تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



تطور أساليب الترجمة في عصر العولمة

بقلم : د/ بابكر علي ديومة

لم تعد الترجمة في عصر العولمة ذلك النشاط التقليدي الذي يعتمد على القواميس، ودوائر المعارف، وما إلى ذلك من مُعِينات؛ وإنما تطورت أساليبها، شأنها في ذلك شأن الكثير من المِهن والأنشطة التي تأثرت أيما تأثير بثورة المعلوماتية. ويرجع تغير شكل الترجمة في معتقدنا لعاملين اثنين: أولهما العزوف المطرد للقراء عما هو مكتوب، وميلهم المتنامي للمرئي. وإذا كان المثل الشائع يقول: (ليس من رأى، كمن سمع، فأغلب الظن أن ذلك ينطبق على الترجمة من حيث أن (ليس من رأى، كمن قرأ). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فقد أخذ الناس يفضلون مشاهدة الأفلام الوثائقية التي تنقلهم لشتى أرجاء المعمورة، وتُطلعهم على أدق تفاصيل حياة الآخرين، ومعالم حضارتهم، ومُكونات ثقافتهم، وهم في عقر دورهم لا يغادرونها قيد أُنملة.

ثم لأن المُشاهدة سهلة هينة، إذا ما قيست بالقراءة. فهي أكثر متعة، وأشد رسوخاً في الذاكرة من سطور قد يطوها النسيان حال الفراغ من قراءتها. ظهر، إذاً، ضرب جديد من ضروب الترجمة أكثر انتشاراً، وأشد تأثيراً يُمكن أن نطلق عليه (ترجمة الصورة)، إن جاز لنا التعبير. آثار جمة ترتبت على هذا التطور النوعي، إذ أصبحت الثقافة اليوم في متناول يد الجميع، ولم تعد حِكراً على طائفة المثقفين، أو أولئك الذين يتحدثون اللغات الأجنبية. إذ أصبح بمقدور الشخص البسيط الآن، ومهما بلغت ضحالة ثقافته، أصبح باستطاعته مشاهدة والاطلاع على الأسرار الكامنة تحت حِجارة أهرامات الجيزة، معرفة تاريخ حدائق بابل المعلقة، وفلسفة النضال السلمي للمهاتما غاندي، وأسباب اندلاع الحروب الكونية، والمآسي التي ترتبت عليها. وباختصار، فإن العولمة وما صاحبها من قنوات تواصل اجتماعي، نقلت الثقافة من الدوائر المُغلقة، وجعلتها في مُتناول يد العامة. تلك ولاريب إحدى محاسن التطور الذي جعل من العالم قرية صغيرة، كما يحلو القول للبعض. ولئن كان للعولمة وثورة الاتصالات جوانبها الايجابية في مجال التواصل الثقافي؛ فإنها لا تخلو، بطبيعة الحال، من عدة جوانب سلبية لعل من أهمها تشكيك المجتمعات، وبخاصة مجتمعات العالم الثالث، في إرثها وتقاليدها. لم تكن تلك المجتمعات تطرح الكثير من الأسئلة في الماضي بسبب أنها لم تعرف سوى الأنموذج الأوحد لعالمها المحدود الذي ورثته أباً عن جد، أما اليوم، فقد أخذت تُقارن بين حالها، وحال الآخرين، بين ما تمتلك، وما يمتلكه الغير. ولأن المرء يسعى دوماً للأفضل، فغالِباً ما تقود تلك المقارنات إلى حالات تفكك وتململ، بل قد يصل الأمر لدرجة التمرد، ليس فقط في مُكونات المجتمع الواحد، وإنما حتى في إطار الأسرة الواحدة. والواقع أن تلك المقارنات لا تؤدي دوماً للتنافس الشريف الذي يهدف للارتقاء لمصاف الآخر بالتصميم والعمل الجاد، وإنما تتسم في جل الأحيان بالحسد والعداء والكيد، وما يصاحبها من قلاقِل داخلية، ونزاعات إقليمية، بل وحتى صِدامات دولية. ولا يقتصر أثر تلك المقارنات على مجال الأفكار والقِيم الحضارية والأُطر الثقافية فحسب، وإنما يتعداه لأخص خصائص الإنسان في المأكل والمشرب والمسكن والملبس، وحتى في كيفية تصفيف الشعر! ولأن الاستهلاك هو السِمة المميزة للحضارة الغربية؛ فإن عدواه وانعكاساته ما لبثت أن انتقلت للشعوب المُستهدفة. نتج عن ذلك اختلال في الموازين الاقتصادية، وجشع، وتكالب على الموارد المحدودة، وما يستتبع ذلك من صراعات فئوية، وفساد، ومحاولات لا تنتهي من البعض بقصد الثراء السريع والمشبوه. إضافة لتخريب البيئة بمخلفات منتجات، بعضها تالف وجلها غير ضروري، تُغرِق بها مجتمعات الغرب الاستهلاكية أسواق العالم الثالث. ولعل ذلك ما يُفسِر لنا جزئياً أسباب الهجرات غير المبررة في الكثير من الأحايين التي يقوم بها سكان الريف للمدن تاركين حِرفهم الرئيسة المنتجة، لاهثين وراء سراب الحضر بعد أن صورته لهم وسائل البث المرئية على أنه جنة الله في الأرض.

 ومثلما تتميز الترجمة التقليدية بعدم البراءة كما سبقت الإشارة؛ فإن رصيفتها الحديثة، أي ترجمة الصورة، لا تتسم بالنزاهة هي الأخرى، بل أنها لأشد شراسة من سابقتها، سيما فيما يتعلق بمخاطبة النشء. فقد فطنت العولمة إلى أن هؤلاء الأخيرين هم التربة الخصبة التي ينبغي التعويل عليها في نشر مبادى الحداثة، وغرس تعاليم حضارة وثقافة الغرب في وسط مجتمعاتهم التي غالباً ما توصف بـ (المُتخلفة) عن ركب الحضارة.

 تعتمد ثقافة العولمة أولاً على التراجم المُصاحِبة للإنتاج السينمائي من أفلام مدبلجة وأفلام للأطفال في نشر رسالتها التي تهدف لتغريب مُشاهدي الثقافات المُستهدفة عن واقعهم وحضارتهم. تلعب تلك التراجم دور المُخدِر الذي يسري في الشرايين، ويفعل فعله بتؤدة وتأن، دون أن يفطن له المُشاهد. أضف إلى ذلك المضامين التي تشتمل عليها تلك الأفلام والأعمال الدرامية التي يظهر فيها البطل الغربي، إن لم نقل الأبيض، مُجسِداً للرأفة والرحمة والوقوف بجانب الحق. إنه دوماً نصير الضعفاء، والمُدافِع عن حقوق البشر.

ففي الأعمال التي تصور القسوة التي تتعرض لها بعض شعوب العالم الثالث على أيدي بني جلدتها، والفظائع التي تُرتكب بحقهم، يكون الأبيض هو المنقذ لمن يتعرض للتعذيب والتقتيل. وينسى مُخرج العمل الدرامي، بل يتناسى عن عمد في واقع الأمر، أن السلاح الذي يُعذِب ويقتل، إنما هو إنتاج خالص لثقافة مجتمعه! حتى أفلام ” توم وجيري”، سيما تلك التي تُنتجها الثقافة المُهيمنة، والتي يغرم صِغار السن بمشاهدتها، ليست بريئة هي الأخرى لمن يتأملها عن كثب، ويحلل أهدافها ومضامينها الفكرية. إذ يتحلى فيها كل من القط والفأر بالخِدعة والمُراوغة ومفاهيم بعينها تود ثقافة العولمة غرسها في مخيلة الصِغار.

 تعمل المجتمعات التي تتعرض للغزو الثقافي ما في وسعها لصد الهجمة الشرسة التي تتعرض لها ثقافاتها من جِهة، ونقل موروثها الحضاري للغرب من جِهة أخرى. هنا أيضاً لا يتم اختيار الأعمال التي تُترجم عشوائياً، وإنما تُختار تلك التي تدل على امتلاك شعوبها لثقافة أصيلة، وعقائد راسخة، وطول باع في الإبداع. وقد تذهب أبعد من ذلك، فتفتخر بفضل ما قدمته للغرب من عطاء ساهم في تقدمه وتفوقه في شتى فنون المعرفة. بيد أنها، أي ثقافات العالم الثالث، غالباً ما تتخذ موقف المُدافِع أمام ما يستهدِفها من غزو ثقافي. ذلك أنه لا تتوفر لديها الإمكانات المادية، ولا القدرات الإعلامية اللازمة التي تتيح لها مقارعة هجمة الثقافات الوافدة. كما أنه ليس بوسعها إغلاق الفضاءات التي تبث أفكار الثقافة المُغايرة. بيد أن شُح الإمكانات ينبغي ألا يحمل أصحاب الثقافات المُستهدفة للوقوف موقف المُتفرج. ينبغي عليهم، بدءاً، عدم الادعاء بصلاحية وملاءمة كل ما تحمله ثقافاتهم، ورداءة وغرابة كل ما تطرحه ثقافات الآخرين. لذا، يتوجب عليهم العمل على التمحيص فيما يردهم من خارج الحدود، وأن يأخذوا بالصالح منه، مع العمل على تقوية مناهجهم الدراسية، وبرامج توعيتهم الاجتماعية لرفض الطالح، والتفنيد العلمي المُقنع لمثالب ما لا يتفق مع توجهاتهم الحضارية. ذلك أن الحفاظ على الأصالة، والتشبث بالقيم الحضارية، لا يتم بالمكابرة والعِناد، ولا بالقوانين والتشريعات؛ وإنما باقتناع أفرد المجتمع بما يلائمهم، ويتوافق مع متطلبات عصرهم.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة