تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



ما هي الانعكاسات الناتجة عن انقراض اللّغة؟

بدأ اللّسانيّون الاجتماعيّون والأنثروبولوجيّون، في الكشف عن التّأثير الّذي يحدثه فقدان لغة ما أو التحّول اللّغوي في بعض المجتمعات. وهذه الظاهرة، وإن كانت بحدّ ذاتها طوعيّة أو غير طوعيّة، فهي في الحالّتين، تتسبّب بفقدان الهويّة الاجتماعيّة، عدا عن كونها دليلًا على الهزيمة والاستسلام أمام القوى الاستعماريّة. علاوةً على ذلك ، فإنّ انقراض اللّغة، لا يؤثّر فقط بمسألة الهويّة، بل ينعكس على الوظائف والأدوار الّتي تقوم بها اللّغة بشكل عام.

ونستطيع إبراز هذه التّأثيرات بالنّقاط الآتية:

تأثير فقدان اللّغة على الأوساط الأكاديميّة.

تأثير فقدان اللّغة على التّراث والثقافة .

تأثير اللّغة على الهويّة الفرديّة والجماعيّة.

اللّغة والبيئة.

اولا : تأثير فقدان اللّغة على الأوساط الأكاديميّة

إنّ فقدان لغة ما، يؤثّر بشكل مباشر على الأوساط الأكاديميّة المختلفة  بدءًا باللّسانيّات؛ فدراسة اللّغات المهدّدة بالانقراض، هي مادّة أساسيّة في عمل الأكادميّين المتخصّصين بتحليل القدرات اللّغويّة البشريّة في مجالات اللّسانيّات التطبيقيّة. كلّما عرفنا أكثر عن طرق الاستخدام المختلفة للّغة، كلّما تمكنّا من شرح هذه القدرة بشكل أفضل: “إن التنوّع اللّغوي، يزيد من معرفتنا للأبعاد الذهنيّة لأنّ اللّغة تكشف – بطريقة فريدة – الطّرق الإبداعيّة التنظيميّة عند البشر وكيف يصنّفون تجرابهم.” بعبارة أخرى، كلّما قلّ عدد اللّغات الموجودة (أو الوثائق المتاحة عنها)، تراجع التنوّع الموجود الّذي يمكن دراسته، فنصبح تاليًا أقل معرفة عن الإبداع البشريّ عن طريق اللّغة.

ومن المعروف أنّ اللّغات المهدّدة بالانقراض، يمكن أن توفّر بيانات عن النّماذج اللّغويّة الأولى الّتي لم يتمّ اختبارها لسانيًّا بعد. في المراحل الأولى لظهور اللّسانيّات، كانت اللّغات الهنديّة الأوروبيّة المادّة الأولى الخاضعة للتحليل لأنّ هذه اللّغات تنتمي جميعًا إلى عائلة لغويّة واحدة، ومن الطّبيعيّ وجود ترابط وثيق وتبادل مشترك في الخصائص بين هذه اللّغات.

اليوم، يتمّ توثيق هذه اللّغات بطريقة أكاديميّة، بالمقارنة مع معظم اللّغات الأصليّة (indigenous languages). لكنّ ذلك لا يكفي بل يجب أن تأخذ في الاعتبار، اللّغات الّتي تنتمي إلى عائلات مختلفة لأنّ الخصائص اللّسانيّة (Linguistic features) في اللّغات المهدّدة بالانقراض، قد لا يوجد لها مثيل في اللّغات الهندو-أوروبيّة أو اللّغات الساميّة-الحاميّة. فإذا اكتفى المرء بدراسة اللّغات المعروفة فقط، فسيكون من السّهل للغاية التوصّل إلى استنتاجات خاطئة حول ما هو ممكن أن تتمتّع به اللّغة من قدرات.

كما أنّ اللّغات المهدّدة بالانقراض، هي أيضًا مخازن لمعلومات ذات قيمة متشعّبة، ليس فقط على المستوى اللّسانيّ،  بل على المستويات الأكاديميّة الأخرى؛ غالبًا ما يكون لدى السّكان الأصليّين، معرفة معمّقة جدًا بالنّباتات والحيوانات وصناعة الأدوات في المناطق الّتي يعيشون فيها. يقول دانيال نيتل (Daniel Nettle) وسوزان رومان (Suzanne Romaine):” إنّ الكثير من سكّان هاواي قد نسوا الآن، القسم الأكبر من تلك المعارف المحليّة الّتي تراكمت وانتقلت شفهيًّا على مدى ألفين سنة”. وذلك لأنّ هذه المعلومات تمّ تناقلها شفهيًّا ولم تدوّن، وقد اختفت جنبًا إلى جنب مع اللّغة الأصليّة. وهكذا نجد أنّ التخلّي عن اللّغات والثّقافات التقليديّة أو انقراض اللّغة، يؤدّي إلى فقدان هذا النوع من المعرفة الدّقيقة بشكل نهائيّ.

يواجه اللّسانيون والمتحدّثون بلغة مهدّدة بالانقراض، خطر فقدان شيء ذي قيمة عالية. وبالعمل معًا، ربّما تتمكّن المجموعتان من درء الخطر وإعادة إحياء اللّغة إلّا أنّ – لسوء الحظ – معالجة هذه الإشكالية ليست بهذه البساطة.

ثانيا :تأثير فقدان اللّغة على التّراث والثّقافة

اللّغة وعاء الثّقافة والتّراث، فالإنسان يعبّر عن مظاهر حياته الاجتماعيّة والثّقافيّة والرّوحيّة والفكريّة ويحفظها من الاندثار والزّوال عن طريق اللّغة ووسائطها المتعدّدة كالتّدوين والمشافهة، بدءًا بالتّحيّات اليوميّة وأساليب المحادثة والفكاهة، وصولًا إلى طرق التحدّث إلى الأطفال والمصطلحات الفريدة الّتي تستعمل في ممارسة العادات والسّلوك والتّعبير عن العواطف، فضلًا عن الصّلوات والشّعائر والأساطير والاحتفالات والأدب  والمفردات الشّفويّة والتّقنيّة.

وعند انقراض إحدى اللّغات، يجب إعادة تشكيل كل هذه المعطيات في اللّغة الجديدة بحسب المستويات اللّسانيّة؛ فعلى المستوى المعجميّ تظهر فئات جديدة للكلمات المختلفة، وعلى المستوى الفونولوجيّ يتمّ إدخال مقاطع صوتيّة (phoneme) جديدة، وعلى المستوى التركيبيّ-المرفولوجيّ، تظهر هياكل نحويّة وصرفيّة تختلف بشكل جزئيّ أو كلّيّ عمّا كان سائدًا في اللّغة المنقرضة.

تخسر المجتمعات الّتي حصل فيها تحوّل لغويّ، الجزء الأكبر من ثقافاتها وتقاليدها وتراثها بالرّغم من الحفاظ على هويّاها الاجتماعيّة. وفي أغلب الأحيان، تتولّى الأشكال الثقافية الطّارئة الّتي تبثّها السّلطة الاستعماريّة، بمحو ممنهج لهذه الخصائص عن طريق فرض لغتها. وهناك بعض المواقف تزعم أن فقدان اللّغة هو نتيجة حتميّة للتقدّم والعولمة وهو أمر يعزّز حوار الحضارات والتّفاهم بين المجموعات، ولكن هذا الطّرح يسقط عندما يتكوّن لدى الشعب الوعي الحضاريّ الّذي يجعلهم يدركون أنّ تهديد لغتهم أو عدم استعمالها على المستوى العام، يعني مباشرةً القضاء على هويّتهم وخصائصهم الجماعيّة ومكانتهم الوجوديّة بين الحضارات.

لكن ألن يكون الأمر أسهل إذا تحدّث الجميع بلغة واحدة؟ أن تستطيع أن تتواصل مع الآخر مهما اختلفت جنسيّته، من دون الحاجة إلى تعلّم لغته، هو أمرٌ مهمّ يخدم حوار الحضارات وتبادل الثّقافات إلّا أنّ هذا التّواصل لا يفترض إقصاء لغة الآخر أو تخلّي الفرد أو الجماعة عن اللّغة الأم. فضلًا عن أنّ هذا التموضع، لا يعني بالضّرورة التّقوقع والاكتفاء والانكماش، بل هو من باب القوميّة الّتي لا يجب أن ينظر إليها نظرة سلبيّةً كما خو سائد اليوم. فالتّواصل مع الآخر المختلف يمكن أن يتحقّق عبر تعلّم لغة ثانية وثالثة (Multilingualism) ، إلى جانب اللّغات الأولى.

يذكر موقع الأونيسكو على الإنترنت أنّ “التنوّع الثّقافي هو قوّة دافعة للتنمية، ليس فقط في ما يتعلّق بالنموّ الاقتصاديّ، ولكن أيضّا على مستوى السّياسيّ والديبلوماسيّ من خلال الاعتراف يخصوصيّة الآخر”. يُشار إلى التنوّع اللّغوي باعتباره “ركيزة ثقافيّة” و “ضرورة استراتيجيّة” أساسيّة على هذا الكوكب.

عندما تتلاشى اللّغات، يتلاشى معها نسيج العالم الغنيّ بالتنوّع الثقافيّ: “الفرص، التّقاليد، الذّاكرة وأنماط التّفكير والتّعبير الفريدة”، كلّ هذه الجوانب القيّمة لضمان مستقبل أفضل، هي أيضًا تزول !

 

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة