تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



من أدوات عمل المترجم

بقلم : د/ بابكر علي ديومة

لكل صاحب مهنة، أو حرفة أدوات يستعين بها. فللطبيب مبضعه، وللنحات إزميله، وللفلاح معوله. كذلك الحال بالنسبة للمترجم الذي يتوجب عليه امتلاك وسائل تُهيء له القيام بمهمته. ولئن كانت معينات أصحاب المهن والحرف الأخرى تتطور بتدرج وبطء وفقاً لتقدم التقنية وتراكم الخبرات البشرية، فإن مهنة الترجمة تستلزم التطور المستمر، ومسايرة الزمن للأخذ بالجديد في كافة المجالات. ذلك أن المصطلح يُعتبر المفتاح الرئيس لجميع مناشط الحياة، المهنية منها والعقلية. ولا يخفى أن المصطلحات تتدافع اليوم بكثرة مهولة بفعل التقدم التقني الذي يشده عصرنا، وبسبب العولمة التي جعلت من الكون مكاناً مترابِطاً، وحتمت عليه التفاعل والمشاركة فيما ابتدعه التطور من تقنيات.

ليس بوسعنا الادعاء بأن هذا البحث سيتطرق لمُجمل الطرائق التي يتوجب على المترجم إتباعها في سبيل تجويد أدائه، فقد كُتبت المجلدات وسال الكثير من الحبر في هذا المجال، دون أن يصل الباحثون للقول الفصل في تحديد كافة معينات مهنة الترجمة. لذا، فإن كل ما نصبو إليه لهو إلقاء دلونا بين الدلاء، والمساهمة المتواضعة في هذا المجال انطلاقاً من خبرتنا كأستاذ للترجمة من ناحية، وكممارس لهذا النشاط من ناحية أخرى. خبرة وممارسة نأمل أن تكونا عوناً لنا في الابتعاد، قدر الإمكان، عن تكرار ما ورد في الكثير من الأعمال التي تُنظِر لمادة الترجمة. سنحاول، إذن، تناول معضلات قد يصادفها المترجم، قبل العكوف على اقتراح ما نراه من حلول مناسبة للتغلب عليها.

يشتمل هذا البحث على جزأين: يتعلق أولهما بتأطير العلاقة بين المترجم والنص موضوع الترجمة، أو بالأحرى العلاقة بين المترجم وكاتب النص. إذ أن جملة من الأسئلة تُطرح في هذا المجال: ماهي حدود الحرية المُتاحة للمترجم؟ وما هي الأسباب التي قد تضطره أحياناً للتدخل وتعديل بعض ما ورد في ثنايا النص؟ ثم هل يُعتبر الكاتب دائماً على صواب؟ وما هي النتائج المترتبة على تغاضي المترجم عن تلافي بعض الأخطاء والهفوات التي قد يرتكبها الكاتب عن عمد، أو عن طريق السهو؟ وعلى من ستقع تبعات مثل تلك الأخطاء أمام قراء الترجمة: هل سيُلام عليها الكاتب، أم يتحمل مسئوليتها المترجم؟

أما الجزء الثاني، فسيتناول أدوات عمل المترجم: أهي الأدوات التقليدية مثل القواميس ودوائر المعارف والمصطلحات؟ هل هي المُعينات الحديثة التي وفرتها الثورة المعلوماتية كالشبكة العنكبوتية وما إليها؟ أم هل تراه يمتلك وسائل أخرى تعاونه في حل المشكلات والتغلب على المُعضلات التي قد تعترض سبيله؟ ذلك ما سنسعى للإجابة عليه.

مأزق المترجم:

حرصاً منها على احترام ما ورد في النص، ولربما لعدم الثقة الكافية بقدراتها، أو للتهرب من تحمل المسئولية، تسعى فئة من المشتغلين بالترجمة للاحتفاظ ببعد ما عما تترجم، مع شعور بالتمزق لا يفتأ يلازمها. يتأتى هذا التمزق من حيث أنها تجد نفسها مضطرة لنقل مادة النص بصدق وأمانة، ودون زيادة أو نقصان من ناحية، والعمل في ذات الوقت على أن تكون تلك المادة مُقنعة لقراء تراجمها من ناحية أخرى، الأمر الذي يحتم عليها أحياناً إضافة معطيات لا توجد في النص أصلاً، وهو ما يخرق العقد الذي يحكم العلاقة بينها وبين الكاتب. والأسئلة التي لا مناص من طرحها هنا: هل يحق للمترجم تقييم عمل الكاتب سلباً، أو إيجابا؟ وهل يجوز له التدخل لتغيير ما ورد في النص؟ في الإجابة على ذلك نقول بداية أن هنالك نوعين من النصوص: الأدبية، والتطبيقية العامة. فالنص الأدبي ملكية خاصة لصاحبه إن جاز لنا القول، ولا ينبغي لمن ينقله إلى لسان آخر التصرف فيه شكلاً، أو مضموناً بحال من الأحوال. ذلك أن الكاتب يختار الشكل الكفيل بنقل الرسالة الظاهرية التي يرغب في ذيوعها، كما أنه يمعن في اختيار المفردات وفقاً لمدلولاتها ومعانيها الخفية لنقل رسالته الحقيقية. فالشكل والمضمون في العمل الأدبي عنصران لا يُمكن فصلها لأنهما يمثلان رؤية الكاتب ذاتها، نوعية الجمهور الذي يخاطبه، وكيفية الخطاب وفقاً للظرف الذي شهد ميلاد العمل الأدبي من حيث توفر حرية التعبير، أو شدة الرقابة وحجر الرأي.

بيد أن تمزق المترجم يظهر عند مُقاربته المجالات غير الأدبية التي تهدف لإيصال رسالة محددة لقارئ الترجمة مثل ترجمة النصوص التقنية، وشرح كيفية استخدام الوسائط الالكترونية والأدوات الكهربائية، أو محاولة تلخيص المراجع العلمية في مختلف فنون المعرفة. وقد يقول قائل إن بوسع المترجم الاعتماد على المصطلحات المُعدة سلفاً لمثل تلك التراجم. غير أن المستفيد من الترجمة لا يرى الأمر بذات المنظور؛ ذلك لأنه ينتظر نتيجة فورية وملموسة عقب تتبعه للخطوات التي تشير بها الترجمة. نضرب مثالاً لذلك بشخص يطلع على الإرشادات المصاحبة لجهاز الحاسوب. إذ يتوقع القارئ أن يبدأ عمل جهازه فور الفراغ من إتباع الإرشادات الواردة في الكُتيب المصاحب. هنا يتوجب على المترجم أن يكون واضحاً في شرحه، مُبسطاً في الخطوات التي ينبغي على المستهلك القيام بها، وألا يلجأ إلى الترجمة الحرفية التي يزوده بها صاحب المُنتج، والتي قد تكون غامضة أحيانا ومليئة بالحشو. وقد يصف النص جهازاً، او آلة لا تتوفر في محيط قارئ الترجمة. هنا تكمن المشكلة. فإن اكتفى المترجم بالبقاء على مستوى التركيبة اللغوية للنص , فسيتمخض عمله عن شرح تقني لا يفيد من يود استخدام ذلك الجهاز، أو تلكم الآلة في شيء. هنا بإمكان المترجم تحوير الشرح وتغييره وربطه بجهاز، أو آلة شبيهة قد تتوفر في بيئة المُستخدم. ومن المعلوم أن الكُتيبات المصاحبة للأجهزة الالكترونية والآليات المتطورة لا تعبأ كثيراً بإعطاء رسومات تشرح طُرق الاستعمال، ذلك لأنها تعرض منتجاتها في الغالب الأعم لمجتمعات تتعامل مع التقنية بشكل يومي. وعلى المترجم أن يضع في ذهنه أن مثل تلك المنتجات قد تذهب لأناس تقل لديهم الثقافة التقنية. هنا يتوجب أن يقوم المترجم نفسه، أو أن يطلب عون المختصين، للقيام برسم شكل كروكي يساعد تلك الفئة في التعامل مع المُنتج. خُلاصة القول أن القارئ يتوقع نتيجة ملموسة، وليس تعابير مُبهمة. هنا يتحول المترجم إلى مهندس رسم كروكي، أو رسام في سبيل إيصال رسالته.

نواصل الإجابة على تساؤلنا السابق: لمن ينبغي أن يكون ولاء المترجم: للكاتب، أم لقارئ الترجمة؟ فنظرية كنظرية المعنى ترفع شعار ” عدم غباء القارئ”، الأمر الذي ينطبق بدوره على المترجم كقارئ أول. إذ يتوجب عليه عدم شرح أشياء يعلم أن القارئ العادي لا بد وأن يكون مُلماً بها. فمثلاً إذا تعرض كاتب ما، وقال ” العاصمة السعودية”، لا يستدعي ذلك أن يضيف المترجم، ولو بين قوسين، كلمة ” الرياض”، ففي ذلك استفزاز للقارئ، واتهام له بالجهل.

لو وجد القارئ خطاْ واضحاً في النص المُترجم؛ فإنه ينسى الكاتب ويُنحي باللائمة على المترجم الذي سيوصف بالتقصير والإهمال، أو حتى بعدم التأهيل الكافي. هنا يبرز سؤال آخر: هل من حق المترجم التدخل لتصحيح خطأ ورد في النص؟ في إجابتنا على ذلك نقول: للمترجم مهمتان، أولاهما أنه قارئ يتوجب عليه وقبل كل شيء فهم ما يقرأ. فأن اكتشف أن عدم الفهم يعود اليه هو لنقص في التأهيل، يتوجب عليه العمل على تجويد معرفته. ذلك أنه لا بدٌ للمترجم من فهم ما يقوم بترجمته؛ لأن عدم الفهم ينسف عملية الترجمة برمتها. من أدوات عمل المترجم، إذن، أن يكون مُطلعاً، ذا عين ثاقبة ونظرة فاحصة.

أما ثاني المهمتين، فتتمثل في أنه، أي المترجم، وعقب أدائه لدور القارئ بإتقان، عليه تمثيل دور الكاتب. إذ يكتب هذا الأخير لجمهرة قراء مجهولين، ومن بينهم المترجم الذي يلعب دور الوسيط بين الكاتب وبقية قرائه. ولكيلا يتعرض المترجم لانتقادات بقية القراء، ولتمكين هؤلاء من أن يصبحوا بدورهم قراء جيدين، ينبغي عليه إصلاح الأخطاء التي قد يرتكبها الكاتب. ذلك أن التواطؤ مع الكاتب، والتغاضي عن أخطائه، تدل على عزوف المترجم عن وسائل البحث، وعدم اكتراثه بالدقة والتمحيص بغرض إظهار المرامي الحقيقية للنص.

هنالك عُدة حالات لمثل هذه الأخطاء:

أولاً: أن يخطيْ الكاتب في التاريخ، أو المواقع الجغرافية المعروفة، كأن يقول مثلاً: اندلعت الحرب الكونية الأولى في القرن الثامن عشر، أو أن دولة بورما تقع في أمريكا الجنوبية. هنا يلزم المترجم إصلاح الخطأ فوراً، ودون أدنى تردد. ذلك يستلزم ان يكون المترجم نفسه مُلماً بالتاريخ وبالجغرافيا. فالمعرفة الجيوـــ سياسية من أهم أدوات عمله.

عليه كذلك استخدام ثقافته العامة وذكاءه اللماح في معرفة عما إذا كان الكاتب قد أخطأ سهواً، أم أنه يعرف الحقيقة، بيد أنه يتعمد الخطأ من أجل إرسال رسالة ما.

ثانياً: أن يكون قول الكاتب مُقنعاً لقرائه الذين يشاركهم اللغة والإرث الحضاري والحياتي، لكن يبدو القول مُبالغاً فيه إن تمت ترجمته للغة أخرى. مثال ذلك الأساطير التي قد تكون شائعة في مجتمع ما، دون أن تستند على أية مصداقية، وقد لا تتقبلها أذهان قراء اللغة المُترجم إليها.

ثالثاً: أن يتعلق الأمر بمواضيع اقتصادية، أو اجتماعية تمً تناولها في أزمان سالفة، وتتم ترجمتها في الوقت الراهن. ولعل أدب الرحلات يعطينا أصدق مثال في هذا المضمار. دعونا نذكر مثالين من ذلك. فقد وصف العياشي، وهو رحالة جزائري، وصف الحياة في المدينة المنورة في رحلة قام بها إليها في العام اثنين وسبعين بعد الألف من الهجرة النبوية. تقول إحدى فقرات مُذكراته: ” حتى إذا كان النصف الثاني من صفر من عام اثنين وسبعين بعد الألف للهجرة، وصل الوفد العراقي بعد أن قضى خمسة وأربعين يوماً بين مكة المكرمة والمدينة المنورة. وكانت المكوس، أي الضرائب، ما أبطأ سيرهم والعلة في أمراء الحجاز أنهم كانوا المُدافِعين عن الحرم وزواره. وإلا لخطفتهم ذئاب الأعراب. وحماية البيت إنما تستلزم العسكر. ووجود هؤلاء يتطلب المال… وإنما بقي الوفد العراقي لما يربو على الأسبوعين بمكة لمطالبة أفراده بدفع ستة عشر دينار ذهبا… وعندما وصل ركبهم إلى بدر، حبسهم أميرها ثمانية أيام أخرى حتى قاموا بدفع ثمانية دنانير ذهباً أيضا”.

يُلاحظ هنا أن الكاتب استخدم عُملة بلاده، دينار الذهب. لكن إذا تُرجم هذا النص لأية لغة أجنبية، لما استوعب القارئ القيمة الحقيقية التي دفعها هؤلاء الحجيج. ففي هذه الحالة يتوجب على المترجم الرجوع لدليل قيمة العملات وقت كتابة النص، ومحاولة إيجاد قيمة الدينار الذهبي وقتذاك، وما يعادله اليوم بعملة القراء المُستهدفين بالترجمة. ولا يمكن بالطبع مطالبته بإيجاد مقابل العملة بكل عملات الكون، وإنما باختيار عملة واحدة، كالدولار الأمريكي الذي يُعتبر عملة قياس لكل العملات حتى إشعار آخر، وأن يترك للقارئ مهمة القيام بعملية حسابية يستطيع بموجبها معرفة مقدار ما دفعه أفراد هذا الوفد بعملة بلاده. هنا يتحول المترجم إلى باحث اقتصادي يُنقب في الأرشيف ويعمل على تحديد قيمة العملات. ذلك من أدوات عمله أيضا.

وما يُقال عن مذكرات العياشي إذا ما ترجمت للغة أجنبية، يُمكن أن يُقال عما ذكره الرحالة البريطاني شارل (م) داوتي في الجزء الأول من مؤلفه “أسفار في الصحارى العربية”، الصادر عن دار جوناثان كيب في العام إحدى وعشرين وتسعمائة بعد الألف للميلاد، والذي جاء فيه في الصفحة 663: ” ذُبح بعير أو حيوان صغير آخر وقُدِم الشواء لأوائل الضيوف…وعندما يكون الأمير غائبا، لا يأتي البدو إلى حائل. لذا لم أك أرى ضيوفاً إبان غيابه. وتوصلت من حساباتي أن مُنصرفات بيت ضيافة الأمير تصل إلى حوالي 1500 جنيهاً إسترلينياً في العام”.

هنا يتوجب على المترجم الرجوع لأرشيف عُملات تلك الفترة وتسمية العملة التي كانت سائدة في إمارة حائل يومها، وماهي قيمتها الشرائية آنذاك، وكم كانت تُعادل مقارنة بالجنيه الإسترليني يومها، وكم تساوي مُقارنة به في يومنا هذا، وما الذي يمكنها شراءه اليوم بالريال السعودي.

وقد يقول قائل: لمً نُحمل المترجم كل هذا العناء، ونضطره للبحث في أرشيف العملات؟ أولا يمكن أن يكتفي قارئ ترجمة اللغة الأجنبية بلفظ ” دينار ذهب”، وقارئ ترجمة اللغة العربية بلفظة ” الجنيه الإسترليني” ؟ نقول إن القارئين عكفا على قراءة النص المُترجم لكي يعلما أدق تفاصيل ما ورد فيه. فإن اكتفى المترجم بالاختباء في عباءة الكاتب، وإن لم يقم بالبحث المعمق والجُهد المطلوب لتمليكهما الصورة الصحيحة، فستكون المعلومة التي يحصلان عليها ناقصة مبتورة، وفي ذلك حيف وظلم كبيران يقعان عليهما. يشبه المترجم هنا عالم الآثار الذي لا يكتفي بعرض المظاهر الخارجية للأثر والتي يُمكن أن يتأملها كائن من كان، وإنما يجتهد في العمل على تحديد عمره، وخصائصه الخفية التي قد لا يراها المشاهِد العادي، بل يذهب أبعد من ذلك فيسعى لحل طلاسمه انطلاقاً من مجرد رسومات منقوشة على جدرانه. وما حجر رشيد الذي فك طلاسم الحضارة الفرعونية ببعيد عن الأذهان. أو مثل ذلك الذي اجتهد ونقب وبحث حتى توصل إلى مقدار الثروة الحقيقية لقارون التي تُضرب بها الأمثال.

من أدواته أيضاً التحليل المنطقي. نأخذ مثالاً لذلك بجملة وردت في مذكرات كاتب قام برحلة لأعالي النيل الأزرق عند منابعه في الهضبة الأثيوبية. سحرته المناظر الخلابة من مياه تُعانق قمم الجبال قبل أن تتدفق صافية رقراقة وهي تنثر ذراتها على أوراق النباتات زاهية الاخضرار. وتكتمل الروعة بوجود الوجه الحسن في ذات المكان. هاجت مشاعره، فعبر عما شاهد بالقول: ” هذه بلاد موبوءة بالجمال”.

ومعلوم أن المرض وحده يُمكن وصفه بالوباء. فإن أصر المترجم على احترام ما ورد في النص الأصلي، فلا ريب أنه سيقدم لقارئ الترجمة النقيض تماماً لما أراده الكاتب. فالتحليل المنطقي للنص، والتمعن في ألفاظ على شاكلة: ” مياه صافية رقراقة”، ” نباتات زاهية الاخضرار”، ” الوجه الحسن”، لا بدً أن تقوده للترجمة المطلوبة للفظة ” وباء”، والتي لا تعني سوى الروعة والجمال.

وعلى الرغم من أن الشروحات الموضوعة على الهوامش، أو في أسفل الصفحة التي توضع فيها مثل تلك المعطيات ربما أعاقت القاري أحياناً، وقطعت عليه تسلسل أفكاره، بيد أنها ضرورية بسبب أنها تُملكه كل المعطيات المتوفرة في النص الأصلي، وذلك ما يرمي إليه الكاتب على وجه التحديد.

لاريب في أن المُعينات التقليدية مثل دائرة المعلومات، والقواميس العامة والمتخصصة، والمرجع العلمية، وبنوك المصطلحات، والمُعينات الحديثة كالشبكة العنكبوتية ذات عون كبير للمترجم في التغلب على بعض الصعاب التي قد تعترضه، بيد أنه لا يُمكن الاعتماد عليها كلياً، لذا ينبغي استنباط وسائل عمل خاصة. فمهنة الترجمة ترتكز على نوعين من المعرفة: أولهما معرفة لغوية، تدعمها وتساندها ثقافة عامة عريضة، ثم تراكم للخبرة. وإذا كنا قد طلبنا من المترجم أن يكون باحثاً مُجِداً في مجالات الاقتصاد والهندسة، وإن طلبنا منه أن يولي اهتماماً خاصاً لتحليل النص الذي يعكف على ترجمته، فالأهم من ذلك كله أن يُبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع كل صاحب حرفة أو مهنة. إذ لا يُعقل، وليس من المنطقي أن يُطلب من شخص واحد الإلمام بكل ضروب المعرفة. وبما أن النص قد يحتوي على جوانب متعددة من المعطيات، وبما أن المترجم يتوجب عليه فهمها قبل العكوف على نقلها للغة الهدف، يكون ذوو التخصصات الأخرى سبيله الوحيد للفهم. وليس عيباً، أو منقصة أن يلجأ المترجم للغير بغرض استيضاح ما أشكل عليه، إذ لا يوجد علم يكتفي بذاته، ولا عالِم يستغني عن استشارة الآخرين.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة