تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



دور الترجمة في الحوار الثقافي من إدراك الذات إلى معرفة الآخر

د/ علي القاسمي

تبني الترجمةُ جسوراً بين الجماعات البشريّة المختلفة، فتيسِّر التواصل والتفاعل بينها، سواء أكان هذا التفاعل اقتصاديّاً أو ثقافيّاً أو اجتماعيّاً. فالترجمة هي البوابة التي تعبر منها الذاتُ إلى الآخر أو يقتحم الآخرُ الذات.

تعمل الترجمة على تيسير التنمية البشريّة، فهي حاضرة دوماً في التبادل التجاريّ، وإشاعة المعرفة العلميّة، ونقل التكنولوجيا أو استنباتها وتوطينها، وغيرها من العمليّات الضروريّة للاستفادة من علوم الآخر وتقنيّاته في تحقيق التنمية الهادفة إلى ترقية حياة الإنسان.

ولعلَّ أثرَ الترجمة أشدُّ ما يكون وضوحاً في التفاعل الثقافيّ. فهي تكمن في منظومة المفاهيم الثقافيّة مثل: الحوار الثقافيّ، والتبادل الثقافيّ، والمثاقفة، والتغلغل الثقافيّ، والإفراغ الثقافي، والغزو الثقافيّ، والاستلاب، والانفتاح على الآخر، والانغلاق على الذات، والعولمة، إلخ. باعتبار أنّ الترجمة هي السفينة التي تنقل الحمولات الثقافيّة المتنوِّعة من مرفأ إلى آخر.

ولكي يكون الحوار الثقافيّ مع الآخر فاعلاً ومؤثِّراً ومُنتِجاً، ينبغي لنا أن نعرف الذات بالإضافة إلى معرفتنا الآخر.

وإذا كانت الترجمة تساعدنا على معرفة الآخر عن طريق نقل فكره إلينا، فإنّها تساعدنا أيضاً على إدراك الذات بطريقتيْن متكاملتيْن :

الأولى، تقوم الترجمة بتسليط الضوء على الآخر لنتعرّف عليه، وتعرُّفنا عليه يساعدنا على معرفة أنفسنا، لأننا لا يمكننا أن ندرك الذات ما لم نعرف الآخر، فبالآخر يتحدَّد الأنا.

والثانية، هي أن ندرك ذاتنا عن طريق إدراك الآخر لنا. وتقوم الترجمة بنقل تصوّرات الآخر عنا إلينا.ّ

وبعبارة أخرى، فإنّ معرفة الذات يتمّ بالتقاط صورتيْن متكاملتيْن:  صورة ذاتيّة نلتقطها نحن لذاتنا، وصورة غيريّة يلتقطها الآخر لنا. ومن خلال المقارنة بين الصورتيْن يزداد إدراكنا لذاتنا وضوحاً. ولهذا كثيراً ما يقرأ المثقفون العرب بعض نصوص الثقافة العربيّة وهم يقارنونها بنصوص الآخر.

فيقارنون بين ”حي بن يقظان“ لابن طفيل وجزيرة الكنز لروبنسن كروزو، وبين ”رسالة الغفران“  لأبي العلاء المعري والكوميديا الآلهيّة لدانتي، وبين ”المنقذ من الضلال“ للغزالي ونظرية الشك لديكارت، وهكذا.

ومن طريف المصادفات أنّ لفظَ ” الهُوية ”، في اللغة العربيّة، الذي يدلّ على حقيقة الذات التي تميّزها عن غيرها، مشتقٌّ من لفظ ” هوَ ”وليس من لفظ ” أنا ”، وكأن معرفة ”الهُوية تتطلّب معرفة رأي الآخر في ”الأنا“.

أثر الترجمة في الثقافة المنقول منها:

تعمل الترجمة على إحداث نهضة ثقافيّة واقتصاديّة واجتماعيّة. فعندما تقوم الترجمة بنقل مفاهيم ثقافة من الثقافات وعلومها وتقنيّاتها إلى ثقافة أخرى فإنّها تهيِّئ الأرضيّة لتلاقُح الثقافة المتلقِّية بغيرها ومن ثمّ نموّها وازدهارها وغناها.  ولذلك يلاحظ الباحثون تناسباً طرديّاً بين التقدم الحضاريّ وكمية الترجمة.  فالبلدان التي تُترجِم أكثر هي التي تحقق تقدُّما أكبر، وأنّ أغنى عصور الفكر هي تلك التي تزدهر فيها الترجمة وتتوسَّع.

وأنَّ اللغة العالميّة هي ليست تلك اللغة التي يتكلَّمها أكبرُ عددٍ من الناس، بل هي تلك اللغة التي تُرجِمَ إليها أكبر عدد من الأعمال من مختلف اللغات تعلّمُنا دروس التاريخ أنّ الترجمة كانت وما تزال الوسيلة الأساسيّة في التفاعل الثقافيّ مع الآخر واكتساب المعرفة منه، وهي قاعدة انطلاق النهضات الحضاريّة الكبرى. فعندما سيطر البابليّون بقيادة ملكهم حمورابي حوالي عام 1750 ق.م. على بلاد سومر، وجدوا أنّ للسومريِّين ثقافةً تفوق ما لديهم بكثير، فالسومريُّون هم الذين ابتدعوا الكتابة المسماريّة، وفتحوا المدارس، واخترعوا العجلة، وابتكروا المحراث، وقسّموا الزمن إلى وحدات، وسنوا القوانين والتشريعات. فراح البابليون يعلِّمون أولادهم العلوم السومريّة.

ولكي يساعدوهم على استيعابها بلغتها السومريّة، حرَّروا لهم قوائم بالرموز السومريّة ومقابلاتها البابليّة. فكانت هذه القوائم بدايات المعاجم الثنائية اللغة التي ظلّت أداةً رئيسةً .( من أدوات الترجمة حتّى يومنا هذا).

ويمكننا أن نضرب مثلاً آخر على ذلك بالعصر العباسيّ الأوّل عندما انطلقتْ حركةُ الترجمة في عهد الخليفة المنصور باني مدينة بغداد، وتصاعدتْ في عهد الخليفة هارون الرشيد، وبلغت أوجها في عهد الخليفة المأمون مؤسِّس بيت الحكمة، الذي هو معهد عالٍ أو مجمع علميّ للبحث والترجمة. وشملت الترجمة إلى اللغة العربية آنذاك فلسفة اليونان وعلوم الهند وآداب الفرس. فارتفعتْ مكانة المترجِمين وعلا شأنُ العِلم والعلماء، حتّى أصبحت بغداد عاصمة الدنيا وأكبر مدينة فيها مدة قرنين من الزمن.

ولا يتوقَّف أثر الترجمة في التفاعل الثقافيّ عند إثراء الثقافة المتلقِّية بمعارفِ الآخرِ وعلومِه، وإنّما يمتدّ، كذلك، إلى تطوير اللغة المتلقِّية ذاتها. فالترجمة ليست نقلاً بسيطاً للنصِّ، أو مرآةً عاكسةً له، أو استنساخاً محضاً لمضمونه؛ وإنّما هي إعادةُ إنتاجٍ للنصِّ، وتجديده، وتحويله، وتطويره، حسب قدرات المترجم؛ لأنّها ترتبط بفهم المترجِم للنصّ وتأويله له وتطويعه اللغة المتلقِّية لاستيعاب مفاهيم النصّ ودلالاته. فالترجمة عملية حوار بين المؤلِّف الذي أنتج النصَّ الأصليَّ وبين المترجِم الذي يعيد إنتاجه على الرغم من بُعْد الشقّة الزمانيّة أو المكانيّة بينهما. والترجمة كذلك عمليّة حوار بين لغتين بالإضافة إلى كونها حواراً بين ثقافتيْن. ويؤدِّي كلُّ حوّار فعّال إلى تغيير وتبديل وتعديل في مواقف المتحاورين. ولهذا ينتج عن حوار الترجمة بين لُغتَيْن، تغيير في مفاهيم اللغة المنقول منها، وتطوير اللغة المنقول إليها، في مفرداتها وتراكيبها ودلالاتها وأساليبها، بالإضافة إلى استيعابها لمفاهيم جديدة.

وإذا تأمَّلنا أسلوبَ اللغة العربيّة قبل القرن الميلاديّ التاسع عشر، ألفيناه أسلوباً كلاسيكياً مُثقلاً بالسجع، مُرصَّعاً بالمحسِّنات البديعيّة، زاخراً بالعبارات المسكوكة المحُنَّطة.

وعندما اتسعتْ حركة الترجمة من اللغات الأوربيّة إلى اللغة العربيّة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لتشمل ترجمةَ الروايات والقصص البوليسيّة التي كانت تنشرها المجلات والصحف اليوميّة التي تتطلب السرعة في إعداد النصوص للنشر، اضطر المترجِمون إلى الكتابة بأسلوب أيسر وأسرع يقوم على النثر المُرسَل السهل الذي تفهمه عامّة القراء. كما أنّ الأدباء المزدوجي اللغة تأثَّرتْ أساليبُ نصوصهم الإبداعيّة بالترجمة الكامنة لِما كانوا يقرؤونه باللغة الأجنبيّة. وحتّى المذاهب الأدبيّة الأوربيّة، كالواقعيّة والرومانسيّة والوجوديّة، انتقلتْ إلى الآداب الأخرى، ومنها الأدب العربيّ، عن طريق ترجمة أعمال أدبيّة كتبها أصحاب تلك المذاهب.

لا يتوقَّفُ دورُ الترجمة عند إثراء الثقافة المتلقِّية ولغتها واقتصادها، وإنَّما يتعدّى ذلك إلى التأثير في الحركات الاجتماعيّة والسياسيّة، خاصّة عندما تُترجَم أعمالٌ ذاتُ صلةٍ بفكرٍ إيديولوجيٍّ مُعيَّن. ويمكن أن نمثِّل لذلك بتأثُّر الحركات الاجتماعيّة والسياسيّة خلال الستينيّات والسبعينيّات من القرن العشرين بالترجمات الكثيرة من الفكر الماركسيّ الاشتراكيّ. كما أدى الاحتكاك بالغرب عموماً وترجمة الفكر الغربيّ، إلى تحوُّلاتٍ بنيويّة في المجتمعات العربيّة، وتغيُّراتٍ في العلاقات الاجتماعيّة ومكانة المرأة، وتطوُّراتٍ في أساليب المعيشة وعادات العمل والأكل، وتبدُّلاتٍ في الطرز المعماريّة وغيرها من الأنشطة الاجتماعيّة.

ويذهب بعضهم إلى أنَّ مكانة الترجمة قد تزحزحت في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتّصال ليتعزَّز دور الصورة. بَيْدَ أنّنا نرى أنّه على الرغم من أنّ الصورة تساوي ألف كلمة، كما يقول المثل الغربيّ، فإنّ الصورة عادةً ما يصاحبها شرحٌ مكتوبٌ أو منطوقٌ، لإبلاغ مضمون الصورة بصورة أقرب إلى الكمال.

وهذا الشرح بحاجة إلى جوازِ ترجمةٍ عند عبوره الحدود الثقافيّة أو اللغويّة.

أثر الترجمة في الثقافة المنقول منها:

لا تقتصر فائدةُ الترجمة على إثراء الثقافة المتلقِّية، وإنَّما تمتدُّ كذلك إلى خدمة الثقافة التي نُقِلت منها النصوص. فالترجمة تَهِبُ النصَّ الأصليَّ وجهاً جديداً وتمنحه حياة جديدة في محيط ثقافيّ جديد. وهكذا يُصبِح النقلُ اللغويُّ انتقالاً وتحولاً وتلاقُحاً وتناسلاً للمفاهيم والأفكار في أفضية متجدِّدة وعوالم متكاثِرة. ولهذا فإنَّ المُترجِم لا يسدي خدمةً لأُمّته ولغته فحسب، وإنَّما كذلك للّغةِ التي نُقِل منها النصُّ الأصليُّ وأهلِها.

ويمكننا أن نورد هنا حالات محدَّدة لا يحيا فيها النصُّ الأصليُّ إلا بالترجمة:

الأولى، فقدانُ النصِّ الأصليِّ. فالنصُّ لا يحيا بلغته الأصليَّة، وإنَّما يحقِّق حياتَه في اللغات التي تُرجِم إليها، لأنّ النصَّ الأصليَّ مفقود. فملحمة كلكامش الشهيرة كُتِبت أصلاً باللغة السومرية، ولكنَّ علماء الآثار لم يعثروا على نصوصها الأصليّة حتّى اليوم، وإنَّما عثروا عليها مُترجَمة إلى اللغة الأكديّة، وبعض اللغات العربية والسامية القديمة، ولهذا فإنِّها تُرجِمت لنا عبر اللغة الأكديّة.  وهكذا أدّتِ الترجمة خدمةً عظيمةً للثقافة السومريّة.

كما اطلعتْ أوربا على الفكرِ الفلسفيِّ اليونانيِّ عبر الترجمة العربيّة له، لأنّ بعضَ الأعمال الفلسفيّة اليونانيّة القديمة مفقودةٌ اليوم. وحصل أن فُقِدت النسخة العربية من كتاب ” السياسة“ لإفلاطون التي أعدّها ابن رشد؛ ولكنّ المكتبة العربيّة استعادتها مؤخراً عبر ترجمتها من اللغة العبريّة التي كانت قد تُرجِمت إليها في حينه.

الثانية، موت اللغة الأصليّة، التي كُتِب بها النصُّ، بحيث لم يعُد بإمكاننا الاطلاع عليه إلا مُترجَماً باللغات الحيّة. وهذا هو حال الكتاب المقدّس (العهد القديم والعهد الجديد) الذي لا يعيش اليوم بلغته الأصليّة الميتة، وإنَّما بلغات الترجمة. والأمر ينطبق كذلك على فكر سقراط وإفلاطون وأرسطو الذي يحيا باللغات الأخرى وليس بلغته الأصليّة الإغريقية القديمة الميّتة.

الثالثة، صعوبةُ النصِّ الأصليِّ على الفهم، ووضوحُ ترجمتِه بلغةٍ أُخرى. وعندها يلجأ بعض الناطقين بلغة النصِّ الأصليِّ إلى قراءته في ترجمة أجنبيّة لفهمه. ومن الأمثلة التي تضرب على ذلك اضطرار بعض القراء الألمان إلى قراءة كتاب ”الفينومينولوجيا“ لا بالنصِّ الألمانيِّ الأصليِّ الذي كتبه به هيجل، وإنّما بترجمة هيبوليت الفرنسيّة، وذلك من أجل استيعابه بشكل أفضل.

وترتبط بهذه الحالة، قيام الترجمة أحياناً بإضفاء أهمّيّة أكبر على النصِّ، بحيث يتمُّ الاحتفاء به في الثقافة المتلقِّية أكثر من احتفاء أهل الثقافة الأصليّة به. ومن أمثلة هذا الباب السمعة الكبيرة التي يتمتّع بها الكاتب الأمريكيّ أدغار ألن بو في فرنسا وهي سمعة لم ينلْها في بلاده. ويعود السبب في ذلك إلى صعوبة أسلوبه باللغة الأنجليزيّة في حين أنّ ترجمته إلى الفرنسيّة تمت بريشة الشاعر الرومانسيّ الكبير شارل بودلير المعروف بلغته السلسة وأسلوبه العذب.

أثر الترجمة في الثقافتين المنقول منها والمنقول إليها:

العلاقات بين الجماعات البشريّة المختلفة إمّا أن تكون طبيعيّة يسودها التفاهم ويعمّها السلام، وهذه هي الحالة الغالبة، وإمّا أن تتأزَّم تلك العلاقات بسبب اختلاف المصالح  والمطامح  ونزعة الناس العدوانيّة، فيتأزَّم الوضع، ويحتدّ الخلاف، وتنشأ النزاعات المسلحة والحروب.

وفي كلتا الحالتَيْن تقوم الترجمةُ بدور الوسيط بين الجماعات المختلفة. ففي حالة السلم تسعى الجماعات لمعرفة الآخر ومقارنته بالذات، والإفادة مما لديه من معارف وعلوم وتقنيات، وهنا تقوم الترجمة بنقل المفاهيم  والأفكار من ثقافة إلى أخرى، كما أسلفنا.

وفي الحالة الثانية، حالة النزاع والصراع، تتصاعد الحاجةُ إلى الحوار والتفاهم من أجل التعايش بسلام. ويكون الحوار، الذي هو نقيض الحرب، وسيلة الخروج من المأزق.

والحوار بحاجة إلى الترجمة ليتمّ التواصل والتفاهم بين المتحاورين الذين هم نتاج سياقات ثقافيّة واجتماعيّة وسياسيّة مختلفة.

ولكي يكون الحوار فاعلاً ومؤثراً ومحقِّقاً للنتيجة المرجوَّة، ينبغي أن ينطلق من مسلَّمات، ويستند إلى قواعد، وتحكمه أخلاقيّات، ويتناول قضايا محدَّدة، ويستخدم وسائل معينة، ويرمي إلى أهداف معلومة.

وأولى مُسلَّمات الحوار هي أنَّ الآخرَ مختلفٌ عن الذات. وهذا يقتضي اعتماد قاعدة القبول بوجود الآخر واحترامه، والاعتراف بأنَّ الحقيقة الفكرية ليست مطلقة وإنَّما نسبية، وأنّ لا احد يمتلك الحقيقةَ كاملةً. والترجمة ذات أثر نفسيٍّ إيجابيٍّ في هذا المجال، إذ تقرّبنا من الآخر في تعبيراته المختلفة وتجليّاته المتعدِّدة، وتساعدنا على رؤية آفاق جديدة، وقيم جماليّة متباينة في عالَمنا المشترك، ما يساعدنا على قبول الآخر، واحترام الاختلاف، والاحتفاء بالتعدد.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة