تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



مبادئ يجب مراعاتها في الترجمة الصحفية 

بقلم : د/ عبداللطيف هسوف

إن الترجمة الصحفية وسيلة اتصال بين الحضارات، تساهم في تفاعلها وفي تعزيز تراكم العطاء الإنساني، لذا يجب الاهتمام بها وفهم جوانبها المختلفة. هذا ما سنحاول سبر أغواره من خلال هذا المقال الذي يطمح إلى ملامسة بعض مبادئ الترجمة في المجالات الصحفية، وذلك من خلال الحديث عن النقط التالية: تصرف الصحفي في الترجمة، تأثير نوعية المتلقي، تأثير إديولوجيا الصحيفة، تأثير الحصة الزمنية المتوفرة، تحريف المعنى والمسألة الأخلاقية في الترجمة الصحفية...

- حدود تصرف الصحفي في ترجمة النص الأصل : متى يتحتم على المترجم أن يتصرف في الترجمة التي يقدمها؟ كيف يتم هذا التصرف وما هي معاييره وحدوده؟ ما هو الهدف من التصرف في الترجمة؟

إن التصرف في الترجمة ينبع من رغبة ملحة في خلق التواصل بعد التحرر من الارتباط الوثيق ببعض مكونات النص الأصل ومحاولة صياغة نص جديد يأخذ إلى حد بعيد بعين الاعتبار نوعية المتلقي وظروف التلقي الجديدة في اللغة الهدف. ويعدد باستان ثلاثة عناصر تدفع المترجم إلى التصرف في النص الأصل:

- عدم نجاح الترجمة الحرفية حين يتعلق الأمر باللعب بالمفردات أو بالمتلازمات اللفظية.

- اختلاف وضعيتي التلقي في اللغتين عندما يتعلق الأمر بتمرير حقيقة أو واقع غير موجود في اللغة الهدف مثلا.

- الرغبة الواعية في تغيير طبيعة ونوعية الخطاب الأصل، كتلخيص نص أو تبسيط نص مغرق في التخصص لإنتاج نص جديد يسهل فهمه من قبل القارئ العادي.

إلى هذا الحد يبقى التصرف منتميا لما نسميه ترجمة، لأنه لا يسعى إلى التصرف في المعنى بتغييره أو استبداله بمعنى جديد. وبما أن الترجمة الصحفية تسعى في غالب الأحيان إلى نقل أخبار وتقاسم معلومات مع القراء، فلا يجوز أن يقصي النص المترجم النص الأصل بتغييره أو النقص أو الزيادة في معناه. إن التصرف برفض الأصل أو تجاوزه قد يكون مسموحا به في الاقتباس المسرحي أو الترجمة الفلسفية النقدية مثلا، لكن لا يجب قبوله متى تعلق الأمر بالترجمة الصحفية. قد يلجأ الصحفي-المترجم في بعض الأحيان إلى ترجمة تلخيصية تقتضيها المساحة المخصصة لمقاله في جريدة، وهذا شيء مقبول متى تمت المحافظة على المعنى والأفكار الرئيسية دون تحريف أو تشويه.

لا يعني التصرف النقص في الترجمة عبر بتر الأفكار الرئيسية أو التخلص من الفقرات التي لم يوفق المترجم في ترجمتها. لا يعني التصرف الزيادة في الترجمة عبر إدخال أفكار جديدة أو مناقضة لم ترد في النص الأصل قصد استعمال إيديولوجي ينسب لكاتب النص الأصل أشياء لم يقلها. التصرف في الترجمة يأتي للتواصل مع الجمهور المتلقي عبر تغيير واع لوظيفة النص الأصل (تلخيصه أو تفسير أفكاره أو تبسيط مستواه اللغوي...) دون المساس بأفكاره التي تكون المعنى العام.

إن التصرف في النص الأصل بمعنى إعادة إبداع وإعادة خلق نص جديد في اللغة الهدف مسألة مطلوبة في الترجمة الصحفية، لكن التصرف المفرط يمكن أن يؤدي إلى انحرافات وانزلاقات خطيرة تمس جوهر المعنى المراد تبليغه وتشوه محتوى المقال المراد تقاسمه مع الجمهور في لغة ثانية غير اللغة التي كتب بها أصلا. يجب إذن أن يكون التصرف محسوبا، من دون إفراط ولا تفريط، وأن يكون بالأساس مبررا لأنه متى استعمل بتروي ساعد على حل مشاكل عدم تقابل اللغات والثقافات وتغير ظروف التلقي في اللغة الهدف، وساهم أيضا في ربط التواصل بين المترجم والقراء في اللغة المترجم إليها. نحن إذن لا نرفض التصرف في الترجمة الصحفية جملة وتفصيلا، بل إننا نرفض نوعا من التصرف يتجاوز مجال الترجمة ليخلق نصا جديدا يبتر المعنى أو يضيف إليه.

- تأثير نوعية المتلقي على النص المترجم: ملائمة المقال للمقام:

إن عملية الكتابة ( والترجمة أيضا في آخر أطوارها كتابة ) تخضع لاستراتيجيات خطابية يتحكم فيها، بالإضافة لما هو لغوي، عناصر لا لغوية: سياق النص، التناص، مدى علاقة الكاتب بالنص المنتج، الجمهور المستهدف...الخ. وبما أن كل جريدة تخرج إلى السوق تقتضي أن يكون لديها قراء، فإن فريق المحررين بها يضع في خانة أهدافه الحفاظ على وفاء هؤلاء القراء. وقد يتم السعي عندما يتعلق الأمر بصحافة الرأي إلى استقطابهم والتأثير على آرائهم وقناعاتهم. وكما كاتب النص الأصل، فإن المترجم هو الآخر يكون فكرة عن قارئيه قبل الشروع في نقل النص من لغته الأصل إلى لغة هدف. ومن ثمة، فإن الخطاب المترجم يتشكل ويتلون حسب الصورة التي يرسمها المترجم لجمهوره المفترض.

إن مترجم النصوص الصحفية الذي يلجأ إلى أسلوب يفهمه قراؤه، يتكلم مع هؤلاء بلغتهم. أما الذي يتصنع البحث عن كلمات وعبارات تضبب المعنى وتجعل الفهم صعب المنال، فإنه يتكلم معهم بلغته هو أو في بعض الأحيان بلغة قد لا يفهمها هو نفسه. إن تعويم الخطاب والابتعاد عن الوضوح في الترجمة الصحفية لا يمكن تفسيره سوى بكون المترجم لم يفهم النص الأصل أو لم يستطع التعبير عن ما فهمه حسب الطريقة التي يتم التعبير بها في حقل تخصصي محدد. يجب أن يتأكد الصحفي-المترجم بأن استعمال الكلمات والتعابير النادرة والمعقدة في الترجمة الصحافية يقلص عدد القراء. لا يجب أن يقف النص المترجم حجر عثرة أمام الفهم ويدفع بالمتلقي إلى طرح السؤال التالي: ماذا يريد هذا الصحفي-المترجم أن يقول من خلال هذا المقال؟

كما أن الأسلوب المستعمل للتأثير على المتلقي قد يحسم في قيمة النص المترجم، فقد يفضي إلى ترجمة جيدة يفهمها ويتفاعل معها القارئ أو العكس إلى ترجمة تسقط في الضبابية ولا تترك أي انطباع إيجابي لدى القارئ إن على مستوى الفهم أو على مستوى القيمة الفنية للنص المترجم. ولنقل، إن المترجم الجيد هو الذي يطرح الأسئلة التالية خلال قيامه بترجمة أي نص صحفي:

هل سيفهم أغلب القراء هذا المصطلح أو هذا التعبير؟

هل هذا المصطلح أو هذا التعبير سيؤثر سلبا على المعنى العام للنص أم أن سياق النص كفيل برفع اللبس؟

هل سيفهم المتلقي المصطلح المستحدث أم هناك حاجة لإرفاقه بجملة تفسيرية؟

ما هو المستوى اللغوي الذي سيفهمه المتلقي؟

هل هناك حاجة لتغيير أسلوب النص الأصل أم لا؟

أي تركيبة (مضمر– مفصح عنه) ستمكن القارئ من فهم الترجمة؟...الخ

وعلى كل حال، يمكننا أن نقول: إن نوعية المتلقي للترجمة يجب أن تدفع المترجم-الصحفي إلى التصرف لربط التواصل بشكل جيد. هذا التصرف لا يجب أن يغير المعنى العام للنص الأصل، وإن سعى بوعي إلى تغيير وظيفته (تلخيصه أو تفصيله أو إعادة ترتيب أجزائه أو تعديله بحذف التكرار والزيادات التي لا تدخل في بناء الفكرة الرئيسية للنص). وبالتالي فإن تقييم أي ترجمة يستند إلى الأهداف المرسومة مسبقا للنص المترجم والوظيفة التي يراد له أن يلعبها في اللغة الهدف. لكن، وكما سبق وقلنا، فكل تصرف يأخذ بعين الاعتبار القارئ لا يجب أن يحرف المعنى الأساسي الذي من أجله كتب النص الأصل.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة