تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



 تأثير إيديولوجيا الصحيفة على الترجمة

بقلم : د/ عبداللطيف هسوف

لكل صحيفة شكلها وصيغتها التي تصاغ بها، إضافة إلى توجهها. ونعني بالصيغة جانبها الشكلي الذي يميزها عن باقي الصحف المعروضة في الأكشاك، أما توجه الصحيفة فإنه يقابل اختيارات سياسة التحرير التي تخضع لعدة محددات: إيديولوجية أو فكرية أو سياسية أواقتصادية..الخ.

 وإن وصفت وسائل الإعلام عادة بأنها السلطة الرابعة في المجتمع لأنها وجدت أصلا لمواجهة مناورات الخطابات السياسية والإيديولوجية ، إلا أنها، خصوصا في مجتمعاتنا العربية، قد تخضع هي الأخرى لسلطة إيديولوجية تتحكم في اختياراتها ومحتوى خطاباتها. وبذلك فإن الصحافة تتحكم في المتلقي بعد أن تخضع هي الأخرى لسيطرة نخبة اجتماعية، سياسية، اقتصادية أو دينية محددة تكون لجنة تحريرها أو من يكون وراءها.

ومتى انتقلنا من الصحفي- الكاتب إلى الصحفي- المترجم قبلنا بالحديث عن ما يتركه فكر المترجم وإيديولوجيته من أثر على اختياره للنصوص التي يود ترجمتها. هذا الاختيار الذي يؤثر بدوره على أداء المترجم ومقاصده ومدى التطابق بين ما يتوخاه لترجمته من أثار ومفاعيل، وما يتحقق فعلا على صعيد العلاقة مع الآخر، أي مع القارئ. وإن كانت الترجمة في العالم العربي لا تزال تنزع إلى الأعمال الأدبية أو التقنية التي لا تتعارض مع بطش السلطة (السلطة السياسية أو الثقافية أو الإعلامية)، فهذا لا يعطي الحق للصحفي- المترجم في ترجمة ما يروق للمسؤولين والتستر أو تفادي ترجمة ما يقلقهم نزولا عند رغبة رئيس التحرير الخاضع هو الأخر لسلطة فوقية، بل على المترجم متى انتهى من اختيار المقال المراد ترجمته أن ينقل معناه إلى اللغة الأخرى كاملا دون نقص أو زيادة أو تحريف أو تشويه. ولنقل إن للنص الأصل سلطة على المترجم لا يجب التنصل منها للخضوع لسلطة إيديولوجية أو سياسية أو ثقافية خارجة عن هذا النص. وغني عن البيان أن عصر العلم رهن الديمقراطية. وكلما اتسع نطاق الحرية في الكتابة وفي الترجمة، اتسع نطاق النشاط الفكري بمدلوله ومضمونه الاجتماعيين. ولهذا فإن البعد السياسي والإيديولوجي مكمل للبعد المعرفي- الثقافي، ودون هذه الشروط تفقد الترجمة الصحافية، متخصصة كانت أم أدبية أم عامة، الدافع إليها.

- إكراهات الحصة الزمنية في الترجمة الصحفية المتخصصة:

إن من بين أهم المشاكل المرتبطة بالترجمة الصحافية اليوم هي التمكن من إنتاج نص مترجم يحترم محددات الأمانة والوفاء للأصل و"القبول" في اللغة الهدف، وذلك في فترة زمنية قصيرة. نعم، إن المترجم المتمكن من هذا النشاط هو الذي يطور كفاءة السرعة في إنجاز الترجمة مع الحفاظ على نفس معنى النص الأصل. ومهما كانت الحصة الزمنية المتوفرة، وجب على الصحفي- المترجم أن يقدم منتوجا مقبولا من حيث الكيف يفي بجميع محددات الترجمة الأمينة.  وقد نرجع الزلات اللغوية والهفوات التعبيرية في بعض الأحيان إلى ضيق الوقت. لكن، إن قبلنا من المترجم المبتدئ بالركاكة في التعبير، فلا يمكن أن نقبل ترجمات تذهب إلى عكس معنى النص الأصل. وتبعا لتجربتنا في مجال الترجمة الصحافية، فقد واجهنا دائما مشكل ضيق الوقت لإنجاز الترجمة. والآن، بعد أن نضجت تجربتنا في هذا المجال، فإننا لن نقبل برد أخطاء الترجمة لضيق الحصة الزمنية. وبالتالي يجب على المترجم المقتدر الذي يحترم مهنته ويحترم القراء، وأن يقوم بكل ما في وسعه لإنجاز ترجمة تتميز بالوفاء للنص الأصل و"بالقبول" في اللغة الهدف.

وعموما فإن مسألة ضيق أو اتساع الوقت خلال إنجاز الترجمة الصحفية ترتبط بعدة عوامل:

- متعة المترجم في التطرق لموضوع دون الآخر: فمتى تجاوب المترجم مع الموضوع، جاءت ترجمته سريعة وناجحة.

- صعوبة الموضوع أو سهولته

- معرفة المترجم المسبقة بالموضوع

- الدربة والممارسة في مجال الترجمة

- الطريقة المتبعة في الترجمة...الخ.

- تحريف المعنى في بعض الترجمات الصحافية:

كتب الكثيرون عن الحالة المؤسفة التي وصلت إليها الترجمة العربية عموما، لكننا لم نكن نتوقع أن نجد أنفسنا أمام كومة من الأخطاء في كل من المقالات الصحفية المترجمة التي أخضعناها للتحليل والنقد. ونشير أننا لا نعلن أستاذية على أحد، فنحن أيضا ارتكبنا أخطاء في بدايات عملنا بالترجمة الصحفية، وإن كانت هذه الأخطاء لا تمس المعنى الذي نعتبره جوهر العملية الترجماتية. لكن يجب في هذا السياق التنبيه إلى مسألة ضرورة إخضاع الترجمة الصحفية لمعايير علمية تتوخى الأمانة والوفاء للنص الأصل عوض طغيان الهدف التجاري المحض. وعلى الرغم من ظهور صحافيين-مترجمين عرب يحترمون مهنتهم الشاقة فعلا، فإن الغالبية الساحقة لازالت تكرس حالة الفوضى واللامسئولية التي يعرفها مجال الترجمة الصحفية. إن الأمثلة التي يمكن أن نسوقها للتدليل على هذه المشكلة المستفحلة كثيرة ومتعددة يتجاوز ذكرها مساحة هذا المقال لكثرة الأخطاء التي تتضمنها الترجمات الصحفية إلى اللغة العربية

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة