تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



تأثير اللّغة على الهويّة الفرديّة والجماعيّة

غالبًا ما يُنظر إلى اللّغات كدلائل على الهويّة العرقيّة والقوميّة. يدعي الناشطون في مسألة اللّغة المهدّدة بالانقراض أنّه بانقراض اللّغة، تختفي النّظرة الفريدة إلى العالم. هذه العلاقة يمكن اعتبارها نسخة ضعيفة من فرضيّة “Sapir-Whorf”، والّتي تقول بأنّ طريقتنا في التّفكير، وتاليًا هويّتنا الثقافيّة، يحدّدها المعجم (Lexicon) والتراكيب (Syntax) في لغتنا.

يرى قسم كبير من الكتّاب والفلاسفة، المتأثّرين بالاتجاه الفكريّ في مرحلة ما بعد الحداثة (Postmodernism Philosophies)، أنّ الهويّات ليست مقوّمات ثابتة أو حقائق خالصة، فهي كالسّوائل، وكالأبنية الخاضعة للتفكيك في أيّة لحظة.

قد تنتمي إلى بلد ما، في حين أنّك تشجّع فريقًا رياضيًّا ينتمي إلى مكان آخر؛ قد يساعد هذا المثل في تفسير المفارقة المتمثّلة بادعاء العديد من المتحدّثين بلغة مهدّدة بالانقراض وجود ارتباط قويّ بلغتهم، ولكن لا ينقلونها إلى أطفالهم. ولتوضيح هذه المفارقة، يقول لو باج (le page) و تابوري كيلر (Tabouret Keller): “إنّ الشّعور بالانتماء الإثنيّ يستطيع أن يصمد عند انقراض لغة ما”. وتعلّق نانسي دوريان (Nancy Dorian): “لأنّها – اللّغة – ليست سوى واحدة من مجموعة لا حصر لها تقريبًا من علامات الهويّة، يمكن استبدال أيّ لغة بلغة أخرى بسهولة، وفي هذا الصّدد يكون احترام لغة الأجداد أمرًا مستهلكًا من النّاحية الوظيفيّة”.

وبالرّغم ممّا سبق، فإنّ الحفاظ على الهويّة الإقليميّة يزداد أهميّة في عصر العولمة. اللّغة هي واحدة من الطّرق الّتي يبني بها الناس هويّاتهم ، وهي تصبح مهمّة للهويّة عندما تشعر المجموعة بأنّها تفقد هويّتها لأسباب سياسيّة أو اجتماعيّة. لذلك تنشط مؤخّرًا حملات، لإبراز الخصائص الإثنيّة والمحليّة للشعوب المنقرضة لغتها، كإحدى الطّرق الّتي يمكن عبرها إعادة إحياء اللّغة.

اللّغة والبيئة

يرى عدد من العلماء، أنّ ثمّة ترابطًا أو أوجه تشابه بين التنوّع الثقافيّ واللّغويّ والتنوّع البيولوجيّ. وقد وجد علماء الأحياء، أنّ بعض الأماكن الجغرافيّة مثل إندونيسيا وبابوا غينيا الجديدة الّتي تحتوي على عدد كبير من الأنواع البيولوجيّة المختلفة، لديها أيضًا عدد كبير من اللّغات المختلفة، مقارنةً بأوروبا الّتي تضمّ أقلّ عدد من اللّغات والأجناس. وقد تلقّت هذه الفرضيّة اهتمامًا واسعًا لدى الجمهور، عبر سلسلة من البرامج مثل “Lost for words” على قناة “BBC”.

هل يعني هذا الكلام أنّ هناك علاقة سببيّة بين انقراض اللّغة وانقراض الأنواع البيولوجيّة ؟ لقد خلصت لويزا مافي (Luisa Maffi) – وهي واحدة من 39 مؤلفًا عملوا على كتاب أكسفورد للّغات المهدّدة بالانقراض، وهو كتاب جديد يعرض أحدث الأبحاث في الحفاظ على اللّغات – إلى أنّ هناك تقاطعًا بين الشّعوب والإيكولوجيا والأنواع البيولوجيّة المستوطنة. تقول: “يحدث فقدان التنوّع اللّغوي في المناطق نفسها الّتي تنفرض فيها الأنواع البيولوجيّة.” (راجع الخرائط في الأسفل)

وتضيف: ” لقد عانت الأمريكيّتان وأستراليا – وهي من المناطق الّتي تشهد نسبًا عاليةً من الأنواع البيولوجيّة المهدّدة بالانقراض – من أكبر خسائر في اللّغات. إنّ 64 % من اللّغات في الولايات المتّحدة و 50 % من اللّغات الأستراليّة و 30 % من لغات جزر المحيط الهادئ، قد اختفت في السّنوات الـ 45 الماضية.”

في الواقع، هناك خبراء آخرون يدعمون هذه الطّروحات. تقول تيريزا ل. مكارتي (Teresa L. McCarty) – أستاذة التّربية والتّعليم والأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا: “الحفاظ على التنوّع اللّغوي، هو قوّة معاكسة أمام محاولات جنسنة (homogenization) العالم” ]…[، التنوّع في كلّ صنف هو ما يمكّن الجنس البشريّ من البقاء والازدهار”، كما تقول: “إنّه – التنوّع – جزء من إنسانيتنا.”

إلى أنه على الرّغم من وجود علاقة واضحة بين التنوّع الثقافيّ والتنوّع البيولوجيّ، فمن الأكيد أن تكون أسباب التّراجع الأكثر تأثيرًا في المسالّتين مختلفة. ومع ذلك، فإن عددًا من “اللّغويين الإيكولوجيّين” يستخدمون أدوات تحليل الخطاب النّقدي للادّعاء بأن تعريض البيئة للخطر، يرجع جزئيًّا إلى الممارسات اللّغويّة الّتي تكشف عن مواقف استغلاليّة تجاه البيئة الطبيعيّة.

ماذا عن الشرق الأوسط والعالم العربيّ؟

ينتشر في العالم العربيّ، مجموعة من اللّغات واللّهجات الّتي تنتمي إلى مجموعتين؛ المجموعة الأولى هي اللّغات ذات الأصل الساميّ (Semitic)، والمجموعة الثانية هي اللّغات الإفريقيّة (الحاميّة). وسأكتفي بعرض اللّغات ذات الأصل السّامي – بشكل دقيق – مع ذكر طفيف للّغات، الّتي تنتمي إلى المجموعة الثّانيّة.

ويمكن أن نجمل أسباب المخاطر الّتي تتعرّض لها تلك اللّغات بالنّقاط الآتية:

انتشار اللّغة العربيّة واعتبارها لغة الدّول الرّسميّة، وهي ذات بعد حضاريّ مدعوم بالرّافد الدينيّ الإسلاميّ ما يضمن لها القوّة وأسباب الانتصار.

انخفاض عدد المتكلّمين بهذه اللّغات قياسًا بعدد من حولهم ممّن يتكلّمون العربيّة.

أسباب داخليّة تتعلّق بالحياة البدائيّة وعادات متكلّميها من الشّعوب الأصليّة.

ومن أبرز هذه اللّغات:

اللّغة المنداعيّة (المندائيّة): هي لغة آراميّة شرقيّة، ارتبطت بجماعة دينيّة عرفت باسم الصّابئة. وهي لهجة طائفة العارفين المسيحيّة الّتي لا تزال موجودة في جنوب العراق إلى اليوم. وعلى غرار اللّغتين السريانيّة واللّاتينيّة، تستخدم اللّغة المندائيّة الكلاسيكيّة كلغة طقسيّة ليتورجيّة، حيث دوّنت بها الكتب الدينيّة والرّوحيّة. وبما أنّ لها قواعدها الصّارمة الّتي لم تتأثّر باللّهجات الأخرى، أصبحت لغة قائمة بذاتها. تفرّع من المندائيّة، لهجات محكيّة وتسمّى ”الرطنة” وهي مندائيّة غير صافية نتيجة تأثّرها بشكل كبير باللّغتين العربيّة والفارسيّة.

إنّ تجمّعات السّكان المتحدّثين بالمندائيّة، قد نزحت من دزفول وشوشتر إلى الأهواز والمحمرة بعد مجازر تعرضوا لها خلال أحداث 1880. ممّا جعل الخرمشهر والأهواز، أكبر تجمّعين للنّاطقين بالمندائيّة في العالم. وبسبب الحرب العراقيّة-الإيرانية، فإن التجمّع المندائيّ في المحمرة قد ترك المدينة ونزح إلى مدينة الأهواز أو إلى المهجر، ممّا جعل مدينة الأهواز  – في إقليم خوزستان – آخر موقع جغرافيّ يتواجد فيه تجمّع يتحدث المندائيّة في حياته اليوميّة.

إنّ جميع المتحدّثين بهذه اللّغة لا تقلّ أعمارهم عن ثلاثين عامًا، وكلّهم تقريبًا في الخمسين وما فوق و لا يوجد توافق في الآراء، بشأن العدد الإجمالي لجميع الطّوائف المندائيّة في العراق أو إيران؛ فالأرقام الخاصّة بعدد المتحدّثين باللّغة المندائيّة الجديدة (Neo-Mandaic) في تضارب والتباس. لذا تعدّ المندائيّة، من اللّغات المعرّضة للانقراض بشكل سريع، بما أنّها لا تنقل إلى الجيل الجديد، حيث تظهر بعض الإحصاءات أنّ مجموع من يتحدّثون بها حوالي 100 شخص في العالم، و 40% منهم من رجال الدّين و 10 أشخاص منهم فقط في العراق والبقيّة في إقليم خوزستان في إيران ومعظمهم ثنائيّي اللّغة، يتحدّثون إمّا اللّغة الفارسيّة (اللّهجة الغربيّة) أو العربيّة (اللّهجة العراقيّة أو الأهوازيّة).

اللّغة السّامريّة: هي العبريّة القديمة، تتكوّن من اثنين وعشرين حرفًا، وتقرأ من اليمين إلى اليسار، وهي لغة ليتورجيّة. تكتب السّامريّة العبريّة باستعمال الأبجدية السّامريّة، وهي سليل مباشر من الأبجديّة العبريّة القديمة، الّتي كانت البديل عن الأبجديّة الفينيقيّة. وقد كانت لغة رموز ثمّ تطوّرت إلى لغة رسم إلى أن أصبحت لغة كتابة. بعض المراجع تعتبرها لغةً مهدّدةً بالانقراض إلّا أنّ ، أمين المكتبة السّامريّة الرسميّة بنيامين تسيداكا (Binyamin Tsedaka) يقول: “إنّ السامريّة ليست بأيّ حال من الأحوال في طور الانقراض”، إذ لا يزال المتكلّمون بها ينقلونها لأبنائهم وبناتهم، الّذين تتراوح أعمارهم ما بين 5 و 15 سنة. يضاف إلى ذلك، اهتمام مجلة “السّامري نيوز” الّتي تصدر كل أسبوعين منذ إنشائها في عام 1969 بالسّامريّة العبريّة القديمة، من خلال نشر مؤلّفات مكتوبة بهذه اللّغة.

في عام 1538 نشر ويليام بوستيل الأبجدية السامرية إلى جانب أول تمثيل غربي لعملة هاسموني.

اللّغة الجباليّة: تعرف باسم اللّغة الشحريّة (Shehri language)، وهي لغة أهل جنوب سلطنة عمان الحاليّة وظفار تحديدًا وتنسب إلى قبائل الشحره سكّان ظفار الأصليّين. الشحرية هي لغة، لم تتمّ كتابتها بعد أو توثيقها بشكل رسميّ، كما أنّ هناك بعض الأشخاص في ظفار الّذين لا يعتقدون أن الشحريّة لغة. ووفقًا لهؤلاء، إنها لهجة أو لكنة؛ يأتي افتراضهم من فكرة أنّه “إذا لم يتمّ تدوين اللّغة، فهي لكنة، بينما إذا نظرنا إلى الشحريّة من حيث المنطق اللّسانيّ، نجد أنّها تحتوي خصائص صوتيّة ومفردات وقواعد خاصّة وفي الوقت نفسه، ليست بعد جزءًا من أيّ لغة أخرى.

تكشف بعض إحصاءات، عن أنّ عدد المتحدّثين بالشحريّة يبلغ 5000 شخص؛ ففي أثناء الحرب في ظفار، أجبر الكثير من النّاس من الجبال على النزوح إلى اليمن باعتبارها أقرب بلد إلى ظفار، بحثًا عن ملجأ ومكان أفضل. وتقتصر الشحريّة على الكلمات والتعابير الّتي تشير إلى الأشياء والنّباتات والحيوانات والخبرات الخاصّة بالمناظر الطبيعيّة للمنطقة. وهذا يدلّ على عزلة المتحدّثين، بهذه اللّغة وفي الوقت عينه يعدّ سببًا من أسباب انقراض الشحريّة. قالت خالصة الأغبري، أستاذة اللّسانيّات في جامعة السّلطان قابوس، في عُمان: “إنّ وضع لغة الشحرية متناقض. الشباب الّذين يتكلّمونها فخورون بمعرفة اللّغة ويفتخرون بتراثهم، لكنّ المتحدّثين الأكبر سنًّا يشتكون من أنّ الشّباب لا يتحدّثون اللّغة بطلاقة مثل ذويهم.”

اللّغة السوقطرية: وهي اللّغة المحكيّة المتداولة في جزيرة سوقطرى التّابعة لليمن، والواقعة على مسافة 200 كلم إلى الجنوب، في بحر العرب. وهي من اللّغات اليمنيّة القديمة. وجدير بالذّكر، أنّ في الجزيرة بعثة روسية مهمّتها دراسة الآثار هناك ومحاولة إنقاذ اللّغة السوقطريّة. هذه اللّغة قريبة من أقدم اللّغات المكتوبة السّاميّة الّتي انقرضت منذ آلاف السّنين – ولديها ميزات نحويّة لم تعد موجودة في اللّغة العربيّة أو العبريّة أو الآراميّة. تساعد السوقطرية، في فهم الماضي العميق لما قبل التّاريخ – والتطوّر اللّاحق – للألسنة السّاميّة. كتبت ماري كلود سيمون سينيل (Marie-Claude simeone-senelle)، الخبيرة الفرنسيّة في فولكلور سقطرى: “على الرّغم من الاتّصالات التاريخيّة والثّقافة المشتركة، لا يوجد تفاهم متبادل بين النّاطقين باللّغة العربيّة والمتحدّثين الأصليّين لأيّ “لغة عربيّة جنوبيّة حديثة – بما في ذلك السوقطرية.”

اللّغة السّريانيّة: هي لغة ساميّة شرقيّة (لِشانا سُريايا) وغربيّة (لِشونو سُريويو)، مشتقة من اللّغة الآرامية ويعتبرها بعض الباحثين تطوّرًا طبيعيًّا لها دون أن يفرّقوا بين اللّغتين. إلى جانب كونها لغة ليتورجيّة، تعدّ السريانيّة من أهم اللّغات الشرقيّة؛ فهي المدخل لدراسة الحضارات الشّرقية والعمران وكيف تمّ تبادل الثّقافات والمعارف؛ إذ كان للسّريان الدور الأساسيّ في حركة التّرجمة من اليونانيّة إلى السّريانيّة ثمّ إلى العربيّة في العصر العبّاسيّ، فانفتح العرب على الفكر اليونانيّ وعلى علمي الكلام والمنطق. لذلك اعتبرت اللّغة السّريانيّة، لغة العلوم والفنون والآداب، خصوصًا في مدينة الرّها والّتي نشأت بها بنوع خاص، أولى المدارس السّريانيّة. في الوقت الرّاهن لا يوجد في لبنان أيّ جماعة تستخدم السّريانيّة كلغة تخاطب يوميّة، بيد أن هناك عدّة محاولات لإحيائها. أمّا في سوريا، لا تزال تستخدم كلغة تخاطب في معلولا وقرى مجاورة لها في شمال دمشق كما أنّها منتشرة في المناطق ذات الكثافة السّريانية في القامشلي والحسكة وغيرها من مناطق الجزيرة الفراتيّة. أمّا في العراق، لا تزال السّريانية لغة التخاطب في المناطق والقرى ذات الغالبيّة السّريانيّة/الكلدانيّة. إنّه لصعب الإقرار، بأنّ هذه اللّغة مهدّدة بالانقراض بالرّغم من زعم بعض الأكادميّين ذلك؛ فالسّريانيّة لغة آمنة بفضل انتقالها من جيل إلى جيل الآخر عبر المدارس والجامعات، وذلك بدعم من حركة تعمل بنشاط واسع وكثيف لتلقين هذه اللّغة لكافّة الأعمار عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ وخصوصًا في لبنان والعراق وسوريا. ولقد استطاعت اللّغة، أن تصمد أمام الحروب المتنوّعة العربيّة والغربيّة والتركيّة نتيجة ارتباطها بالرّافد الدينيّ المسيحيّ من جهة وعلاقتها بتراث عريق من جهة ثانية.

اللّغة الآشورية: الحقيقة العلميّة والتاريخيّة الثّابتة، هي أنّ البابليّين والأشوريّين القدماء، كانت لغتهم “الأكديّة المسماريّة”، وتكتب على الطّين. سادت اللّغة الأكديّة القديمة في العراق وانتشرت إلى بلاد العيلاميّين والحثّيين ووصلت إلى مصر. وفي القرن الثّامن قبل الميلاد، اضمحلّت الآشورية وأصبحت لغة عسكرية خاصّة بالحكّام، لأن الآراميّة غزت دولة أشور. وبسبب الاستعمار الغربيّ والانقسام الطائفيّ والحروب الداخليّة، ظهر خلاف بين الأشوريين والسّريان حول مسألة الجذور الآراميّة والهويّة التاريخيّة. وثمّة محاضرة على بلاتفورم “TED”، تشرح عن أصل هذه اللّغة وأسباب تعرّضها للانقراض. ولعّل السّبب الأبرز هو الإبادة الجماعيّة الّتي تطال هذه الشّعوب، والحروب الأخيرة في العراق وسوريا مع داعش والحركات الإرهابيّة.

اللّغة القبطية: وهي آخر مراحل تطوّر اللّغات المصريّة؛ تستخدم في كتابتها الأبجديّة القبطيّة، وهي عبارة عن أبجديّة يونانيّة مع إضافة بعض الحروف الّتي تختلف من لهجة إلى أخرى، وهي مأخوذة من الكتابة الديموطيّة (Demotic). تراجعت تدرجيًّا أمام ضغط اللّغة العربيّة، حتى زالت بحلول القرن السّادس عشر، غير أنّها لا تزال لغة اللّيتورجيا في الكنيسة القبطيّة الأرثوذوكسيّة. أنشأ روّاد حركة إحياء اللّغة القبطيّة، سلسلةً من المواقع لتعلّم اللّغة القبطيّة، بالإضافة إلى حسابات على منصّات متعدّدة في محاولة لإنقاذ هذه اللّغة من خطر الانقراض.

اللّغات الإفريقية (الحامية) المهدّدة بالانقراض:

اللّغات النيليّة التشاديّة، وهي كثيرة تنتشر في السّودان وتشاد: ومن اللّغات الّتي تنضوي تحت هذه المجموعة لغتا المَحَس والدنقليّة في شمال السّودان. وتنتشر في السّودان حتى ليبيا، لغات إفريقيّة كثيرة نكتفي منها بذكر لغة التبو، ولغة الحَوصة. وقد نظفر بعلاقات لسانيّة بين لغة منها ولغة أخرى غيرها، أو بينها وبين العربيّة. إنّ هذه اللّغات معرّضة للاندثار وخطر الزّوال بسبب الاستعمار والحروب والهجرة واستغلال الثّروات الطبيعيّة الّتي تتمتّع بها قارّة إفريقيا، ما يؤثّر على مختلف جوانب الحياة لدى السّكان الأصليّين.

ما الّذي يمكن فعله للحفاظ على اللّغات المهدّدة بالانقراض؟

كي لا نبقى في حدود طرح الحلول النظريّة، سوف أعرض نماذج حول العالم كيف تمّ الحفاظ على لغات كانت مهدّدةً بالنقراض.

المجتمع الّذي يريد الحفاظ على لغته، أمامه عدد من الخيارات؛ ربما تكون المسألة الأكثر إثارةً هي مسألة العبرية الحديثة (Modern Hebrew)، الّتي تمّ إحياؤها كلغة أم بعد قرون من تعليمها في شكلها القديم المكتوب. وفي السياق نفسه، حظي الإيرلنديّون بدعم مؤسّساتيّ وسياسيّ للحفاظ على لغة إيرلندا الوطنية، بالرّغم من التقدم الكبير الّذي حققته اللّغة الإنجليزية. أمّا في مجتمعات الماوري (Maori communities)   النيوزيلنديّة، أُنشئت مدارس حضانة يتولّى كبار السّن فيها تلقين لغة الأجداد للنّاشئين، تسمّى كوهانغا ريو (kohanga rio) أي “أعشاش اللّغة”. وفي ألاسكا وهاواي وأماكن أخرى، يتمّ توسيع هذا النّموذج ليشمل المدارس الابتدائيّة والثّانويّة. وفي لبنان، يزداد عدد المؤتمرات وورش العمل والمنشورات والمنصّات الّتي تقدّم الدّعم للأفراد والمدارس لنشر اللّغة السّريانيّة وتعليمها للطلّاب من أجل ضمان وجودها وحفاظًا على التّراث والهويّة.

ومن الحلول البرغماتيّة الّتي يجب على الحكومات المحليّة تبنّيها “تخطيط سياسة لغويّة وطنية وتطويرها”؛ يجدر بالسّياسات اللّغوية دعم التنوّع اللّغوي بما فيها اللّغات المهدّدة بالانقراض، وذلك انطلاقًا من مبدأ احترام حريّة الفرد وحقوق الإنسان كما ينبغي أن يشارك عدد أكبر من الباحثين الاجتماعيّين واللّسانيّين وعلماء الإنسان والمتحدّثين باللّغات المهدّدة بالاندثار في صياغة هذه السّياسات.

هذا الدّعم يجب أن يكون متكافئًا، حيث ثُقيّم كلّ لغات البلد على أنّها موجودة ويعمل القانون على حمايتها اللّغات وصونها والتّشجيع على استعمالها في المجالات الخاصّة أكثر منه في المجالات العامّة.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة