تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



أنواع الترجمة الآلية ومراحلها الإجرائية

بقلم : د/ مسعود عمشوش

“الترجمة الآلية” مصطلحٌ اتفق عليه لتسمية النظم الحاسوبية التي تقوم بنقل النصوص من إحدى اللغات الطبيعية إلى لغة أو لغات طبيعية أخرى. واليوم هناك أنواع عدة من نظم الترجمة الآلية تصنف عادةً أما وفقاً لمراحلها الإجرائية، أو وفقاً لعدد اللغات المعالجة (ثنائية أو متعددة)، أو وفقاً للمستخدم حيث نجد نظماً مخصصة للمؤلف وأخرى للمترجم أو المنقح أو الراصد.

وقد اعتمدت الترجمة الآلية في أول عهدها – من خمسينات القرن الماضي إلى سبعيناته- على أسلوب مباشر في النقل من لغة إلى أخرى، وهو أسلوب يرتكز على المقابلة المعجمية المباشرة بين مفردات اللغة المصدر ومفردات اللغة الهدف. ولم يعرف هذا النوع من الترجمة الآلية، الذي أطلق عليه “الترجمة الآلية المباشرة” تحليلاً عميقاً لمكونات المفردة أو الجملة.

وتنبّه الباحثون في مجال علم اللغة وعلم الترجمة واللسانيات الحاسوبية إلى عيوب هذا النوع من الترجمة وتوصلوا، بفضل تضافر جهودهم، إلى تصميم نوعين من نظم الترجمة الآلية غير المباشرة. في النوع الأول، الذي يعرف بالترجمة باستخدام اللغة الوسيطة (أو بالترجمة الوسيطية)، يتم أولاً تحليل النص في اللغة المصدر وتحويل عناصره إلى بنى لغوية نموذجية وسيطة صممت بشكل تجريدي محايد لاستيعاب عناصر مختلف النصوص في مختلف اللغات. وبعد ذلك، يتم – انطلاقاً من ذلك التوزيع- توليد مباشر للنص في اللغة أو اللغات الهدف.

أما في النوع الآخر من الترجمة الآلية غير المباشرة، الذي يسمى الترجمة التحويلية –وهو الأحدث تاريخياً-، فبعد مرحلة تحليل النص في اللغة المصدر يتم توزيع عناصره على بنى نموذجية خاصة باللغة المصدر نفسها، ثم يتم في مرحلة ثانية تحويل أو نقل هذه العناصر إلى بنى لغوية نموذجية خاصة باللغة الهدف ومكافئة للبنى الخاصة باللغة المصدر. ومن هذه البنى يتم توليد النص مترجماً في اللغة الهدف. ويمكن توضيح الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة من نظم الترجمة الآلية بواسطة التوزيع الهرمي الآتي:

تعتمد الترجمة الآلية على أنظمة وبرامج تحلل بشكل آلـي مختلف العناصر البنيوية والدلالية المكونة للنص اللغوي وتقوم بوضع جدولة شاملة ومتماسكة وواضحة لمجموعة القواعد التي تأسس عليها النص مستخدمة في ذلك تقنيات المعالجة الآلية للغات الطبيعية.

 في فترة أولى كانت المعالجة الآلية للغات الطبيعية التي تتداخل فيها تخصصات متنوعة أهمها علم اللغة واللسانيات الحاسوبية (التي تقع في إطار علوم الذكاء الاصطناعي) تقتصر على التحليل الشكلي للنص في المستوى الصرفي والمستوى النحوي. وفي فترة لاحقة أضيف مستوى التحليل الدلالي الذي يتولى مهمة الوصول إلى الدلالة في مستوى الجملة، ثم مستوى التحليل البراجماتي ، الذي يرتبط بالبحث عن الدلالة في  مستوى النص. وفي الواقع لم يتم حتى الآن وضع حدود فاصلة بين اختصاصات المحلل الدلالي والمحلل البراجماتي اللذان يسعيان معاً إلى تحقيق الفهم الصحيح للنص. وبشكل مؤقت يمكننا أن نقرّب هنا بين التحليل الدلالي وما يسميه تمام حسان بالمعنى المقالي الذي نربطه هكذا بمستوى السياق اللغوي النصي، وبين التحليل البراجماتي والمعنى المقامي الذي نربطه بالسياق الاجتماعي الثقافي.  ومنذ بضع سنوات أصبح المستوى الصوتي يحتل مكانة مهمة في المختبرات المتخصصة في تصميم برامج معالجة النصوص اللغوية.

وبالنسبة للمجالات الأخرى التي توظف فيها تقنيات المعالجة الآلية للغات الطبيعية، فهي، بالإضافة إلى تصميم قواعد البيانات والفهارس، تستخدم في وضع الملاحق والملخصات، وفي العمليات الإحصائية الخاصة بالنصوص الطويلة.

 وفي ما يتعلق بنظم الترجمة الآلية الحديثة، التي تُنفذ عادةً في ثلاث مراحل إجرائية- التحليل والتحويل والتوليد – تتم  عملية التحليل في ثلاثة مستويات فقط حيث  يتم دمج التحليل الدلالي والتحليل البراجماتي في مستوى واحد هو مستوى التحليل الدلالي:

1-  مستوى التحليل الصرفي الذي يقع في المرحلة الأولى من مراحل التحليل ويتم فيه تفكيك كل جملة من جمل النص وجدولة مفرداتها وعلامة الترقيم التي تنهيها، ثم يتم التعرف على الخصائص الصرفية والنحوية والمعجمية وذلك من خلال الاعتماد على معاجم أحادية اللغة عامة ومتخصصة، ومعاجم المصطلحات والعبارات الاصطلاحية والمسكوكة، ودوائر المعارف.

2-  مستوى التحليل النحوي، وفيه يتم التحديد النحوي الوظيفي لكل عنصر من عناصر الجملة أو شبه الجملة بما يتوافق والقواعد القياسية للغة المعنية، ويفضي هذا التحديد إلى توزيع شجري – يراعى فيه التسلسل والترابط والتركيب-  لتلك العناصر تمهيداً لتثبيتها في البنى النموذجية الوسيطية أو الخاصة باللغة المصدر. وفي هذا المستوى يقلص حجم حالات اللبس التي لم تحل في مستوى التحليل الصرفي وذلك بعد أن استبعدت بعض الخيارات بسبب عدم مناسبتها للبنية النحوية للجملة.

ومن المعلوم أن نظام المعالجة الآلية يسعى في المرحلتين الثانية والثالثة من التحليل إلى حل اللبس الذي لم يتمكن من فكه في المرحلة السابقة.

3– مستوى التحليل الدلالي: وهو يهدف إلى الوصول إلى الدلالة الخاصة بالجملة وبالنص ككل، وذلك من خلال تحديد موقع كل عنصر من عناصره في السياق بمستوييه: اللغوي النصي والاجتماعي الثقافي، ومن خلال استخدام معاجم الكترونية تستطيع التعرف على مختلف الخصائص الصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية للمفردة أو العنصر اللغوي وتصنيفها في جداول هرمية وشبكية، والتمييز بشكل آلي مثلاً بين الجامد والحي، والفيزيائي والمجرد، والمتحرك والثابت. ومن خلال التعرف على تلك الخصائص وغيرها من المميزات التي تصبح بمثابة “قرائن” يتمكن المعالج الآلي بواسطتها أن يستبعد الخيارات الدلالية لعنصر ما يكتشف أنها لا تتناسب مع مجموعة العناصر اللغوية وغير اللغوية الأخرى المحيطة بهذا العنصر سواء كان مفردة أو جملة. وهذا يعني أن المحلل الدلالي يعمل على إزالة أكبر قدر من حالات اللبس التي ظلت عالقة بالنص في مراحل التحليل السابقة.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة