تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الســـياق والدلالــــة

بقلم : د/ مسعود عمشوش

انطلاقاً من التمييز الذي وضعه دي سوسير في بداية القرن العشرين بين اللغة كنظام عام للتواصل له نسقه وقواعده  ومفرداته، والكلام الذي يبرز في شكل استخدام فعلي، شفهي أو تحريري، للغة، يفرق معظم اللسانيين اليوم بين المعنى الذي ربطوه باللغة وتحديداً بالمعاجم اللغوية، وبين الدلالة التي تقع في مستوى الكلام وتتجاوز المعنى المعجمي للغة إذ تدخل ضمن مكوناتها عناصر لغوية وغير لغوية مرتبطة بطبيعة الخطاب وزمانه ومكانه، وبشخصية المتكلم وشخصية المخاطب وما بينهما من علاقة، وكل ما يحيط بعملية التواصل من ظروف اجتماعية وثقافية. واليوم يطلق على تلك العناصر:السياق.

و من المعلوم أنّ عدداً من اللغويين والبلاغيين العرب، كسيبويه والجاحظ والجرجاني الذين أدركوا في وقت مبكر العلاقة القوية بين المقال، أي الخطاب أو القول، وتلك العناصر غير اللغوية المؤثرة في صياغته، قد وضعوا قبل نحو ألف عام مفهوماً يضاهي مفهوم السياق بمكوناته المذكورة؛ إنه مفهوم المقام. و قالوا: “ لكل مقام مقال”.

ونجد هذه المضاهاة أيضا في كتابات تمام حسان الذي يقول في كتابه المهم اللغة العربية: مبناها ومعناها : “وفكرة المقام هذه هي المركز الذي يدور حوله علم الدلالة الوصفية في الوقت الحاضر، وهو الأساس الذي ينبني عليه الشق أو الوجه الاجتماعي من وجوه المعنى الثلاثة وهو الوجه الذي تتمثل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي تسود ساعة أداء المقال”.

ولكي نحدد وظيفة السياق سيكون من المناسب أن نميز هنا بين نوعين من السياقات على الأقل وأن نحدد المستوى الذي يقع فيه تأثير كل منهما. فوفقا لتشومسكي تتداخل مجموعتان من العناصر في تحديد دلالة النص. فمن جهة هناك العناصر الصرفية والنحوية والمعجمية التي يسميها البنية السطحية للنص ومنها يتكون السياق اللغوي النصي (أو المقالي) الذي يسهم في تحديد الكيفية التي يتم بها تركيب المكونات اللغوية في النص في إطار نسقه العام الذي تكونه مجموعة القوانين والقواعد الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية لأي نظام لغوي. وهذه القوانين النسقية تفرز عند استخدامها في سياق محدد بعض الظواهر التي لا تفرزها في سياق آخر. وقديماً قال السكوكي في كتابه مفتاح العلوم “ولكل كلمة مع صاحبتها مقام”.

 وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ تمام حسان قد قام في الفصول الثلاثة الأخيرة من كتابه المذكور برصد عدد كبير من الظواهر النسقية التي تبرز في المستويات الصوتية والصرفية والنحوية من اللغة العربية، كالتنغيم والنقل والقلب، وأطلق عليها الظواهر السياقية. وبما أن هذه الظواهر، التي تدخل في إطار النسق (أو النظام اللغوي) وقابلة للتفسير يرى تمام حسان أنها قابلة للتصنيف والجدولة في البعدين الأفقي والرأسي. لكنه يستبعد في الوقت نفسه إمكانية إدخال المعجم اللغوي في إطار النظام النسقي لأي لغة وبالتالي إمكانية جدولته. فهو يكتب (ص 316): “والمعجم جزء من اللغة لا من الكلام، ومحتوياته الكلمات التي هي مختزنة في ذهن المجتمع أو مقيدة في جلدتي المعجم، وهي صامتة في كلتا الحالتين. وحين يتكلم الفرد يغترف من هذا المعين الصامت فيصيّر الكلمات ألفاظاً ويصوغها بحسب الأنظمة اللغوية. فالمتكلم إذن يحول الكلمات من وادي القوة إلى وادي الفعل. وبعد قليل نفصل القول في أن معنى الكلمة في المعجم متعدد ومحتمل ولكن معنى اللفظ في السياق واحد لا يتعدد بسبب ما في السياق من قرائن تعين التحديد، وارتباط كل سياق بمقام معين يحدد في ضوء القرائن الحالية”. ويقول أيضاً:”وواضح أن المعجم لا يمكن أن يوضع في صورة جدول لأنة كما قلنا تنقصه العلاقات العضوية بين مكوناته، ومن شروط إمكان  وضع أي جدول أن يكون بين مكوناته هذه العلاقات العضوية كما ذكرنا. وإذا كان المعجم غير قابل للجدولة فلا يمكن أن يكون نظاماً لغوياً”.

ومن جهة أخرى، يوجد السياق الاجتماعي الثقافي الذي يشكل البنية التحتية التي يصدر منها وفيها النص، والذي يصعب الوصول إلى مكوناته جميعاً. فإذا كان المرسل ينتج النص في سياق اجتماعي ثقافي معيّن، فهذا لا يعني أن المرسل قد تمثّل حقاً مختلف مكونات ذلك السياق، لهذا فالذي دخل في تحديد دلالة النص إنما هو تمثل المرسل الذاتي للسياق. وكذلك المتلقي، فهو في سعيه للوصول إلى دلالة النص، لا يستطيع دائما الإلمام بمختلف مكونات السياق الذي أنتج فيه النص. و يصل في الواقع إلى الدلالة التي يعدها صحيحة  أو على الأقل مقبولة لأنها تقترب أكثر من المعطيات السياقية المخزنة في ذاكرته. و إذا اقتنع بتلك الدلالة، فالأرجح أنه لن يبحث عن معلومات سياقية أخرى تتطلب منه بحثاً إضافياً للوصول إلى معلومات سياقية لا يمكن الوصول إليها مباشرة لأنها تتعلق بعصر ماض أو شعب آخر. لهذا فالسياق الاجتماعي الثقافي الذي ينتج فيه النص ويُتلقىّ هو سياق ذاتي في أحد أبعاده.

 ويمكن أن نشير هنا إلى أن ربوت شولز في كتابه " البنيوية في الأدب SRUCTRALISM IN LITERATURE ) " 1964)  قد أعطى تعريفاً للنسق اللغوي نقله عنه الدكتور عبد الرحمن حمودة في كتابه ( المرايا المحدبة : من البنيوية إلى التفكيك ) على النحو الآتي: “النسق هو مجموعة القوانين والقواعد العامة التي تحكم الإنتاج الفردي للنوع [ اللغوي ] وتمكنه من الدلالة. ولما كان النسق تشترك في إنتاجه الظروف والقوى الاجتماعية والثقافية من ناحية، والإنتاج الفردي للنوع من ناحية أخرى، وهو إنتاج لا ينفصل هو الآخر عن الظروف الاجتماعية والثقافية السائدة، فإن النسق ليس نظاما ثابتا وجامداً. إنه ذاتي التنظيم من جهة، ومتغير يتكيف مع الظروف الجديدة من جهة ثانية.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة