تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



مغامرة ترجمة الشعر.. بين الاستحالة والإمكان

بقلم: د/ محمد آيت ميهوب

مجمل المواقف الملتقية في رفض ترجمة الشعر تنطلق من مسلّمة أساسيّة مفادها أنّ المترجم لا بدّ أن يكون أمينا للنص الذي يترجم ولا تكون الأمانة إلاّ بمطابقة ترجمة النصّ الأصليّ في مبناه ومعناه.

تمثّل قضيّة ترجمة الشعر أبرز القضايا المتعلّقة بالترجمة وأكثرها إثارة للنقاش بين أطراف متعدّدين من شعراء ونقّاد ومترجمين وقرّاء. وهي تكاد تستقطب كلّ جدل حول الترجمة الأدبيّة وتُتخذ عنوانا للموقف الذي يتبنّاه شخص ما من إمكان الترجمة أو استحالتها، ناقشها قديما هوراس والجاحظ، وناقشها حديثا ياكوبسون وميشونيك، وحولها تحوم مجموعة من المصادرات والأحكام المسبقة التي جعلت المواقف حيالها تتسم بطابع ثنائيّ: ففريق، وهو الأغلبيّة المطلقة، يميل أصحابه إلى رفض ترجمة الشعر لاعتقادهم أنّ نقل الشعر من لغة إلى أخرى أشبه بالسراب الخلّب، ويمثّل هذا الفريقَ النقّادُ وعلماء اللغة وعامّةُ القرّاء. أمّا الفريق الثاني، وهو قلّة، فيقرّ أصحابه بصعوبة ترجمة الشعر ولكنّهم لا يرون استحالتها.

 ومن الطريف أن نلاحظ أنّه رغم هيمنة الموقف الأوّل طيلة تاريخ الشعر ورغم تكرّس القول باستحالة ترجمة الشعر وكأنّ ذلك أمر بديهيّ، فإنّ ترجمة الشعر مع ذلك لم تنقطع ولم تنِ تتطوّر وتتراكم تجاربها في شتّى اللغات والآداب. ولئن أحجم العرب في أوج ازدهارهم الأدبيّ والحضاريّ عن ترجمة أشعار غيرهم لأسباب سنأتي على ذكرها، فإنّهم منذ عشرينات القرن الماضي تفطّنوا إلى ضرورة الإقبال على نقل الشعر الغربيّ إلى اللغة العربيّة، وإلى أهميّةِ ذلك في إثراء التجربة الشعريّة العربيّة وتطويرها. فطفقوا ينقلون عيون الشعر الحديث لكبار شعراء الغرب أمثال بوشكين وبودلير ولامرتين ورودزويرث، وكيتس، وسان جون برس… فانعكست هذه الترجمات إيجابا على حركة الشعر العربيّ، وساهمت في قلب الذائقة الشعريّة وتثوير بنية القصيدة وتغيير معجمها. ومع ذلك مازال الكثير من النقّاد يتمسّكون بالحكم القديم عن استحالة ترجمة الشعر، ومازال الكثير من القرّاء يقبلون على القصيدة المترجمة وقد أعدّوا أنفسهم مسبقا لقراءة نصّ رديء بالضرورة ويجعلون مبلغ همّهم، إذا كانوا يعرفون النصّ الأصليّ، تقصيَّ مظاهر خيانة المترجم وتشويهه القصيدة الأم، اعتبارا منهم أنّ المترجم هو بالضرورة “خائن خوّان” فما بالك إذا كان المترجَم نصّا شعريّا.

استحالة ترجمة الشعر

 يقول الجاحظ في كتابه “الحيوان“، “وفضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى من تكلّم بلسان العرب، والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حوّل تقطّع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجّب لا كالكلام المنثور” .

فعندما توفّر رصيد حضاريّ مهمّ من التواصل بين العرب والغرب في بداية القرن العشرين عبر الرحلات والبعثات العلميّة والتجارب الشخصيّة، وعندما أدرك العرب أنّ الشعر ليس حكرا عليهم بل هو شائع بين كلّ الحضارات والألسن، وعندما مسّت العرب حاجةٌ ملحّة إلى ترجمة شعر غيرهم لاكتشاف آداب الآخر من جهة وتطوير أدب الذات من جهة ثانية، عندها أقبلوا على الترجمة في حماس ولهفة. فأصبحت ترجمة الشعر ركنا ثابتا

 يتبيّن من قول الجاحظ أنّه يربط رفض ترجمة الشّعر بفكرة مسبقة كانت سائدة عند العرب قديما يأخذونها مأخذ البديهيّات وهي اعتبار الشعر ميزة اللغة العربيّة وفنّا من القول لا تشاركهم فيه بقيّة الأمم. وهي فكرة خاطئة طبعا إذ الشعر شائع بين كلّ اللغات والحضارات كما أنّ الوزن ليس خاصّا بالشعر العربيّ فحسب بل هو مشترك بين كلّ الأشعار.

 استند الجاحظ إلى هذا الرأي إذن ليجعله سنده في رفض نقل الشعر، ذلك أنّ اللغات التي سيُنقل إليها الشعر العربيّ تفتقر إلى الحضن اللغويّ المؤهّل لاحتضان الشعر العربيّ. فالعائق الأوّل هو غياب المقابل اللغويّ والتعبيري في اللغات الأجنبيّة، فتغدو ترجمة الشعر سيرا في عتمات المجهول وإلقاء بالشعر في صحراء العمه والتّيه. هذا هو السبب الخارجيّ المانع لترجمة الشعر. أمّا السبب الثاني فداخليّ بنائيّ يهمّ خصائص القول الشعريّ نفسه ويتمثّل في اشتمال الشعر على عناصر فنيّة تميّزه من النثر وتمنح الخطاب هويّته الشعريّة، فلا يكون الشعر دونها شعرا. وهي عناصر أربعة: النظم (تقسيم الكلام إلى صدر وعجز وانتهاء كلّ بيت بقافية متواترة من بيت آخر)، والوزن (وهو أشكال مجرّدة رمزيّة جمعها العرب في بحور يتقيّد بها الشاعر ويجري الكلام مجراها)، والحسن (وتجسّده الأساليب البيانيّة والحسنات البديعيّة والإيقاع الداخليّ والخارجيّ)، وموضع العجب (وهو ما يوقعه الشعر في نفس سامعه من أثر وما يبعث فيه من مشاعر وما يوقظ فيه من أفكار ورؤى لا يحققّها المعنى الأوّل للقصيدة بل معانيها الثواني التي لا تحدّ).

 لا سبيل إذن إلى ترجمة الشعر لاستحالة بلوغ الهدف الذي تسعى إليه كلّ ترجمة: وهو مطابقة النصّ الأصليّ في مبناه ومعناه. فلا إمكان البتّة لأن يكون النصّ المترجَم وفيّا لبنية القصيدة العربيّة ووزنها وقافيتها ووجوه المجاز فيها فضلا عن عنصر آخر أهمله الجاحظ وهو السياق الثقافي والحضاريّ الذي يفعل فعله في النصّ ويصوغ معجمه ومعانيه. والمعضلة الكأداء الأخرى هي كيف نترجم ما لا يُرى في القصيدة وهو جوهر الشعر ذاك الذي يصطلح على تسميته بـ”الشعريّ”، أي كيف نترجم ما يسمعه متلقّي النصّ في صمت وما يراه قارئ القصيدة في بياضها، كيف نترجم ما لا يقوله النصّ؟ كيف نترجم المعاني الثواني؟ وكيف نترجم التفاعل الوجداني مع النصّ؟ وكيف نترجم ما تنقله القصيدة الواحدة من أصداء خفيّة لآلاف القصائد من جنسها؟ كيف نترجم التناص؟ وكيف ننقل إلى الآخر روح الشعر؟

 ثمة سبيل واحدة حسب الجاحظ لنقل الشعر هي تحويله إلى نثر بإعادة صياغة معاني القصيدة صياغة نثريّة مرسلة لا نظم فيها ولا وزن ولا حسن ولا موضع تعجّب. وهذا الحلّ مستهجن عند الجاحظ مرذول لسببين: أوّلهما أنّ النثر في لغته الأصليّة أجمل وأوقع أثرا منه في لغة مترجمة، وثانيهما أنّ الآخر عندما يقرأ معاني الشعر مترجمة نثرا سيجدها تكرارا لما ألف من معاني في النثر الذي يُكتب في لغته، ذلك أنّ المعاني حسب الجاحظ شائعة بين الأمم ولا يقوى العرب على منافسة العجم فيها.

 واضح من قول الجاحظ أنّ رفضه نقل الشعر يرتبط برؤيته النقديّة الأدبيّة لماهية الشعر. والجاحظ لا يختلف في ذلك عن الأغلبيّة السّائدة من النقّاد العرب قديما وحديثا في تعريف الشعر بالتركيز على جانب واحد منه هو الوزن. كما يرتبط هذا الموقف برؤية الجاحظ للترجمة، إذ يعتبرها نقلا وفيّا للنصّ الأصليّ يحقّق به المترجم تطابقا كاملا مبنى ومعنى مع نصّ من ترجم له. ولكن هيهات بلوغ ذلك والشعر العربيّ موزون مقفّى ولغات الآخرين في رأي الجاحظ، لا تعرف الوزن والقافية، بل هي جاهلة بالشعر إذ هو مقصور على العرب.

 ومن الطّريف أنّ أبرز المدارس والاتّجاهات النقديّة في القرن العشرين كالإنشائيّة واللسانيّات والبنيويّة قد وقفت من ترجمة الشعر بل من الترجمة الأدبيّة عامّة موقفا شبيها إلى حدّ بعيد بموقف الجاحظ. فرأى ياكوبسون بناء على التمييز بين لغة الشعر ولغة النثر والتسليم بأنّ الشعر قائم على الإحالة الذاتيّة ومفهوم العدول، أنّه تستحيل ترجمة الشعر. ذلك أنّ نقله سيمثّل تعسّفا على طبيعته الإنشائيّة (الإحالة الذاتيّة) وسيفقده أبرز سماته (العدول)، ولن يجد قارئ النصّ المترجم ما ينسيه النصّ الأصل. يقول ياكوبسون “والشعر بحكم تعريفه لا يُستطاع أن يترجم وليس بممكن إلاّ نقله نقلا خلاّقا”

وذهبت اللسانيّات استنادا إلى أبرز مبادئها، مبدأ الفصل بين الدّال والمدلول، واعتبار العلاقة بينهما علاقة اعتباطيّة، إلى القول باستحالة الترجمة الأدبيّة عامّة. ذلك أنّ ترجمة ملفوظ النصّ (الدّال) لا تضمن بأيّ حال من الأحوال ترجمة المضمون (المدلول) لما بينهما من تباعد أوّلا، ولأنّ النصّ المترجَم سيخلق علاقة جديدة في اللغة المنقول إليها بين دال ومدلول جديدين. وبذلك فالنصّ المترجم هو نصّ قائم بأصله لا علاقة له بالنص الأصل.

أما البنيوية فلتعاملها مع النص الأدبيّ على أنّه نسق لغويّ مغلق على ذاته، ذو حدود نهائيّة لا تربطه صلات مادية حقيقيّة بالمرجع الواقعيّ، فقد استبعدت إمكان ترجمة الشعر إذ أنّ كلّ ترجمة هي خلق لنصّ جديد ولأنّ كلّ ترجمة تفرض على المترجم فتح النصّ على السياقات التاريخيّة والنفسيّة والاجتماعيّة والحضاريّة وهو ما ترفضه البنيويّة رفضا مطلقا.

 ويبدو أنّ محمد الهادي الطرابلسي في مناقشته الجاحظ قد تأثّر أيّما تأثّر بآراء الإنشائيّين واللسانيين والبنيويّين فمال مع قليل من التعديل إلى موافقة الجاحظ على استحالة ترجمة النصّ الشعريّ فحسب بل النصّ الأدبيّ عامّة. يقول “قد نتوهمّ أنّنا وفقنا إلى ترجمة أدبيّة النصّ إذا ما اجتهدنا في إخراج نصّنا في اللغة المنقول إليها مخرجا أدبيّا. ولكنّ الحقيقة أنّنا نكون إذ ذاك قد ولّدنا نصّا جديدا غير النصّ الأوّل، ولّدناه عن طريق قراءتنا للنصّ الأصليّ، فسبيلنا في هذا الباب هي سبيل القراءة لا الكتابة وسبيل التوليد لا سبيل المحاكاة”.

 وقد رأى الطرابلسي أنّ أمام المترجم الأدبيّ ثلاثة إمكانات لا يؤدّي أيّ منها إلى الترجمة وهي: الاقتباس أو الشرح والتفسير بتحليل الأساليب المخصوصة والإيحاءات المختلفة التي تصحبها، أو التبديل والتوليد بالبحث عن إيحاءات جديدة قريبة من الإيحاءات الأولى. ولمّا كان كلّ طريق من هذه الطرق مسدودا لا يلبّي رغبة المترجم، فقد فرغ الباحث إلى أنّ ترجمة النصّ الأدبيّ عمليّة مستحيلة.

 إنّ مجمل هذه المواقف الملتقية في رفض ترجمة الشعر تنطلق من مسلّمة أساسيّة مفادها أنّ المترجم لا بدّ أن يكون أمينا للنص الذي يترجم ولا تكون الأمانة إلاّ بمطابقة ترجمة النصّ الأصليّ في مبناه ومعناه، ولذلك يجد المرء أنه من العسير فعلا بلوغ مثل هذه الترجمة في الشعر. كما أنّ هذه المواقف تنطلق من تصوّر سكوني للنصّ الشعريّ، فهو مع الجاحظ وزن وقافية، ومع الإنشائيّين استعمال مخصوص للغة يختلف جذريّا عن استعمال النثر إيّاها، وهو مع البنيويّين فصل تامّ للقصيدة عن سياقها التلفظي ومراجعها الواقعيّة الحضاريّة.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة