تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



محاور تكوين المترجم في الترجمة المتخصصة

أ. هاجر بوزناد

جامعة باجي مختار، عنابة

تكوين المترجمين المتخصصين –في نظري- تكوين ثلاثي الأبعاد، تتمثل ركائزه في الأستاذ الكفء المؤهل، والمعارف المتخصصة التي ينقلها الأستاذ إلى الطالب، كما أن هذا الأخير –أي الطالب– ينبغي عليه تحمل جزء من المسؤولية من خلال الاعتماد على التعلم والتكوين الذاتي. فتلكم هي المحاور الثلاثة للتكوين في مجال الترجمة المتخصصة، والتي تتكامل حتى تحقق الكفاءة والفاعلية المنشودة في تدريس الترجمة المتخصصة، والتي يلخصها المخطط التالي:

أولا: تكوين المترجم:

يستدعي تكوين المترجمين في الترجمة المتخصصة تدريسهم للغات الاختصاص ومعاجمها المتخصصة وتعليمهم كيفية ترجمة المصطلح العلمي والتقني وانتقاء الترجمة الملائمة للسياق من خلال التدرّب على استعمال المعاجم المتخصّصة، مع ضرورة التنبيه إلى محدودية المعاجم -حتى المصطلحية منها- في عملية الترجمة، والتأكيد على دور السياق والسيرورة التواصلية في بناء معاني المصطلحات في الخطابات العلمية . هذا وينبغي الاهتمام بالجانب المادي في عملية تكوين المترجم المتخصص، بتجهيز معاهد المترجمين بالمعدات اللازمة للتدرب على الترجمة، خاصة المتخصصة، من برامج تلفزيونية وأشرطة وثائقية وسينمائية، فضلا عن الموسوعات والكتب التي تسهل عليه البحث التوثيقي والموسوعي، وتوفير الانترنت والحواسيب في القاعات الدراسية التي تساعده في الترجمة وتزوده بالذاكرات الترجمية المختلفة.

ثانيا: تأهيل الأستاذ

لعل الأوان قد آن لتأهيل الأساتذة وحثهم على تحسين update-actualiser معارفهم ليكوّنوا بدورهم طلبة قد تفوق احتياجاتهم ومتطلباتهم بكثير نوعية التكوين الذي تلقّوه هم أنفسهم. كما ينبغي على الأستاذ تنويع المجالات والموضوعات التي تتناولها النصوص المدرجة في إطار مادة الترجمة العامة حتى ولو لم يكن هناك مقياس للترجمة المتخصصة، والتدرج من الأسهل إلى الأصعب؛ ومن الأقصر إلى الأطول؛ ومن الملموس إلى التجريدي؛ وتجديد النصوص سنة بعد سنة؛ ومواكبة أحداث الساعة من خلال ربط النصوص المتناولة في تمارين الترجمة بتلك الأحداث. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الأستاذ يكوّن أجيالا من المترجمين الذين نشؤوا في كنف "عالم محوْسَب"، وبناء عليه، أصبح أستاذ الترجمة مطالبا بأن يتابع عن كثب ما تتطلبه ثورة المعلومات والاتصالات من تغيير في نظرته إلى منهجيات وطرائق تعليم الترجمة وإعداد مترجمي الغد. ومن المعروف أيضا أنه لا توجد في بلداننا أي مؤسسة جامعية تُعنى بتأهيل الأساتذة لممارسة "مهنة إعداد المترجمين". ذلك أن معاهد الأساتذة الفعلية هي "سوق الترجمة" ، وشهاداتهم الحقيقية هي الخبرة العملية. ولكن، يـبقى المترجم/الأستاذ في حاجة إلى تعلم "فن نقل الخبرة" إلى الآخرين، إضافة إلى امتلاك هذه الخبرة.

ثالثا: التكوين الذاتي

" إذا كانت المؤسسات التعليمية ومدارس التكوين تقدم مبادئ عامة حول الممارسات الترجمية وتنظيرها وبعض المعارف التي تساعد المترجم على أداء مهمته، فإن المسؤولية تبقى كبيرة وتتطلب من الممارس بذل المزيد من الجهد للتمكن من أسرار الترجمة والكشف عن خفاياها، ولن يكون ذلك إلا بالثقافة الواسعة والمتنوعة حتى يستطيع إنجاز عمله على أكمل وجه." فمن واجب المترجم أن يعتمد على نفسه وأن يحرص على تحسين وصقل مهاراته اللغوية طوال فترة حياته المهنية. وبعبارة أخرى، فإن المترجمين المحترفين هم في حالةِ تعلمٍ دائم، خاصة إذا كانوا مترجمين في المجالات المتخصصة. إن معارف المترجم التي تتجاوز مدركاته extracognitives هي التي تسمح له بملء الفجوات وبتأويل النص بإعطائه معنى متواطئاً، وبإظهار ما يخفيه ذلك النص. ويقول روجر كريس في مقال له معنون بـ"مهنة الترجمة": "يتعين على المترجم أن تكون لديه معرفة مسبقة بالعمل في ذلك المجال، ولا يعني ذلك أنه يجب أن تكون للمترجم الطبي شهادة في الطب أو أنه يتعين على مترجم كتيبات برامج الحاسوب أن يكون مبرمجاً، ولكن التوفر على بعض المعلومات أو الخبرة أو التعليم (أو الثلاثة معاً) هو مسألة ضرورية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال دورةٍ أو خبرة عملية أو تَعَلُّم ذاتي.

قراءات في برامج تكوين المترجمين في بعض الدول العربية والغربية:

إنه لمن الخطأ الاهتمام بتكوين المترجمين دون الركيزة التي يقوم عليها ذلك التكوين، ألا وهو برامج تدريس الترجمة، خاصة ما تعلق منها بالترجمة المتخصصة. فلا شك أن هذا التكوين – بنقائصه وثغراته- هو تجسيد لبرامج تدريس الترجمة في أقسام تكوين المترجمين. ومن خلال دراسة وصفية لحال تدريس الترجمة في الوطن العربي وخاصة الجامعات، نقف على تشتت الجهود وعدم احتكامها إلى منهجية عمل مدروسة، إذ ينبغي سن الاختيار اللغوي، أي ما هي لغات العمل؟ وماذا نترجم من النصوص والخطابات؟ وكيف نترجمها؟ ولماذا نترجمها؟ وتدخل هذه الأسئلة في الإجابة عن موضوع التخطيط في التعليمية ودور الترجمة في صنع حضارة أمة. ومما لاشك فيه أن المسؤول المباشر عن ضعف الترجمة في الميدان العلمي لا يمكن أن يكون غير نقص المترجمين العلميين أو ضعف تكوينهم، ولعلّ دراسة لبرامج تكوين المترجمين بالجامعات الجزائرية ومقارنتها بنظائرها في الجامعات العربية والغربية كفيلة بتحديد مكمن الخلل واقتراح حلول لإصلاحه.

إذا كان تعلم الترجمة يعني تعلم مهنة، وإذا كانت مهنة المترجم قد تغيرت لا محالة في عصر يتوجه أكثر فأكثر نحو التطور والانفتاح على العلوم، فمن الطبيعي أن يتغير تدريس الترجمة أيضا، ويتطور ليتماشى مع المعطيات الجديدة في البيئة الترجمية ويحقق التقدم المنشود في مسايرة الركب الحضاري. لذلك من الضروري الالتفات إلى أساليب أكثر نجاعة في تكوين المترجمين المتخصصين أو على الأقل، تزويدهم بالأدوات الضرورية التي تمكنهم من التعامل بأنفسهم مع مختلف أنماط النصوص بغرض ترجمتها، إضافة إلى الاهتمام بصناعة برامج تدريس الترجمة وضرورة إدراج الترجمة المتخصصة في نطاق الاهتمامات مراعاة لمتطلبات سوق العمل.

ونقترح في هذا الصدد جملة من الاقتراحات بناء على النتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة المتواضعة:

أولا: بخصوص تكوين المترجمين:

ضرورة إخضاع الطلبة الذين يودون الالتحاق بأقسام الترجمة ومعاهدها إلى فحص تقييمي للبت في أهليتهم لدراسة الترجمة من عدمها، مع تقليص عدد الطلبة في الأفواج.

توفير تكوين يتماشى والتوجهات الكبرى ويستجيب لحاجات سوق العمل.

حث الطلبة على الاهتمام باللغة العربية بقدر اهتمامهم باللغات الأجنبية وتحسين مستواهم فيها.

ابتكار أساليب جديدة أكثر فاعلية وتبتعد عن التقليدية لتدريس المقاييس النظرية ذات العلاقة الوثيقة بالترجمة تجنبا لنفور الطلبة من دراستها وتغيبهم في حصصها.

العمل على تأهيل أساتذة الترجمة وإيكال مهمة التدريس في أقسام الترجمة للأساتذة المختصين فيها أو المترجمين المحترفين، وحثهم على ضرورة تحيين معارفهم وتجديد طرائق تدريسهم.

ضرورة متابعة الأساتذة للتطورات العلمية والتقنية وتمكنهم من وسائل الاتصال الحديثة.

تنظيم تربصات تكوينية للأساتذة الجدد قبل تسلمهم المناصب.

ضرورة اجتهاد الطلبة في القيام بتربصات اكتسابا للخبرة.

تنبيه الطلبة إلى ضرورة تحملهم جزء كبيرا من مسؤولية التكوين الذاتي وتطوير أنفسهم بأنفسهم وعدم الاكتفاء بما يقدم لهم خلال الدروس وحثهم على المطالعة والبحث الموسوعي لتنمية معارفهم وتوسيع مدركاتهم

إدراج التقنيات الحديثة في التدريس كالوسائل السمعية والبصرية والمخابر والمعاجم خاصة المتخصصة وتوفير أجهزة الحاسوب وقاعات الانترنت، فضلا عن الموسوعات والكتب والمجلات في مختلف التخصصات التي تسهل البحث التوثيقي والقراءة الموسوعية، إلى جانب إثراء مكتبات الترجمة.

إعطاء الأولوية لحاملي شهادة الليسانس في الترجمة في الولوج إلى ماستر الترجمة.

ثانيا: بخصوص برامج تدريس الترجمة:

إعادة النظر في البرامج وملاءمتها مع الاحتياجات المستجدة في عالم الشغل والعمل على تجديدها وتحيينها تماشيا مع التطورات العلمية وتنامي متطلبات سوق العمل.

إطلاع الأساتذة والطلبة على برامج تدريس الترجمة واستشارة كافة الأطراف الفاعلة في عملية تعليم وتعلّم الترجمة لرصد نقائصها وإصلاحها.

برمجة رحلات وبعثات علمية للطلبة إلى الخارج للاطلاع على الثقافات الأخرى وممارسة اللغات وتنظيم التربصات العلمية لصالح الطلبة مع الأطراف الفاعلة في عالم الشغل.

تكثيف الجانب التطبيقي في تدريس الترجمة والتركيز عليه.

إلغاء المقاييس غير المهمة أو ذات الصلة غير المباشرة بالترجمة كعلم الاجتماع وعلوم الاتصال ومبادئ الإعلام الآلي، وإضافة مقاييس دراسية تخدم الطلبة مثل علم المصطلح والترجمة من الفرنسية إلى الانجليزية والعكس وتطبيقات الإعلام الآلي وبرمجيات الترجمة للتدرب على الترجمة الآلية، ومقاييس التعبير الشفهي والكتابي بكل اللغات ومقياس نقد وتقييم الترجمة.

ضرورة إدراج مقاييس الترجمة المتخصصة في برامج تدريس الترجمة.

إدراج المقاييس التي تعمل على تنمية المعارف غير اللغوية لدى الطلبة.

الوصف الدقيق لمقاييس الدراسة وتحديد مضامينها وتسميتها بمسميات بعيدة عن الغموض وتعدد التأويلات.

إدراج منهجية البحث العلمي ابتداء من السنة الأولى والتدرب عليها في شكل بحوث قصيرة ثم إجبارية إنجاز المذكرة في مرحلة الليسانس للتمكن من المنهجية.

إعادة النظر في الأحجام الساعية المخصصة للمقاييس المختلفة وإعطاء القدر الأكبر منها لمقاييس الترجمة.

توسيع عدد اللغات الأجنبية التي يتضمنها برنامج التكوين في الماستر ضمانا لفرص أكبر في سوق العمل.

مراعاة التدرج والعقلانية في تحديد مضامين المقررات مع تطور المستوى الدراسي.

النظر في إمكانية فتح أبواب الالتحاق بأقسام الترجمة من جديد في مرحلة الليسانس.

ضرورة تنويع النصوص المدروسة حتى في مقاييس الترجمة العامة وتضمينها أكبر قدر ممكن من النصوص المتخصصة.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة