تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



اللّغات المهدّدة بالانقراض…بين الواقع والمأمول !

– أنطونيوس نادر

تخيّل أنّك آخر المتحدّثين بلغتك الأم، ولم يعد لديك أيّ شخص ينتمي إلى بيئتك للتبادل معه أطراف الحديث…أطفالك لم يتعلّموا لغتك أبدًا بل يستخدمون لغة الغرباء. وإذا كنت ترغب في التّفاعل مع أيّ شخص على الإطلاق، يجب عليك استخدام لغة أجنبيّة، فلغتك الأولى قد انقرضت…

ينتشر في العالم اليوم ما يقارب 5000 إلى 6000 لغة، ولكن بعد قرن من الآن سينخفض ​​العدد تقريبًا إلى الآلاف أو حتّى إلى المئات. تجد بعض المجتمعات، الّتي كانت ذات يوم تتمتّع بالاكتفاء الذّاتيّ، نفسها تحت ضغط شديد أكثر من أيّ وقت مضى؛ من أسباب هذا الضّغط، الاتّصال الحضاريّ مع الجيران الأقوياء، أو القوى الإقليميّة، أو الغزاة، ممّا يؤدّي غالبًا إلى فقدان لغاتهم الخاصّة وحتى هوّيتهم العرقيّة.

تخضع اللّغات – كغيرها من المؤسّسات – إلى ضغط اقتصاديّ أو اجتماعيّ أو ثقافيّ أو دينيّ أو سياسيّ أو عسكريً أو أيّ مزيج من هذه الضّغوطات. إنّ الأشخاص المتأثّرين بشكل مباشر، هم الأقلّيّات بحكم مفهوم هذا المصطلح، ومع ذلك فهم يحملون معظم التنوّع اللّغوي الّذي تطوّر على مدار تاريخ البشريّة.

وأبرز مثل حيّ على التنوّع اللّغوي، قبائل بابوا غينيا الجديدة (Papua New Guinea)، الّتي تنطق ألسنتها 900 لغة تقريبًا. كما أنّ الشّعوب الأصليّة للأمريكتيْن، ما زالوا يحتفظون بأعداد أقلّ من 900 لغة أو أكثر من لغاتهم الأصليّة. والأمر نفسه ينطبق على الأقلّيات القوميّة والقبليّة في إفريقيا وآسيا وأوقيانيا، الّتي تحتفظ بعدّة آلاف من اللّغات.

يرى اللّسانيّون، أنّ تعريض اللّغة للخطر يمثّل مشكلةً خطيرةً للغاية على المستوى الإنسانيّ والعلميّ؛ فاﻟﺘﻨﻮّع اﻟﻠّﻐﻮيّ ضروريّ ﻟﻠﺘّﺮاث اﻹﻧﺴﺎﻧﻲّ، فاللّغة عدا عن كونها آداة للتواصل هي كائن حيّ يجسّد اﻟﺤﻜﻤﺔ والحضارة والعلوم اﻟﻔﺮيدة اﻟّﺘﻲ ﻳﺘﻤﺘّﻊ ﺑﻬﺎ شعب ﻣﺎ. وبذلك يشكّل انقراض اللّغة، خسارة للبشريّة جمعاء.

لذا تعدّ اللّغات المهدّدة بالانقراض، إحدى أعلى الأولويّات من النّاحيّة العلميّة والإنسانيّة في اللّسانيّات التطبيقيّة والأنتربولوجيا في أوائل القرن الحادي والعشرين، فضلاً عن أنّها من المشكلات الأكثر إلحاحًا الّتي تواجه البشرية.

تطرح هذه المقالة، مجموعة من الأسئلة والأجوبة بهدف تأطير ظاهرة اندثار اللّغات وتعرّضها لخطر الانقراض والسّبل الّتي يمكن اللّجوء إليها للتخفيف من حدّة هذه الظّاهرة أو معالجتها.

ماذا يعني انقراض اللّغة؟

إنّ اللّغة المهدّدة بالانقراض، هي اللّغة الّتي من المحتمل أن تنقرض في المستقبل القريب. يتوقّف استعمال الكثير من اللّغات ويتمّ استبدالها بلغات أخرى تستخدم على نطاق واسع في بقعة جغرافيّة صغيرة أو في مساحة أكبر كالدّولة، مثل اللّغة الإنجليزية في الولايات المتحدة أو الإسبانية في المكسيك ويسمّى هذا الاستبدال بالتحوّل اللّغوي (Language shift).

 

في الواقع، هناك عشرات من اللّغات الّتي لا تزال تعيش اليوم عبر متحدّث واحدّ أصليّ، وسيعني موت ذلك الشّخص انقراض هذه اللّغة.

اقترح اللّسانيّون عدّة طرق مختلفة لتصنيف اللّغات من أجل فهم أفضل للأحوال والإشكاليّات الّتي تصيب اللّغات. يستخدم  عالم اللّغة ميشال كروس (Michael Krauss) مصطلح “لغة تحتضر” (moribund) للإشارة إلى اللّغات الّتي لا يتمّ تلقينها للأطفال كلغة أولى، وإن لم يتغيّر شيء ما، ستختفي هذه اللّغات خلال جيل واحد.

اللّغات “المهددة بالانقراض” (Endangered Languages)، هي تلك اللّغات الّتي لا يزال يتعلّمها الأطفال حاليًّا، ولكن هذا التّعليم لن يستمرّ في المستقبل. أمّا اللّغات “الآمنة” (safe languages)، فهي تلك اللّغات الّتي ليست تحت وطأة الخطر – فهي تنتقل من جيل إلى جيل من دون عوائق، في الوقت الحاليّ على الأقل.

ولا بدّ في هذا السّياق، التّمييز بين اللّغات المنقرضة (Extinct Language)، واللّغات الميّتة (Dead Language) ؛ فعلى غرار الحيوانات المنقرضة، إنّ اللّغات المنقرضة لا أمل في إعادة إحيائها إذ لا يوجد أيّ أحفاد أحياء يستعملونها أو على دراية بها. في المقابل، فإن اللّغة الميّتة هي “اللّغة الّتي لم تعد اللّغة الأم لأيّ مجتمع” ، حتى لو كانت لا تزال قيد الاستخدام، مثل اللّاتينية.

في بعض الأحيان تسمّى اللّغات الّتي لا تزال تجري على ألسنة السّكان الأصليّين باللّغات الحديثة (Modern Languages) لمقارنتها باللّغات الميّتة.

وقد حدّدت الأنويسكو مجموعة من الحالات الّتي قد تصاب بها لغة ما، نستطيع إيجازها بالجدول الآتي:

درجة خطر الانقراض         

انتقال اللّغة بين الأجيال

آمنة (safe)        

اللّغة منتشرة بين الأجيال. ولا تزال تنتقل من جيل إلى جيل من دون معوقات.

غير حصينة (vulnerable)

يتحدّث معظم الأحفاد هذه اللّغة، ولكن قد تكون مقيّدة بنطاقات معينة (على سبيل المثال، المنزل أو القبيلة)

بحالة خطر

 (definitely endangered)

إنّ الأحفاد لم يتعلّموا لغتهم الأم

بحالة خطر شديد (مستوى 2)

(severely endangered)

يتحدث بها الأجداد والأجيال الأكبر سنًا. في حين أن الجيل الثاني (Parent generation) قد يفهمها ولكن لا يستعملونها في حديثهم مع الأطفال أو فيما بينهم

منازعة (مستوى 3)

(critically endangered)

الجيل الوحيد الحيّ الّذي يستعمل هذه اللّغة هم الأجداد والأكبر سنًا، ويستعملون اللّغة بشكل نادر وجزئيّ

منقرضة (extinct)

ليس لها أيّ متحدّثين أصليّين

 

 

وقد وضّح ليونارد ويسلي (Leonard Wesley)، أنّ تلك الأحوال أو الأوصاف لا تنطبق بالضّرورة على كلّ اللّغات. وهو يشير إلى بعض اللّغات باسم “اللّغات الهاجعة (sleeping Languages)”، أي “تلك اللّغات غير الموجودة حاليًا أو المعروفة ولكنّها موثّقة، ومطالب بها كجزء من تراث الجماعة، وتاليًا يمكن إحياؤها مثل لغة “Myaamia” في مجتمع ميامي (Miami Community).

كيف تصبح اللّغة مهددة بالانقراض؟

يتمّ تصنيف أسباب تعرّض اللّغة لخطر الانقراض إلى أربعة مجموعات:

الكوارث الطّبيعيّة، المجاعة، الوباء: على سبيل المثال، مثلًا لغة ((Malol في قبيلة بابوا غينيا الجديدة (زلزال)؛ جزر أندامان (تسونامي).

الحرب والإبادة الجماعيّة: على سبيل المثال، تسمانيا (الإبادة الجماعية من قبل المستعمرين)؛ الشعوب الأصلية البرازيلية (النّزاعات على الأرض والموارد) ؛ السلفادور (الحرب الأهليّة). وفي هذا الإطار، يدخل صراع اللّغات واللّهجات حيث يكون لإحدى اللّغات أو اللّهجات أسباب القوّة والانتصار.

القمع العلنيّ القسريّ: على سبيل المثال “الوحدة الوطنيّة” و”التوطين” مثل ما حلّ بالكرديّة والويلزيّة، واللّغات الأصليّة الأمريكيّة.

العولمة ومن مظاهرها الهيمنة وتشمل:

الهيمنة الثّقافيّة: الهيمنة من قبل مجتمع يشكّل الأغلبيّة السّكانيّة في منطقة ما، كسيطرة لغة العاصمة على مجموعة من المجتمعات من ناحية التّعليم والأدب؛ فتصبح لغة الشعوب الأصليّة وثقافاتها “فولكلوريّة”. وفي أكثر الأحيان، تكون لغات الأقلّيات مرتبطة بالفقر والأميّة وصعوبة اكتسابها لسانيًّا، في حين تكون اللّغة المهيمنة مرتبطة بالتقدّم والسّهولة والانتشار.

الهيمنة السّياسيّة: على سبيل المثال، سياسات التّعليم الّتي تتجاهل أو تستبعد اللّغات المحليّة، أو عدم اعتراف السّلطلت بمجموعة من الأقلّيات وعدم السّماح بأن يكون لها تمثيل سياسيّ. وعادةً ما يرافق هذه الهيمنة، قوانين تحظّر استخدام لغات الأقلّيّات في الحياة العامّة. وقد تتفوّق لغة على أخرى عن طريق أشكال الاستعمار والانتداب والنّزاعات الحدوديّة.

الهيمنة الاقتصاديّة: يؤدّي الفقر في الرّيف إلى الهجرة إلى المدن وخارجها، حيث يتخلّى الفرد عن لغته لكي يتمكّن من التكيّف والاندماج مع المجتمع الجديد. كما أنّ انفتاح الأسواق، وتعاظم القوى الاقتصاديّة لبعض الدّول يسمح بفرض لغتها على سائر اللّغات.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة