي مفردة. وفي الحقيقة المعاجم التقليدية في معظم اللغات تشمل عادةً المعاني المتعددة للمفردة الواحدة. فالمعجم الفرنســــي  Le Petit Robert) )  مثلاً يضم أكثر من 600000 معنى لأقل من 30000 مفردة. لهذا فمعظم حالات اللبس تبرز أساساً لعدم قدرة البرنامج الآلي للترجمة على اختيار المعنى المناسب للكلمة التي تمتلك عدة معاني. وقد رأينا كيف تُرجمت كلمة “فصل” في المثال الذي قدمناه بكلمة separation، في الوقت الذي كان السياق يطلب كلمة   chapter.

ومما لاشك فيه أن معضلة السياق الثقافي ستظل ولفترة طويلة واحدة من أهم تعثرات نظم الترجمة الآلية في مختلف اللغات. فنحن إذا افترضنا أننا سنتمكن قريباً، على الأرجح، من جدولة مكونات السياق اللغوي للنص وبرمجتها في معجم آلي متطور، لن يكون من السهل علينا جدولة مكونات السياق الاجتماعي الثقافي للنص وبرمجتها في النظام الآلي إذا كان المترجم البشري نفسه لا يستطيع أن الوصول إلى هذه المكونات السياقية التي هي – كما ذكرنا – ذاتية في أحد أبعادها، والتي تقع أيضاً وراء “الخيانة” التي يتهم بها عادة المترجم البشري. فالمترجمة آمال فريد تقول أن السبب الأول لخيانة النصوص هو جهل المترجم بالسياق الثقافي للنص الذي يترجمه, وتستدل على ذلك بالترجمة الفرنسية لرواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ الذي قام بها أستاذ فرنسي من جامعة السوربون. “فبما أنه يجهل كل شئ عن السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للرواية فقد جاءت ترجمته مكتظة بالأخطاء على المستوى الحضاري وحتى على المستوى اللغوي”.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة