تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



ظاهرة التغير الدلالي في اللغة العربية

د. حسين نجاة

  تتناول هذه الدّراسة موضوعا مهما جدّا، ألا وهو موضوع التّغير الدّلالي الذي يحتل محورًا رئيسًا في سلسلة الدّراسات التي تَقدّم بها علم الدّلالة التّاريخي، حيث كان اهتمام هذا الأخير ينحصر في التغيرات التي تطرأ على معنى المفردة، أي في تحديد التّغير الدّلالي وتصنيفه وتفسيره، فالكلمة قد تتطور دلالتها وتتغير من عصر إلى عصر ، ولذلك سنتطرق في هذا المقال إلى الأمور الآتية:

أسباب التغير الدلالي

أشكال التغير الدلالي.

مجالات التغير الدلالي.

أنواع التغير الدلالي.

اقتصر علم الدّلالة في مراحله الأولى، ولاسيما في مرحلة الرّواد، ومنهم: ميشال بريال وتابعيهم ومنهم: ماريو باي، على تتبع المراحل التّاريخية للتّغيرات التي تصيب معاني المفردات، وقد عرفت هذه المرحلة بعلم الدّلالة التّطوري أو التّاريخي، حيث شغل العلماء في هذه المرحلة بالأساس موضوع تغير المعنى، وصور هذا التّغير، وقد أجمعوا على أنّ لتغير المعنى أسباب عديدة يمكن حصرها في الأسباب اللّغوية، والتّاريخية، والاجتماعية، والثّقافية، والنّفسية، والعقلية، وقد توصلوا بعد الدّراسة إلى مجموعة من الطرق أو الأشكال للتّغير الدّلالي، وهذه الأشكال جديرة بأن ترصد حركة  الدّلالة في دورانها مع ألفاظ اللغة بمرور الزمن، أهمها: تخصيص أو تضييق الدّلالة، وتعميمها أو توسيعها، ورقيها أو انحطاطها، إلى غير ذلك.

أولا: علم الدّلالة التّاريخي (Historical –Philological Semantics)

 ويُعرف أيضًا بعلم الدّلالة الفيلولوجي، وبعلم الدّلالة فقه اللّغوي التّاريخي، وبعلم الدّلالة قبل البنوي، وهو منهج تاريخي للبحث في علم الدّلالة كان سائدًا بين عامي 1850-1930 تقريبًا، وكان اهتمامه الأساسي منصبًا على دراسة تغيّر المعنى بمرور الزمن، حيث إنّ لفظة علم الدّلالة (sementics) قد استعملت أولاً للإشارة التي تُطور المعنى وتُغيّره، والنتائج العملية لهذا النّوع من البحث تتخذ شكل تصنيفات متعددة لآليات التّغير الدّلالي، كالاستعارة، والكناية، والتّعميم  والتّخصيص.

ثانيا: مصطلح التّغير الدّلالي (Semantics Change)

 تُعد دراسة التّغير الدّلالي المحور الرئيسي للدّرس الدّلالي الحديث، وبخاصة علم الدّلالة التّاريخي، فقد كان أهم ما شغل علماء اللّغة موضوع تغيّر المعنى، وصور هذا التّغير، وأسباب حدوثه ، والعوامل التي تتدخل في حياة الألفاظ وموتها، إذ يرون أنّ دلالة المفردات هي أكثر جوانب اللّغة عُرضة للتّغير، فظهور المفردة للمرة الأولى يكون لها معنى معين، ومع مرور الزمن يتغيّر هذا المعنى نسبيًا أو كليًا، والمعروف لدى علماء اللغة أنّ الكلمة الواحدة تخضع في نشأتها وتطورها إلى عدّة عوامل، فقد يتوسع معناها أو يضيق أو يتغيّر تماما.

ثالثا: مظاهر التّغير الدّلالي

للتّغير الدّلالي مظاهر وأعراض، وقد لخصها إبراهيم أنيس في كتابه في خمس مظاهر نذكر منها :

تغيّر الدّلالة بالاتّساع(تعميم الدّلالة) :Widening

 أي تعميم الخاص، ويتم ذلك بتوسيع معنى اللّفظ ومفهومه أو نقله من معنى الخاص الدّال عليه، إلى معنى أعم وأشمل، وبه تصبح الكلمة تدل على عدد من المعاني أكثر مما كانت تدل عليه من قبل أو تدل على معنى أعم من معناها الأول، ويعني توسيع المعنى أن يصبح عدد ما تشير إليه الكلمة أكثر من السابق  ، وبمعنى آخر هو تحويل الدّلالة من معنى ضيق إلى معنى أوسع، ومن أمثلته :

-كلمة (السيارة) كانت في الماضي تعني القافلة، ولكن توسع في معناها، وأصبحت تدل الآن على وسيلة النقل المعروفة .

– كلمة (قطار) تدل عل قطار الإبل تشدّ على نسق واحد خلف واحد، وتوسع في معناها لتدل على قطار السّكة الحديديّة.

-كلمة (البأس) كانت تطبّق فقط على الحرب، ثم أصبحت تطلق على كل شدّة.

2- تغيّر الدّلالة بالتّضييق(تخصيص الدّلالة) :Narrowing

 وهو ضد التّوسيع ونعني به” تخصيص العام أو تخصيص مجال الدّلالة وتحويلها من المعنى الكلي إلى المعنى الجزئي، ويسمى أيضا بتقليص الدّلالة، والتّخصيص يعني قصر المعنى العام على بعض أفراده، وتضييق شموله، وذلك أنّ مدلول الكلمة يتغير تبعًا للحالة التي يكثر فيها استخدامها، كما أنّ دلالة الكلمة التي كانت تدل على معانٍ كلية عامة لتصبح  تدل على معنى خاص “.

وباختصار نعني بالتّخصيص، كما يقول عوض حيدر ” هو أن يضيق معنى الكلمة على مرّ الزّمان، فتتحول دلالتها من معنى كلي إلى معنى جزئي أو يقلل عدد المعاني التي تدل عليها، أي أنّ الكلمة أصبحت بالتّخصيص دالة على بعض كانت تدل عليه من قبل” ، ومن أمثلته:

– كلمة (الحج) إذْ كانت تعني القصد، فيقال: حج فلان أي قدم، وحججت فلانًا أي: قصدته، ثم استقر بها في القصد إلى مكة للنّسك، والحج إلى البيت خاصة.

-كلمة (الحرمة) بعد أن كانت تطلق على كل محرم لا يمس، ثم صارت تدل فقط على المرأة.

-كلمة (الصلاة) كانت تدل على الدّعاء، ثم أصبحت تدل في الإسلام على الأقوال والأفعال المخصوصة المفتتحة بالتّكبير، والمختتمة بالتّسليم بشرائط خاصة.

3-انحطاط المعنى (Pejorative Change)

فكثيرًا ما يصيب الدّلالة بعض الانهيار أو الضعف، فتراها تفقد شيئا من أثرها في الأذهان، أو تفقد مكانتها بين الألفاظ التي تنال من المجتمع الاحترام والتّقدير ، وقد تطرق عبد الجليل منقور لهذا المظهر فقال ” … قد تتردد الكلمة بين الرقي والانحطاط في سلم الاستعمال الاجتماعي، بل قد تصعد الكلمة الواحدة إلى القمة، وتهبط إلى الحضيض في وقت قصير” ، ومن أمثلته:

– كلمة (الحاجب) التي كان لها دلالة سامية أثناء حكم العرب بالأندلس، ثم انحطت في العصر الحديث، وأصبحت تستعمل الآن في معنى الخادم أو حارس الباب.

– وكان معنى (اليد الطويلة) السخاء والكرم كما في الحديث، ثم صارت تدل على السارق فيقال: فلان يده طويلة أي سارق.

– كلمة( بهلول) بمعنى السيّد ابتذل معناها، لتدل على من يقوم بأعمال مضحكة

4- رقي المعنى (Meliorative Change)

فكما يحصل انحطاط في بعض دلالات الألفاظ يحصل هناك رقي، ولكنه أقل حدوثا وشيوعا من الانحطاط، ويسمى هذا النوع من التطور بسمو الدلالة أو التغير المتسامي ، ومثلما عبر عنها إبراهيم أنيس” قد يسعد اللفظ فترقى دلالته، ندرة هذا في تطور الدلالات” ، ومن أمثلته:

– كلمة (رسول) التي كانت تدل على من يرسل في أي أمر كان عظم أو تفه، لكن عندما جاء الإسلام أخذت مفهومًا ساميًا، فأصبحت تدل هذه الكلمة على الشخص الذي أوحي إليه برسالة وأمر بتبليغها.

– كلمة (القماش) كانت تدل على ما يتناثر من متاع البيت أو ما على الأرض من فتات الأشياء، ثم أصبحت تدل على نوع من النّسيج المتقن الصنع.

5- انتقال المعنى : (Transference of Meaning)

وهو تحويل دلالة اللّفظ من مجال آخر على غير وجه الخصوص أو العموم، ويتم ذلك عن طريق المجاز أو الاستعارة أو الكناية، ومن الكلمات التي تغيرت دلالتها عن طريق الانتقال:

– لفظة (الشّنب) إذ كانت تعني في السابق صفاء الأسنان،  وجمال الثّغر،  ثم استعملت حديثًا بمعنى الشّارب .

– لفظة (الجمل) وانتقالها من الدّلالة الحسيّة إلى الدّلالة المجردة، إذ انتقلت من دلالتها على الإبل إلى الدّلالة على الجمال في الأشياء المتعددة.

رابعا: أسباب التغير الدلالي

تغير المعنى ظاهرة شائعة في كلّ اللّغات يلمسها كل دارس لمراحل نمو اللّغة وأطوارها التّاريخية” وهذه التّغيرات تحدث في اللّغة دائما، لأنّها نظام للتّواصل بين النّاس مرتبطة بأحوالهم وظروفهم الثقافية والاجتماعية والعقلية، وهذه الأحوال والظروف لا تسير على وتيرة واحدة ، فالأسباب هي الظروف المهيئة للتّغير، بينما الطرق هي الوسائل والخطوط التي يسلكها التّغير”.

ومن أهم أساب تطور الدلالة كما ذكرها بعض اللغويين:

ظهور الحاجة إلى تسميات جديدة :

من أهم العوامل التي تؤدي إلى تطور الدّلالة هو الحاجة إلى تسميات جديدة تعبر عن المعاني ” وتظهر الحاجة حينما يملك المجتمع اللّغوي فكرة أو شيئا يريد التّكلم عنه مما يقتضي تمثيله بمفردات تتضمن مجموعة من الأصوات، وقد يكون هذا التّمثيل عن طريق الاقتراض من لغة إلى لغة أخرى، فحين يحدث ذلك فإنّ المعنى غالبا ما يتغير بوجه من الوجوه، إما بتوسيعه أو تضييقه أو نقله كليا لغير ما وضع له اللّفظ في اللّغة المقترضمنها”.

وهذا النّوع من التّطور يتم عادة  على” أيدي الموهوبين من أصحاب المهارة في الكلام كالشعراء والأدباء ، كما قد تقوم به المجامع اللغوية أو الهيئات العلمية حين تعوز الحاجة إليه والسبيل إليه  هو ما يسمى بالمجاز أو الانتقال باللفظ من مجاله المألوف إلى آخر جديد عليه، وحاجة الأديب إلى توضيح الدلالة أو تقويه أثرها في الذهن هي التي تحمله على الالتجاء إلى المجاز وعلى قدر إحسانه في تخيرالمجال الجديد للفظ تكون مهارته وجودة فنه “.وبالتّالي نفهم من هذا أنّ هؤلاء الموهوبين المتمثلين في الأدباء والشعراء لهم دور بارز في توجيه دلالة الألفاظ . 

-الأسباب الاجتماعية والثقافية:

يعدّ العامل الاجتماعي والثقافي أحد أسباب تغير المعنى حيث” تمر المجتمعات بكثير من التّحولات الثقافية والسياسية والاقتصادية، فتؤثر هذه التّحولات في طرق استعمالها للكلمات، وهو ما يؤدي غالبا إلى ظهور تغيرات دلالية واضحة تناسب السياق الثقافي والاجتماعي الجديد “.           

فاللغة وثيقة الصلة بالمجتمع “حيث أن كل تطور في حياة الأمة يترك أثرا قويا واضحا في لغتها” .

-الأسباب النّفسية :

مما لا شك فيه أن الألفاظ لها أثر نفسي في الإنسان، ولولا ذاك لما قلنا : صوت دافئ، كلام حار  قفأ مرارتي، حرق قلبي، وهكذا كثيرا ما نصوغ عباراتنا محملة بانفعالاتنا، ومعبرة عن حالتنا النّفسية،  وهذا يشكل ملمحا من ملامح التطور الدلالي يتصل بالأسباب النفسية ما يسمى ب (اللامساس أو التلطف في التعبير ) ، ويعني الابتعاد عن الكلمات ذات الإيحاءات المكروهة أو الحادة، واستبدالها بكلمات أكثر قبولا وحشمة، فالألفاظ المتصلة بالقذارة أو المرتبطة بالغريزة الجنسية تغلف بتوريات تخفف من الحرج فيها، ومكان قضاء الحاجة يسمونه الخلاء أو الحمام، والجماع يعبر عنه بالنكاح، والمتوفى يسمونه المرحوم، الراحل، والفقيد، وهكذا كان عند علمائنا القدامى من أصول الفصاحة والكناية في الموضع الذي لا يحسن فيه التصريح.

العامل اللغوي :

قد يرجع تغير المعنى إلى أسباب لغوية ” لأنّه قد يحدث في صلب اللغة فجوات معجمية لا تجد معها اللّفظ الذي يعبر عن الدّلالة الجديدة، فيلجأ اللّغويون إلى سدّها عن طريق الاقتراض اللّغوي أو الاشتقاق، وقد يتجه المجتمع اللغوي نحو المجاز، فيتم ابتداع دلالة جديدة أو يحصل تنقل الدّلالة من حقل دلالي إلى آخر”. فالانتقال المجازي  يعد من أهم الأسباب اللغوية، حيث يقوم بابتداعه متخصصون كالأدباء والشعراء، لأنه يحدث  بهدف” سد فجوة معجمية … وقد يحدث بمرور الوقت أن يشيع الاستعمال المجازي فيصبح للفظ معنيان، وقد يشيع المعنى المجازي على حساب المعنى الحقيقي ويقضي عليه”.      

. -الاستعمال

 إن استعمال اللفظ في غير ما وضع له أحد الأسباب التي تؤدي إلى نقل الألفاظ من معناها إلى معنى آخر، فقد يسمع مثلا شخصا ما لفظا، ولكن يسيء فهمه أو ربما تكون دلالته غير واضحة فيستخدمه في معنى مغاير لا يمت إلى معناه الأصلي

 خامسا: مجالات التغير الدلالي

هناك ثلاثة مجالات للتغير الدلالي وهي :

المجال الأساسي الذي يمثل الأصل الحسي للدلالة

والمجال الثاني : الذي يشهد التغير بين المحسوسات عن طريق التخصيص والتعميم والانتقال،

والمجال الأخير:  وهو المجال المعنوي .

فالبحث في المجال الأول: يكون في الأصل الحسي، والذي يتمثل في أقدم معاني الكلمات التي عايشها أهل اللغة، ” وهذه  الدلالة هي دلالة عرفية حقيقية لا تحتاج إلى قرائن بل تستغني في الدلالة على المراد منها بنفسها عن سائر ما نحتاجه ضروب الدلالات المجازية من علاقات” .

والمقصود هنا هو المعنى الذي يجري به الاستعمال، أي قبل ن يشهد شيئا من التغير في أي اتجاه مثل: كلمة تقليد، وترجع إلى ” مادة قلد فأصل هذه  الكلمة كما ذكره اللغويون هو قَلْدُ الحبل أي فتله قوة على قوة، ومنه القلادة التي تقلد بمعنى تُفتل من خيط أو فضة “.

 أما المجال الثاني : فهو مجال التطور في المحسوسات، ويكون من خلال  هذا المجال خروج اللغة من السكون والاستقرار النسبي إلى الحركة،  والتغير بفعل ما يجري في المجتمع من تطورات تنعكس على اللغة.، مثال ذلك:قلد الماء واللبن أي: جمعها وضمها.

وفي المجال الثالث: تجد فيه اتجاهات نحو المعاني الذهنية المجردة، وذلك يرجع لرقي العقل الإنساني وتطور الخبرة لديه، ويمثل هذا الاتجاه أي الانتقال من المعاني الحسية إلى المعاني المجردة الاتجاه الظاهري في تغير الدلالة مثل: القلادة وهي كما سبق وأن ذكرنا في المجال الأول فرع من الأصل، فقد اتجه إلى معاني ذهنية اعتمادا على المشابهة بين تقلد القلادة، أي وضعها في العنق من جهة ومن جهة أخرى إتباع الإنسان فيما يفعل أو يقول من جهة أخرى، وبذلك ظهر المعنى الذهني المتمثل في التقليد، وهو “قبول القول من غير دليل”.

وبهذا فإننا نخلص إلى النتائج الآتية:

1-أن التغير الدلالي يعد مؤشرا على حيوية اللغة.

2-أن تطور الدلالة ظاهرة شائعة في كل اللغات يلمسها كل دارس لمراحل نمو اللغة،  وأطوارها التاريخية.

3- أن ألفاظ اللغة تتغير معانيها تبعا للأزمان، ووفقا لحاجة الناس إلى معاني جديدة.

4- أن من مظاهر التغير الدلالي: تعميم الدلالة، وتضييق الدلالة، انحطاط الدلالة، توسيع الدلالة، وانتقال الدلالة.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة