تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



التــرجمة ودورهــا في تعزيز التواصل الثقافي

بقلم: د/  بابكر علي ديومة

 إن دور الترجمة في نقل ثقافة ومعارف أمة ما لأخرى ليس بالأمر الحديث، وإنما هي مسألة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. فإذا ما تمعنا في دراسة الحضارة العربية، على سبيل المثال، نجد أنها أثرت وتأثرت بحضارات شعوب كالفرس والروم واليونان والحبشة، وغيرها. بدأ التلاقح بين الحضارة العربية وتلك الحضارات حتى قبل بداية الدعوة المحمدية، وذلك عن طريق التجارة والأسفار والحروب والتحالفات السياسية بين بعض القبائل العربية المتناحرة، وبين القوى المؤثرة يومئذ كالفرس والروم.

 تعاظم دور التقاء الحضارة العربية بغيرها عقب الفتوحات الإسلامية، حيث نهل المسلمون من علم المنطق اليوناني، وعلوم الطب الرومانية، وأسس تنظيم وإدارة الدولة المطبقة ببلاد فارس. كما أخذت الشعوب التي أتينا على ذكرها تعُب بدورها من إسهامات الحضارة العربية الإسلامية.

 بيد أن ضرورة نقل المعرفة أصبحت أشد إلحاحاً في يوم الناس هذا. ذلك أن مركز ثِقل التقنية قد انتقل للغرب، وأصبحت شعوب الشرق في مُجملها شعوباً مستهلكة تقريباً. ولأن المُنتج الأجنبي، سوى أن كان سلعة، أو معرفة تقنية، يتطلب لفظاً يُميزه، وشرحاً لكيفية استخدامه، فقد أصبح المصطلح، وهو الذراع العلمي للترجمة، أصبح ضرورة حتمية لا غنى عنه للغة تسعى لتفاعل مُستخدميها مع مُستجدات العصر.

 إن نقل ثقافات الأمم، وتحويل ما يصفه البعض بصراع للحضارات إلى تكامل ووئام، يأتي في مقدمة مهام الترجمة. ولن يتأتى هدف كهذا، إلا عن طريق الانفتاح على الآخر. هنا تلعب الترجمة، وبخاصة الأدبية منها، دوراً جوهرياً في تفهم الغير، واحترام تقاليده، وقِيمه، وموروثاته. إذ يُعد العمل الأدبي تلخيصاً لعدة جوانب من حياة المجتمع الذي ينتجه. فإن تمت ترجمته للغة مغايرة، واطلع عليه قراء مجتمع آخر، فلا ريب في أنه سيعمل على توسيع مداركهم، ويخرجهم من دائرة ” الأنا ” الضيقة، لرحاب عالم أكثر انفتاحا.

 بيد أنه لا يُمكن القول ببراءة الترجمة ونُبل مقاصدها على الدوام، إذ قد يتخذها البعض وسيلة للتعالي، وتكبير الذات، والعمل على احتقار وتبخيس ما عند الآخرين. هنا تصبح الترجمة حلبة صراع وغزو فكري يسعى للهيمنة، وتصبح الثقافة التي تقدمها مِعولاً يهدف لطمس معالم هوية الغير.

بعض من تعريفات الترجمة:

يتجاوز مفهوم الترجمة النطاق الضيق الذي غالِباً ما يُصنفها به البعض على أنها نشاط يغلب عليه طابع اللغة؛ ذلك أنها ممارسة يومية تتعاطاه جميع مخلوقات الله من إنس وجن وحيوان. يُعبِر الإنسان عن خلجات نفسه، وعما يدور بخلده بأصوات ومفردات يترجمها محدثه، ويخلص من خلالها لمراد المُتحدِث. وقد يلجأ المرء لاستخدام لغة الإشارة التي تقوم أحياناً مقام العبارة، أو لغة العيون، أو أصوات بعينها مُتفق عليها، يُترجمها المُخاطب لمعان محددة. ومن الثابت أن الجن استمع لبعض آي الذكر الحكيم، فترجمه للغته التي لا يعرف ماهيتها سوى الله سبحانه وتعالى، ووصف ما استمع إليه بأنه (قرآن عجبا). وفي ذلك ترجمة من العربية للغة أخرى نجهل كنهها.

كما أن الحيوان، بمختلف فصائله، يستخدم الأصوات للتعبير عن الحبور، أو الكدر، أو تنبيه بعضه بعضا، وتحذيره من مكامن الخطر. ذلك أيضاً ضرب من ضروب الترجمة. يشير بسام بركة إلى ما ذهبنا إليه بالقول:

” لا يوجد سوى عالم واحد، وعندما يتكلم المرء عن العناصر التي يتكون منها ذلك العالم؛ فإنه يتكلم بالضبط عن العناصر نفسها مهما كانت اللغة التي يستخدمها. وبذلك يُمكن لهوية الواقع أن تُدرك بصفتها الخاصية الثابتة والمتوفرة للجميع؛ متجاوزة بذلك الفارق بين اللغات. ”

 تُمثل الترجمة، إذاً، ضرورة تواصلية، قبل أن تكون وسيلة لنقل تراث وخبرات الآخرين، تراث وخبرات ينبغي نقل مضامينها بكل حياد وتجرد، بغض النظر عما إذا كانت تتوافق مع معتقدات المترجم، أو لا تتلاءم مع توجهاته الفكرية والعقائدية. من هنا يمكن القول أن الانفتاح على الغير يُعد من أولى مهام الترجمة. ولعل الخليفة المأمون قد فطن لهذه النقطة الجوهرية حين قام بتأسيس ورعاية (بيت الحكمة) في القرن التاسع الميلادي، بيت تعايشت في جنباته الحضارة العربية في وئام وانسجام مع حضارات ذلكم العصر، الأمر الذي أدى للفهم المشترك، والتبادل المعرفي البناء.

وللترجمة أنواع: فمنها ما يهتم بترقية الذوق الفني الفردي والجماعي، كالترجمة الأدبية التي تفتح نافذة على رؤى وكيفية تفكير وحياة الغير، وموروثه الثقافي كما سبقت الإشارة. كما أنها تعمل على تبصير الآخرين بالمُستحدث من التيارات والمدارس التي قد تكون مجهولة للقراء والمبدعين في لغة مغايرة. وهكذا استفاد الكتاب العرب من نظرائهم الأوربيين في تطوير فني الرواية والمسرح، فنان لم يكونا موجودين، أو على الأقل، لم يكونا متطورين بالقدر الكافي في الأدب العربي حتى لوقت جد قريب. أخذ النقاد العرب من الغرب كذلك أساليب واستراتيجيات البحث في الأدب المُقارن، وقد كانوا يجهلون الكثير من مبادئه. وهنالك الترجمة العلمية التي تهتم بنقل التقنية الحديثة، وفتح آفاق التطور للشعوب المتخلفة في هذا المضمار.

ولئن تأكدت وترسخت أهمية الترجمة على مر العصور؛ فإن أهميتها تزداد اليوم أكثر من أي وقت مضى. ذلك أننا نعيش عصر عولمة تشابكت فيه المصالح، وتفاعلت الأفكار بفعل ثورة معلوماتية لم يسبق لها مثيل. تمخض عن ذلك تطور وانتشار لقنوات التواصل الاجتماعي، مُعلِنة انتهاء عصر القوقعة، ومُبشرة بميلاد صبح جديد يضع حداً لصراع الحضارات، وما يُطلِق عليه البعض ” إدارة التوحش”، بهدف تحويل الصراع إلى حوار، والتوحش إلى ود ووئام.

وعلى الرغم من أن الهدف الرئيس للترجمة هو الانفتاح على الآخرين، فتح قنوات الحوار معهم، إعطاؤهم والأخذ منهم، بيد أنها، أي الترجمة، ليست بريئة على الدوام، سيما حين يتعلق الأمر بنشر التوجهات الفكرية والأيديولوجية، وعند التطرق لقضايا الهوية.

ونبذة عن الثقافة:

تعني الثقافة في أبسط تعريف لها كيفية تعامل الفرد وسلوكه واندماجه في إطار المجموعة التي ينتمي إليها أولاً، ثم سعيه للانفتاح وأخذ الجوانب الإيجابية التي قد تتمتع بها ثقافات مجموعات أخري، بغرض توسيع آفاقه، وإضافة الجديد المفيد لمجتمعه. وبمعنى آخر، ترمز الثقافة لتقبل المرء وتعاطيه الإيجابي، أو حتى السلبي، مع موروث وأخلاقيات مجموعته، ثم الانفتاح على الجوانب البناءة في إرث المجموعات التي قد تختلف عنه عرقياً، أو عقائدياً، أو في فلسفة ونمط الحياة. يحدد تايلور مفهوم الثقافة بالقول: ” إنها ذلك المجموع المُعقد الذي يضم المعارف، والمعتقدات، والفنون، والعادات، والقوانين، والأعراف، وكل تلك القدرات الأخرى، والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً من أعضاء المجتمع.”

 ولئن كان المرء في سعي دؤوب ويسعى جاهداً لتطوير لغته والارتقاء بقدراتها في التخاطب، وإذا كانت اللغة تخضع في تطورها ونموها لمتغيرات اجتماعية واقتصادية، محلية وكونية، تغير من مفرداتها زيادة أو نقصاناً على مر الأزمان، فإن الثقافة تتطور كذلك وفقاً للمُعطيات ذاتها، ووفقاً للتغيرات الاجتماعية والسياسية والرؤى الإيديولوجية على نطاق الكون. ومع أن اللغة تُمثل الماعون الناقل للثقافة، بيد أن وحدتها لا تعني بالضرورة وحدة ثقافة جميع من يستخدمها، إذ تلعب القناعات المحلية، والظروف المناخية والمعيشية دوراً رئيساً في تحديد ثقافة كل جماعة، حتى في إطار المجموعة التي تتحدث ذات اللغة. وإذا أخذنا العالم العربي كمثال، لا يستطيع أحد القول بأن الثقافة السائدة في مشرقه، على سبيل المثال، تُعتبر نسخة كربونية لتلك السائدة في مغربه. ذلك أن عوامل عدة منها نوعية الاستعمار ومخلفاته قد تركت بصماتها الجلية في ثقافة إقليمين جغرافيين ينتميان لأمة واحدة، ويتحدثان اللغة ذاتها. صحيح أن العقيدة، وهي إحدى أهم المكونات الثقافية، قد تُقرِب الشقة بين كافة من يعتنقها، لكن لا يُمكن بحال تعميم هذا القول بصفة مُطلقة، سيما حين يتعلق الأمر بشعوب كالشعوب الغربية التي لم تعد العقيدة تُمثل لديها في الغالب الأعم سوى محطة من المحطات التاريخية. هنالك، إذاً، ثقافات محلية، وثقافات وطنية تتأثر بالمؤثرات العالمية في المناهج التعليمية، وفي نُظم وقوانين العمل، وحتى على مستوى تنظيم الأسرة، وأدق خصائص حياتها اليومية.

 وإذا تناولنا مثالاً آخر، نجد أن اللغة الإنكليزية تُستخدم في إنجلترا، وفي أستراليا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي جل الأراضي الكندية. بيد أن ذلك لا يعني توافقاً وانسجاماً تامين بين ثقافات تلك البلدان. كما تُستخدم اللغة الفرنسية، إضافة لفرنسا، في جل أقطار غرب أفريقيا، وفي بعض أجزاء من الأراضي الكندية، ولا يعني ذلك كذلك تطابقاً في ثقافات البلاد التي أتينا على ذكرها. يقول دوغلاس في ذلك:

” هل يُشاطِر من يتحدث الإنكليزية في يومنا هذا شكسبيراً في ثقافته؟

هل يشترك من يتحدثون الإنكليزية من الأمريكيين والأستراليين والهنود في ثقافة واحدة؟

ربما كان ذلك هدف المُستعمر الإنكليزي: دعونا نفرض لغة واحدة على مستعمراتنا للتوحيد بين ثقافاتهم. لكن،

هل نجح هذا الأمر؟ أين تذهب المكونات الثقافية، والمرجعيات التاريخية، الأمثال، المُزح الخفية، والمرامي التي نجهلها والكامنة في آلاف النصوص التي نعتقد أنها ليست أهلاً للترجمة؟ ”

 زد على ذلك أن الثقافة، وهي إحدى أهم دعائم الحضارة، ليست موحدة حتى في إطار المجموعة الواحدة. إذ يتباين سلوك الرجال عن سلوك النساء، ويتباين سلوك الشيوخ عن سلوك الصبية، سيما في الوقت الراهن الذي أخذ فيه النشء يعتمدون على الثقافات التي تقدمها لهم شبكات التواصل، عِوضاً عن الأخذ بخبرات الآباء والأجداد كما كان الحال سابقا، الأمر الذي خلق هوة بين الأجيال، وصعوبة في التفاهم المشترك حتى على مستوى الأسرة الواحدة. ينبغي كذلك عدم التقليل من آثار رواسب الماضي كالجفوة بين الأعراق، والانتماءات الدينية، والفوارق بين الطبقات العليا والدنيا في المجتمع، كما يتوجب عدم تجاهل الهوة بين تفكير المتسامحين والمتشددين، بين الأغلبية والأقليات، بين دول الشمال الثرية، ودول الجنوب التي يعيش جُلها في فقر مدقع.

يلعب كل ذلك دوراً محورياً في الاختلافات الثقافية والرؤى الفكرية، حتى في أوساط من يعيشون في مجموعة واحدة مهما قل عدد أفرادها، و إن كانوا يتحدثون ذات اللغة. خلاصة القول أنه لا يُمكن بحال التحدث عن الثقافة وكأنها كُل مُوحد يؤدي للتفاهم بين كافة بني البشر، وإطار ينضوي تحت لوائه الناس أجمعين. ذلك ما يعنيه دوغلاس بالقول:

” إن القول بعالمية الثقافة، ما هو سوى وهم تطرحه الثقافات المُهيمنة (الكنيسة، الاستعمار، الرأسمالية) في مسعى منها لترويض أصحاب الثقافات الخاضعة، وإجبارهم على اتباع أوضاع مركزية: كونوا مثلنا وستكونون متمدنين، مثقفين، واعين، أذكياء. كونوا كما نحن، وسيُنظر إليكم كأناس بحق، كجزء من ” الأخوة الانسانية”

تعاطي الترجمة مع الفعل الثقافي  بما أن أكثرية النصوص المكتوبة بمختلف اللغات لا تجد طريقها للترجمة، يمكن القول أنها تحتوي على معطيات ثقافية مجهولة، أو لنقل في حالة ركود. هناك أيضاً ثقافات محلية بحتة تُمارسها بعض المجتمعات وتنظر إليها مجتمعات أخرى باستغراب، حتى لكأنها تُمارس في كوكب آخر. مثال ذلك الفولكلور، والأمثال، وطقوس الزواج والموت، واستقبال المواليد. إذ لا تُماثِل العرضة السعودية، لا في كيفيتها، ولافي مضامينها إحتفاء الأوربي بعيد حصاد العِنب. ولا يُماثل حِداء الطوارق وهم على ظهور الإبل يجوبون الصحارى، أهازيج البحارة وهم على متن البواخر يمخرون عباب البحار. وليست القيمة الفعلية للبقرة، وتعامل قبيلة الماساي الكينية معها، تُطابق تلك التي يحملها لها رعاة البقر في الغرب الأوسط الأمريكي. ذلك ما يُدعِم ما ذكره دوغلاس من حيث عدم مقدرتنا على الالمام بالأبعاد الحقيقية والشاملة لثقافات كل الأمم والشعوب، والادعاء، وفقاً لذلك، بوجود ثقافة كونية تُعبِر عن الجميع.

من المعلوم أن الاستعمار ارتكز على فلسفة جوهرية مؤداها ضرورة هيمنة ثقافته على ثقافات الشعوب الأخرى، إذ أنه يرى في ذلك خلاصاً لتلك الشعوب من وهدة التخلف الذي تعيش. أعقب جلاء المستعمر احتلال من نوع آخر تمثل في ظاهرة العولمة التي استبدلت فوهات البنادق بالتقنية وغزو الأفكار، ومحاولة طمس هوية الغير، وتذويبها في محيط ثقافي جديد تكون فيه الغلبة لثقافة الغرب المُهيمنة بسبب ما تتمتع به من تفوق مادي وتقني وسياسي وعسكري، وبسبب امتلاكها للمواعين الإعلامية التي تستطيع عبرها الترويج لأفكارها، وغرسها في عقول أصحاب الثقافات الخاضعة. لذا، فليس من المُستغرب أن يرى الكثيرون في العولمة استعماراً حديثاً.

ولئن كانت الهوية تعبر عن انسجام الفرد أولاً في المجموعة التي ينتمي إليها، أو الابتعاد عنها ومجافاتها بفعل قناعاته الشخصية، فإن الفرد هو من يُحدد اليوم هويته بعيداً عن أية قوانين يضعها المجتمع. ولما كانت اللغة، وبالتالي الترجمة، تلعب دوراً رئيساً في تحديد الهوية، باعتبارها أداة التواصل واستيعاب ثقافة العولمة، فقد أصبحت الترجمة وسيلة من وسائل تحوير الهوية، سلباً، أو إيجابا. يقول مارسيل غوشيه في هذا المعنى:

” أصبحت الهوية اليوم داخل الفرد وليست خارجه… إن الاختلافات التي توجد في ذاتك، وبين ذاتك وذات الآخر، هي ما يتيح لك الدخول في المجال العام، وأن تتبوأ مكانك فيه. فالواقع أنه لم يعد على المجال العام أن يفرض حقيقته المجردة باسم المقاصد العامة التي من المفترض أن يكون حصنها الحصين. وهو لم يعد أن يتكون، قانوناً، إلا عن طريق إشهار التمايزات الخاصة”

وهكذا أصبح الفرد وحيداً، دونما سند، أو قيم اجتماعية راسخة تدعمه في مواجهة سيل من الأفكار الوافدة التي يختلط فيها الصالح بالطالح، والمفيد بالغث. ومن الثابت أن الأفكار التي تبثها العولمة تجد الرواج والقبول وسط المجتمعات الهشة التي تفتقر للأصالة والقِيم المتوارثة والثابتة، أكثر مما تجده وسط المجموعات المعتدة بماضيها، وما ترسخ عندها من إرث حضاري.

وفي عصر العولمة الماثل اليوم، لا تتم ترجمة النصوص جُزافاً، إذ تقف وراء اختيارها معايير عدة من أهمها مضامينها الأيديولوجية، وتفانيها في ذيوع وخدمة الأفكار التي تود الثقافة المهيمنة نشرها. فالنصوص التي تتم ترجمتها هي تلك التي يتبرع مؤلفوها، سواء أن كانوا من أفراد المجموعات المُستهدفة بالتغيير نفسها، أو من كُتاب الثقافة الوافِدة، يتبرعون بالهجوم والنيل مما ألفه مجتمع ما من عادات وتقاليد ومعتقدات. يتذرع كُتاب المجتمعات المُستهدفة بأنهم يقومون بالتشكيك فيما يجري في مجتمعاتهم من نظم اجتماعية ودينية وطقوس محلية بسبب أنها لا تتماشى مع روح العصر. ثم أنهم يجتهدون في أن تكون مضامين أعمالهم متوافقة مع ما هو مألوف في الغرب، وأن تُقلِد حتى التراكيب والأنماط اللغوية المُستخدمة فيه. ولعل الهدف من ذلك كله ضمان ترجمة أعمالهم ونشرها على نِطاق واسع، ما يعني ذيوع الصيت والشهرة العالمية. وعلى الرغم من اجتهاد كُتاب ومثقفي الحضارات المُستهدفة في تبني الأنماط اللغوية، والاهتمام بالأُطر الفكرية لحضارة الغرب، إلا أن هذه الأخيرة غالِباً ما تصف أساليبهم ومضامين كتاباتهم بالحوشي الغريب. أما المؤلفون الذين ينتمون لثقافة الغرب، فيرون في مسعاهم الهادف لتغيير نمط وأسلوب حياة أصحاب حضارات وثقافات العالم الثالث، وأساليب تفكيرهم، يرون في ذلك واجباً إنسانياً هدفه إخراج هؤلاء “المتخلفين” من قوقعتهم وانكفائهم على ذواتهم، ودمجهم في حضارة الغرب المتطورة كما سبقت الإشارة.

 لذا، لم يعد بوسع المترجم في عالم اليوم الانخراط في ترجمة أعمال لا تحظى بالقبول لدى مخططي سياسات واستراتيجيات العولمة، والدول المهيمنة التي تدعمهم. ذلك أنه، أي المترجم، يسعى في المقام الأول لكسب رزقه، لذا يتوجب عليه الانصياع لرغبات من يدفع له، ولرغبات دور النشر التي تقرر طبع ما يُترجم وفقاً لما يُتوقع له من عائد مادي. لم يتبق للمترجم، إذاً، هامش من حرية في اختيار ما يُترجم. إذ يجد نفسه مضطراً حتى لترجمة نصوص تتعارض مع مبادئه، ومع ما يؤمن به ويعتقد. والواقع أن ظاهرة خضوع المترجم لتلبية رغبات من يدفع له ليست بالأمر الجديد، كما أنها ليست من ابتكارات عصر العولمة، وإنما تعود لأزمان سحيقة. ففي العصر العباسي، على سبيل المثال، كان المترجم يتقاضى وزن ما يُترجمه ذهبا. ولا يمكن الادعاء بامتلاك المترجمين يومئذ لحرية كاملة تتيح لهم ترجمة ما يشاءون. فأغلب الظن أنهم كانوا محكومين بالبقاء داخل الأُطر السياسية والفكرية التي يحددها من كان يدفع حينها.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة