تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



اللغة والسلام

بقلم : د/ محمد عبود

تلعب اللغة دوراً أساسياً في حياة البشر، فهي من أهم الوسائل التي يستخدمها الفرد للاتصال والتواصل مع غيره، ومشاركتهم خبراته. وقد تكون اللغة المشحونة والخطابات الحماسية أحد أهم مسببات الحروب بين الشعوب والدول، إلا أن اللغة أيضاً هي الأداة الوحيدة لتحقيق السلام؛ حيث تُيَسِّرُ لنا سبل فهم الآخر، وتغيير الصور النمطية السلبية تجاهه، مما يخلق أجواء التفاهم، والتعايش السلمي بين البشر.

الأهداف النبيلة لتعلم اللغات لا بواكي لها في إسرائيل التي تحاول بشتى الطرق اختراق العقول العربية عن طريق صفحات وسائل اجتماعي ناطقة بالعربية. وتتصيد المنشورات من هنا وهناك لتدس السم في العسل، وتغسل عقول الأجيال الجديدة بخطاب صهيوني يصل إليهم في عقر دارهم، وعلى شاشات الهواتف المحمولة!

صفحات التواصل الإسرائيلية باللغة العربية تشرف عليها عدة أجهزة استخبارات كالموساد، وجهاز الأمن العام (الشاباك)، وأجهزة الأمن في وزارة الدفاع الإسرائيلية. وفي سبيل نشر هذه الصفحات تعمل هذه الأجهزة من سنوات طويلة على تعليم اللغة العربية للإسرائيليين رغم كراهيتهم لكل ما هو عربي! ويعتبر تدريس اللغة العربية للإسرائيليين في المدارس إحدى الوسائل التي يتبعها الاحتلال لخدمة الأهداف الاستخباراتية والعسكرية، وذلك بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم ومجلس التعليم العالي اللذين زاد اهتمامهما باللغة العربية في السنوات الأخيرة.

وتستهدف المؤسّسات الإسرائيلية من تدريس اللغة العربية اعتبارات أمنية، بالأساس، وليست مدنية أو ثقافية، كما يقول د. محمد أمارة رئيس قسم اللغة الإنجليزية بالكلية الأكاديمية "بيت بيرل"، ليس للتعرّف على ثقافة الآخر، بل للتعرُّف على "العدو". ويقول أحد مفتّشي اللغة العربية الإسرائيليين صراحة: "إنَّ دوافع تدريس اللغة في المدارس اليهودية نابعة من دوافع أمنية بالأساس. ولهذا السبب فقد دُرِّست العربية بشكل محدود جدًا في المدارس اليهودية، كما أنَّ تدريسها كان اختياريًا حتى سنة 1986، والمفارقة في الأمر هو أن الأجهزة الأمنية تحديدًا هي التي لعبت الدور الرئيسي في الدفع باتجاه ضرورة تدريس اللغة العربية في المدارس اليهودية لحاجتها للكوادر المهنية التي تقرأ وتفهم اللغة العربية.

ومهما تحدثنا، نظريا، عن عسكرة تعليم اللغة العربية في المدارس الإسرائيلية ستبقى الحقيقة الخالدة أنه: "ليس من سَمِعَ كمن رأى".. وفي هذا السياق تعالوا نقرأ معا من صحيفة هاارتس جزءً من تحقيق استقصائي عن طريقة تدريس اللغة العربية في المدارس جاء فيه إن الجنود الإسرائيليين بالزي العسكري هم من يشرفون على تدريس اللغة العربية في إحدى المدارس الإعدادية، ويلتزمون بمنهج محدد. يكون الدرس الأول فيه على النحو التالي: "بما أنكم طلاب تدرسون اللغة العربية، نحتاج مساعدتكم في إحباط عملية تفجيرية وصلتنا عنها إنذارات عاجلة”. هذا البرنامج التعليمي بالتعاون بين الجيش والمدارس يهدف لرفع الوعي حول أهمية تعلم وفهم اللغة العربية لأهداف أمنية! وتتضمن الدروس أنشطة يكشف فيها الطلاب عن ملابسات عملية فدائية محتملة بالاعتماد على تحليل معلومات باللغة العربية.

الخطير في التحقيق الاستقصائي الذي كتبه محرر التعليم "أور كشتي" بعنوان "اعرف عدوك" إن منهج تدريس "اللغة العربية" لأهداف أمنية وضعه باحثون بقسم دراسات الشرق الأوسط يعملون في المدارس، وهم بالأساس جزء من وحدة 8200 الاستخباراتية المسئولة عن صفحات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية باللغة العربية.

ويستهدف الدرس الأول في الكتيب التعليمي الاستخباري الموجه للمرحلة الإعدادية تحقيق أربع مهام: كَشْف مكان التفجير من خلال حل كلمات متقاطعة باللغة العربية. الحصول على معلومات عن منفذ العملية (له شارب، نظرة جدية وشعر أسود). تحليل محادثة باللغة العربية تتحدث عن نقل الأسلحة. كشف توقيت التفجير.

تركز بقية فصول الكتاب على تدريس عمليات الاغتيال المعروفة التي نفذها الموساد، ويعتبرها مدعاة للفخر. فعلى سبيل المثال هناك درس حول اغتيال أبو جهاد، ويحيى عيّاش، وعباس الموسوي، إلى جانب دروس أخرى عن خطر الأنفاق، وعن مساهمة الموساد في القبض على أدولف آيخمان، أحد القادة النازيين.

طبيعة الدروس، والزي العسكري الذي يرتديه الجنود القائمون على تدريس اللغة العربية يؤكد الطابع الأمني الذي يفرض نفسه على تعلم اللغة العربية في إسرائيل. ويؤكد أن تعلمها لا يستهدف تعزيز الاتصال والتواصل والتعايش بين العرب واليهود. ويعلمنا أنه في حالة الصراع العربي الإسرائيلي صارت العربية والعبرية جزءًا لا يتجزّأ من النزاع. فاللغة ليست معزولة أو منسلخة عن الواقع، بل تستجيب للتغيّرات الطارئة عليه وتتفاعل معها. وليس لدينا في العالم العربي رفاهية التعامل مع تدريس اللغة العبرية في كلياتنا ومعاهدنا كما لو أنها اللغة الفرنسية أو الإنجليزية !

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة