تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الترجمة  ليست كلمات بل دلالات

بقلم: الكاتب / Kevin Hendzel

المعرفة بالموضوع المراد ترجمته ليس مهم فقط بل هو أساس الترجمة:

في أعماق كل مهنة بعض الأساسيات المعروفة عالميا والتي تمثل حجر الأساس لحديثي ممارسة تلك المهنة. ففي الطب مثلا يجب الإقرار بأن جسم الإنسان هو جسم مادي موجود بالفعل ويخضع للقوانين العلمية وليس مجرد روح غامضة لا يستطيع المساس بها إلا أشخاص قلة مختارين وهو اعتقاد ظل سائداً في الطب البشري لآلاف السنين.

ونتيجة لذلك، لم يعد يوجه أسئلة لأطباء اليوم عند حضورهم لحفلات الكوكتيل أو الاجتماعات عن مدى فعالية بعض التعويذات أو السحر الذي يستخدمونه أثناء ممارستهم الطب من زملائهم أو مرضاهم. وبذلك فقد تم التخلص من هذه الخرافات في الطب البشري منذ زمن بعيد.

ولكن الأمر ليس كذلك في الترجمة، حيث يمكننا نحن المترجمين قضاء عقود من الجهود الحثيثة للارتقاء بمهنة الترجمة-وبالتأكيد بعض المهن الأخرى-وتطوير الخبرة الموضوعية الضرورية لمؤسسة الترجمة.

تتضمن هذه العملية تعلم مفاهيم معقدة للغاية في العلوم والتكنولوجيا والفلسفة والقانون والمالية والأعمال والموسيقى وعشرات المجالات الأخرى من خلال الانغماس في المختبر أو قاعة المحاضرات أو الفصل الدراسي أو خط الإنتاج أو مصنع التصنيع أو قاعة التداول أو قاعة الاجتماعات.

وهذا الجهد المطول يشكل أمر مصيري في قدرتنا على نقل جميع هذه المفاهيم بدقة عبر الحواجز اللغوية.

ولكن بغض النظر عن عدد المجالات التي نتقنها كمترجمين، فإنه خلال وجودنا في حفل الكوكتيل نفسه ستجد من يطرح عليك ذات السؤال الذي طرح على المترجمين منذ عهد برج بابل:

"كم لغة تتحدث؟"

وهو سؤال يشير إلى الفكرة الساذجة التي يظنها الناس عن الترجمة باعتبارها مهنة لا تتطلب مستوى تفكير عالي حيث يمكن القيام بها عبر تقليب صفحات كتاب للعبارات بينما تحتسي كوبا من الشاي المحلى في فترة ما بعد الظهر.

ولكن الواقع عكس ذلك، ففي حالتي مثلا، لم أتوصل إلى هذه النتائج في بعض أعمال الترجمة الخاصة بي إلا بعد أن قمت بحل عدد من المشاكل، مثل المبادئ التي تكمن وراء الإثارة البصرية لموجات رايلي عن طريق امتصاص ضوء النطاق البيني أو المقاومة الصوتية المتماسكة لبلازما ثقب الإلكترون أو النهج لحساب الهيكل الإلكتروني للسبائك.

لذا فإن إجابتي على هذا السؤال اللطيف "كم عدد اللغات التي تتحدثها؟" ستكون مضحكة بعض الشيء مرفقا دائمًا بابتسامة:

"أنا أتحدث العلم."

كلمات أم أفكار؟

وهذا ليس خطأ الشخص الذي يسأل " كم عدد اللغات التي تتحدثها؟" فهي مجرد محاولة لفتح حديث ودي، كما أن ثقافتنا لا تقدم أي دعم في فهم عملية الترجمة -خاصة في الولايات المتحدة- حيث ينظر إلى المترجمين بشكوك عميقة كأنها مخلوقات أسطورية غريبة من سلالة نادرة وأن ما يقدمونه ليس ذا أهمية لأنه من المفترض أن الترجمة تتم آليا منذ عقود.

ومن عمق هذه المغالطة فإن التفكير السائد منذ زمن هو أن الترجمة تتمحور حول اللغة وليس الكلمات.

ومن المستحيل أن يكون هذا صحيحا إذ أن اللغة نفسها والكلمات ليست إلا دلالات لتعبر عن الأشياء والمفاهيم والرموز التي توجد حولنا. ولذا فإن المترجمون لا ينقلون اللغة أو الكلمات إلى لغة أخرى إنما ينقلون الأفكار.

وفي سوق الترجمة التجارية اليوم هذه هي الطريقة التي ننقل بها أفكار الأشخاص الذين يدفعون ثمن ذلك وخاصة في بعض المواضيع التي قد تكون شديدة التعقيد، ولذلك فإننا كمترجمين لا يتوجب علينا الاعتماد على معرفتنا الشخصية بل معرفة ما يريدونه ويعرفونه بالتحديد أيضاً.

التركيز على اللغة فقط:

ماذا سيحدث لوكان المترجم يفهم اللغة فقط دون فهم الأفكار؟ كيف ستكون هذه الترجمة في الواقع؟

مجرد إجابة مختصرة: كارثية.

وعالم الترجمة اليوم ملئ بالمترجمين المبتدئين (ولكن بالتأكيد ذوي نوايا حسنة) الذين يقعون في هذه الأخطاء الكارثية بسبب المفاهيم المغلوطة وبسبب تركيزهم الخاطئ بالتأكيد على نقل اللغة فقط دون فهم المحتوى.

ولهذا ينصح الطلاب المبتدئين بالمعرفة والثقافة خاصة قبل البدء بمحاولة نقل هذه المعلومة والمعرفة- وهي بالضبط ما يقوم عليه أساس الترجمة-حتى لا يقوموا بنقل معلومة ناقصة أو زائدة عن اللزوم بطريقة مزعجة مما تؤدي بالنهاية إلى إحراج كلا من المترجم المبتدئ والعميل ذا التفكير المحدود الذي يظن أن الترجمة هي مجرد " التحدث بلغة أخرى".

لا توجد كلمة لذلك باللغة الروسية:

واحدة من قصصي المفضلة والتي توضح هذه المعضلة هي عندما تلقينا استفسارا من شركة أمريكية لتصنيع نظام تنقية مياه استنادا إلى تقنية جديدة كانت ترغب ببيعها في روسيا. حيث طلبت من مترجمة -امرأة روسية- أن تترجم وثائقها التقنية من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الروسية ولكن لم يستطيعوا الوصول إلى هدفهم ولذلك اتصلوا بي لعلي أستطيع معرفة السبب.

"في كل مرة نطلب منها أن تترجم لنا الوثائق تخبرنا بأنه لا يوجد كلمات لذلك في اللغة الروسية" أخبرني المدير بذلك. ثم قال: “إنها تتحدث طوال اليوم مع صديقتها باللغة الروسية , هل يعقل أنها تتحدث بالكثير من الكلمات الروسية  ثم لا تستطيع أن تخبرنا ما نحتاج إليه ؟ ألا يوجد كلمات باللغة الروسية في مجال تقنية المياه؟"..

أكدت له بأن اللغة الروسية لديها معجم متطور للغاية -ولكن من المؤكد بأن لغة ماندليف-مؤلف الجدول الدوري- لن تقف عاجزة عن وصف عملية التناضح العكسي.

ولكن بالتأكيد أن هذه المرأة لا يوجد لديها المعلومات الكافية بالتقنية (أو ربما كانت تتظاهر بالجهل). ولكن في الممارسة العملية، كان افتقارها للمعرفة الكافية في التقنية هو ما أعاق جهود الشركة وليس اللغة.

سلكي أم لاسلكي؟

ومن أكثر المشكلات التي تواجه الترجمة هو وصف عالم غير معلوم أو غير موجود أبداً. ويحدث ذلك بسبب عدم معرفة المترجم بهذا الشي في العالم الحقيقي بسبب أنه مجهول أو غير موجود بالفعل أو لم يوجد بعد..

وهناك الاف الأمثلة لهذه الظاهرة فمثلا كلمة:

 "liniya"

باللغة الروسية والتي تعني وجود خط هاتف مادي أرضي نحاسي صلب ولكن لسوء الحظ فهي تعني أيضاً وجود ارتباط لاسلكي بطرف بعيد أو قمر صناعي أو برج خلوي كالذي يستخدم في الهواتف النقالة..

ولذلك فإن الطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هو المعرفة المسبقة عن الاتصالات السلكية واللاسلكية.

وللأسف فإنه على ما يبدو لا يوجد في الترجمات الإنجليزية وصفا لهذه الكلمة التي تصف عالما يتم فيه لحام سلك نحاس مادي بطريقة سحرية بقمر صناعي يدور على ارتفاع 42,000 كيلومتر.

تحديات لا نهاية لها:

ومن المؤكد بأنه حتى المترجمين الأكثر خبرة ومعرفة وحرص سيجدون أنفسهم غير متأكدين من ترجمة موضوع ما طوال حياتهم المهنية. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تدفعهم للاستعانة بزميل يتمتع بخبرة في المفاهيم والمصطلحات التقنية في عملية المراجعة بسبب التقدم العلمي المستمر..

توجيه أخير:

في حال أنك لم تقتنع بما أقول فكر مرة أخرى بعنوان هذه المدونة:

"الترجمة ليست كلمات بل دلالات"

وملخص الرسالة هو أن الترجمة تدور حول المعنى وليس الكلمات ولتوضيح هذه الفكرة فقد استخدمت "كلمات" مرتين لأنها تأتي في كل مرة بإطار وبمعنى مختلف.

والسبب الأساسي الذي يساعد على نقل المعنى هو أن الجمل قد تأتي بعدة معانٍ وكلمات، ولكن المهم هو نقل ما تعنيه هذه الكلمات والأفكار وليس الكلمات فقط.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة