تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



صعوبات الترجمة التخصصية

بقلم: د/ محمد أحمد طجو

إن الصعوبات في الترجمة تتنوع بتنوع النصوص المترجمة, وإن النصوص تنقسم إلى قسمين: النصوص الأدبية, والنصوص العلمية أو المتخصصة. ينتج الفرق بين الترجمة الأدبية والترجمة العلمية عن سببين رئيسين: الاختلاف بين النصوص الأدبية والنصوص العلمية, والاختلاف بين طبيعة عمل المترجم الأدبي وغايته وطبيعة عمل المترجم العلمي وغايته. فغاية المترجم الأدبي غاية جمالية. أما المترجم العلمي فليست غايته غاية جمالية, وتغلب على عمله الغاية وليس الوسيلة, إذ إنه يسعى إلى نقل المعلومات, وإلى الموضوعية والتزام الدقة المتناهية والأمانة في التعبير عن الفكرة التي يريد توصيلها, مع مراعاة ترتيب عناصر النص بالطريقة التي رتبت فيها في الأصل حتى لو تنافى ذلك مع جمال الأسلوب ومنطق اللغة التي ينقل إليها, ويستخدم الأرقام والرموز والمصطلحات والمختصرات التي تصيب الهدف بشكل مباشر. يجب أن تكون لغة المترجم العلمي لغة علمية من حيث المبنى والمعنى ليتمكن من النقل من لغة إلى أخرى, بل إن الأمر يحتاج أحيانا إلى التخصص في المادة التي ينقل منها وإليها, أي إلى الإطلاع والبحث والتوثيق, وهو ما قادتنا إليه طبيعة معظم النصوص العلمية التي قمنا بترجمتها. فالمترجم, مهما بلغت درجة ثقافته, لا يمكن أن يكون متخصصا بجميع المواضيع, لذا يجب عليه أن يبحث عن المعلومات التي تنقصه بالتوثيق في المجال الذي يعالجه النص, وفي لغتي الأصل والهدف, ليكتشف كيفية الحديث عنه, وليفهم, بمعنى آخر, النص الأصل من جهة, والمصطلحات والتراكيب اللازمة لإنتاج الترجمة من جهة أخرى. ترى سيلفيا غاميرو بيريز أن النصوص المتخصصة تتميز أساسا باستعمال ما يسمى لغات التخصص, وتحدد خمسة مستويات من المهارات يجب أن يتمكن منها المترجم المحترف, وهي معلومات حول المجال الموضوعاتي, و امتلاك المصطلحات الخاصة, والقدرة على الاستنتاج المنطقي, والتعرف على أنواع النص وأجناسه, والقدرة على اكتساب الوثائق. ويرى البعض أنه يمكن الحصول على الوثائق من المصادر التالية: المختصرات, والموسوعات, ومختصرات دراسة الأسلوب وتحرير النصوص, والمجلات العامة, والمجلات المتخصصة, ومجلات ملخصات الأبحاث, ومحاضر المؤتمرات, وأطروحات الدكتوراه والماجستير, والتشاور مع المختصين, وأنشطة المختصين.

إن المترجم العلمي يواجه يوميا لغات متخصصة وكما هائلا من المصطلحات, ويحتاج إلى إيجاد أو وضع مقابل لها في اللغة التي يترجم إليها, ولهذا يتعين عليه الاستعانة بالمعاجم العلمية المتخصصة من أجل التحقق من انتماء المصطلحات التي يستخدمها إلى العلم الذي ينتمي إليه النص, وقد تسعفه المعاجم والقواميس في ذلك وقد تخذله, وربما يسأل أهل العلم والاختصاص أو يضطر إلى وضع ما يقابلها. وإن لكل لغة علمية أو مختصة مصطلح وأسلوب خاصين بها, فالمترجم العلمي العربي يواجه في كثير من الأحيان نصوصا حررها مختصون يستخدمون للحديث عن مجال تخصصهم أداة مفهومية يرون أنها ضرورية لنجاح تحليلهم, ويلجؤون أيضا إلى عبارة مختصة توفر للمعلومة العلمية الصرامة المطلوبة. ترى فائزة القاسم أن المترجم إلى اللغة العربية يتعرف خلال مرحلة كتابة النص ثغرات معجمه فيلجأ إلى الخطوات التالية: العمل على النص الذي يحاول فيه المترجم امتلاك الأدوات المفهومية, وتحمل توقعات المتلقي الأخير الذي يضيف فيه معلومات لتأمين وضوح الرسالة, ويعد بلاغة تقنية تنم عن نظام متكامل من الإحالات الثقافية ليجعل الرسالة مفهومة لدى جمهور كبير, ومسار المترجم الذي يلجأ فيه إلى الصياغات الجديدة بطريقة النسخ عن الأصل الأجنبي, وإلى استخدام مصطلحات اللغة الدارجة لتسمية مفاهيم غير معروفة وابتداع المصطلحات مع مراعاة قوانين اللغة العربية الفصحى, وإلى التأويل/ الشرح, والنحت, والمنهجية المناسبة التي تتضمن معرفة الموضوع, والاستعداد للتحليل والتركيب, والفهم الجيد للغة الأجنبية, وإجادة استخدام اللغة الأم, وإنشاء بطاقات مصطلحية .

ومن البدهي أن سعي المترجم العلمي يحد كثيراً من حريته في التعامل مع النص, ويطمس كل ما يدل على شخصيته. غير أن التزام الدقة المتناهية شرط من شروط الترجمة العلمية. ويكفي البرهنة على ذلك أن نذكر النتائج التي قد تترتب على الترجمة الخاطئة لبعض الرموز أو المصطلحات العلمية أو المعادلات الكيميائية أو الرياضية أو لطريقة تركيب دواء ما أو لطريقة تشغيل جهاز كهربائي ما.

أما المترجم الأدبي فإنه يتمتع بقدر كبير من الحرية في التعامل مع النص الذي يترجمه, ويستطيع, على الرغم من مراعاته الدقة والأمانة في الترجمة, أن يحذف شيئا هنا ويضيف شيئا هناك لابل أن يركب الكلام وفقا للغة وقواعدها .

إن المترجم الأدبي والمترجم العلمي مدعوان دائما إلى أن يكونا وفيين أمينين للنص الأصلي, أي إلى تقديم نص مشابه ما أمكن, بحيث يتوهم قارئ الترجمة أنه أمام النص الأصلي لا أمام ترجمته, أي أمام تعبير تلقائي وواضح, إذ إن الترجمة, أو غايتها هي إعفاء القارئ من قراءة الأصل, وهي أيضا العلم والفن الضروريان لتجاوز التناقض الكامن بين متطلبات الأمانة ومتطلبات الصياغة المبدعة, بين نص النص وحرفيته من جهة وبين مغزاه ودلالته وروحه من جهة ثانية. ولذلك فإن خيانة المترجم الأدبي, ليست خيانة طوعية بقدر ما هي خيانة جبرية تفرضها طبيعة النص الأدبي والشعري على وجه الخصوص, وإنها قد تتكرر في كل نوع من الأنواع الأدبية لأنها تلتقي عند انطلاقها من تجربة ذاتية مكثفة, وظروف معينة, وبيئة خاصة, وثقافة مميزة

صعوبات الترجمة التخصصية:

و أما صعوبة ترجمة النصوص العلمية والمتخصصة فتكمن في موضوع التخصص, والمصطلح, وقواعد اللغة والأسلوب, فهي نصوص جافة تخلو من الجماليات والتنميق والزخرفة خشية ضياع المعنى.

إن ترجمة المصطلح في غاية الصعوبة لأنها ليست محصورة فقط في ابتكاره, وإنما أيضا في تعدد المصطلحات للمرجع الواحد وذلك حسب نوعية النص العلمي والتقني الذي سنترجمه أولا ثم لأن هذه المصطلحات قد تكون في النص المصدر الذي وردت فيه مصطلحا مترجما من لغة أخرى ثانياً, فكم من مرة ترددنا في ترجمة Ordinateur إلى العربية, وفي الاختيار بين "رتابة" و"منظملة" و "حاسب" و"حاسوب" و" كومبيوتر". وكم من مرة شعرنا بأن الكلمات في بعض النصوص العلمية مستهجنة لأنها هجينة بالفعل, لأنها ألفاظ لاتينية كتبت بأحرف عربية تخلو كليا من أي معنى يتصل باللغة أو بالمادة التي نترجم منها, فقد باتت ولادة المصطلح العلمي العربي رهينة بوجود المصطلح الغربي, وأمسى تداول المصطلحات العربية والخطاب العلمي بين المختصين مرتبطا بدرجة تمكن المتلقي من المصطلحات الغربية ومفاهيمها وهذا ينم عن أمرين اثنين: " أولهما أن الجهاز المصطلحي العربي يكاد يكون غربيا في مفاهيمه وشبه عربي في صياغته, وثانيهما أن مهمة الفكر العربي ظلت منحصرة في محاولة استيعاب المفاهيم العلمية الغربية ونقلها إلى العربية في صورة قوائم مفردات جلها معرب تعريبا صوتيا لا أقل ولا أكثر" وقد زادت المعاجم المتخصصة هذه المشكلة تعقيدا بسبب عدم شمولية هذا المعجم أو اختلافه مع معاجم أخرى في اعتماد المصطلح أو بسبب عدم شرح المصطلح وعدم اختيار المقابل المناسب له أو في تبنيه بعض الحلول الغريبة كالنسخ البنيوي الذي يقوم على تركيب لغوي لاوجود له في اللغة العربية (ذهبيك= aurique) , وتهجين طرائق النقل الذي يقوم على مزج طريقتين مختلفتين من أجل نقل المصطلح العلمي الواحد, ومن ذلك مزج النسخ الدلالي والتعريب اللفظي, كما في: مضاد الكلور antichlore , والنسخ الدلالي وتوليد كلمة جديدة , كما في: تأكسد ذاتي autooxydation) ).

إننا نفتقر نحن العرب إلى دراسة تقوم على علم المصطلح Terminologie , وهو علم أساسي في التوصل إلى ترجمة صحيحة دقيقة تنير القارئ عوضا عن تضليله أو إرباكه لاسيما في ما يتعلق بالنصوص العلمية والمتخصصة.

و سنستعرض هنا الصعوبات والعقبات التي ينبغي على المترجم العلمي أن يذللها في أثناء القيام بترجمة النصوص الطبية بوصفها مثلا عن كل العلوم والصعوبات التي تواجه المترجم أثناء عملية الترجمة. يمكن القول إن كلمات مثل إيدز AIDS أو سارس SARS أو ألزهايمر Alzheimer أو مرض باركنسون Parkinson لم تعد مستهجنة في اللغة العربية لأننا أصبحنا نستعملها بشكل دائم, لكن ذلك لاينفي وجود كلمات ومصطلحات أخرى بعيدة كل البعد عن استعمالنا اليومي. وإننا نصطدم في عالمنا العربي بمشاكل "نحت المصطلح", فلغة الاختراع هي لغة المخترع, لذا ينبغي علينا أن نبحث عن مقابل في لغتنا يحمل معنى المصطلح في اللغة الأصلية.

إن الطب مثلا جزء من حياتنا اليومية, ويستهوي الكثير من الناس, لذلك فإن لغته تتطلب وضوحا تاما في المقام الأول لأن الطب يعني من هم غير متخصصين في العلوم الطبية أيضا. ولهذا نرى أن اللغة الطبية لغة اتصال فعالة, ومحددة, وتخلو من كل التباس, وتلبس فيها الكلمة لباساً معنوياً واحداً. ومع ذلك, نقع أحيانا على كلمات أو مصطلحات أو رموز غامضة ومستهجنة.

و لا بد أن المتابع للعلوم الطبية قد لاحظ أن لغتها فرنسية كانت أو عربية تقع اليوم تحت تأثير الغزو الإنجليزي، لأن هذه اللغة أصبحت اليوم لغة الاتصال العالمي, لذلك نرى أن بعض المصطلحات العربية مأخوذة عن اللغة الإنجليزية كلياً أو جزئياً. ونعتقد أن المترجم الذي يدرك كل الإدراك متطلبات هذه النصوص يقوم بخطوة واحدة على طريق الألف ميل. لذا ينبغي عليه قبل البدء بعملية الترجمة أن يقوم بالبحث والتمحيص كي يلم بكافة المصطلحات, وأن يفرق في استعمال اللغة استنادا إلى الجمهور فيستعمل المصطلحات العامة إذا كان جمهوره من العامة والمصطلحات المتخصصة إذا كان جمهوره من النخبة المتخصصة.

ومهما كان المترجم عالما بأمور الطب إلا أنه ليس طبيباً, لذا ينبغي عليه أن يقوم ببحث شامل مع كل نص طبي يترجمه, ويعتبر خائنا للنص المصدر إن لم يقم بذلك, بسبب عدم معرفته بأمور الطب أو لأن تحصيله أقل في هذا المجال مما جاء في النص المصدر. ويعاني المترجم أيضا من تعدد معاني الكلمة الواحدة, وعدم توافق الكلمات المستخدمة والسياق, والاستعمال الخاطئ لبعض المرادفات, واستعمال المختصرات الفرنسية أو الإنجليزية من دون تفسيرها, واستعمال كلمات علمية لم يرد ذكرها في المعاجم المتخصصة, وذلك لأن اللغة في تطور دائم ولأن وتيرة الإكتشافات أصبحت يومية, وهناك كلمات مستحدثة تولد وأخرى تموت كل يوم. زد على ذلك أن المترجم يصطدم بعقبة المعاجم التي كثيرا ما تشبه لوائح كلمات ترد فيها المعاني الأجنبية مقابلة للمعاني العربية من دون شرح أو تفسير, والتي ليست دائما محط تحديث وتطوير أو التي نقع فيها على ترجمة حرفية أو على نقل للمصطلحات الأجنبية بحروف عربية لا يمت فيها اللفظ إلى العربية بشيئ أو على بعض الأخطاء العلمية والإملائية .

وقد تناول محمد المناصف قوائم المصطلحات الواردة في المعجم الموحد لمصطلحات علم الصحة وجسم الإنسان من خلال قواعد اختيار المصطلح العلمي التالية: مقاييس الاختيار اللغوية (تجنب الاقتراض, ومقاييس بنيوية, وتجنب الكلمات العامية ), ومقاييس دلالية (تفضل الكلمة الدقيقة على المبهمة, وتفضل من بين المترادفات أو القريبة من الترادف اللفظة التي يوحي جذرها بالمفهوم بصفة أوضح, وتتجنب تعدد الدلالات), ومقاييس اجتماعية- لغوية (الاستعمال, واحتكاك العامية بالفصحى, وجمالية اللفظ) .

ولحل مسألة المصطلحات الطبية يمكن أيضا العودة إلى المعاجم القديمة كما جاء على لسان جيرار تروبو Gérard Troupeau الذي اقترح كلمة هيضة التي تعني في أيامنا هذه Choléra بينما كانت تعني في القديم indigestion , أو اعتماد كلمتين كي نعني كلمة واحدة وذلك لعدم وجود جذر في هذه الكلمات أي (إلتهاب المفاصل= arthrite) , وأخيرا وهو الحل الأخير والأكثر شيوعا استعمال الكلمة عينها في اللغتين تيروكسينيميا= thyroxinemie. ويبقى أن اختيار الكلمات أو المصطلحات المناسبة, وفك الرموز, وتفسير المختصرات لا تمثل كل العقبات التي يصطدم بها المترجم أثناء الترجمة, فلايكفي أن يعرف ماذا ينبغي عليه أن يقول بل عليه أن يعرف أيضا كيف يقوله, فترجمة النصوص الطبية أو العلمية ممكنة, بشرط أن تقوم على أسس كتابة النص الطبي, وهذا الأخير ليس سوى مثل عن كل العلوم والصعوبات التي يعاني منها المترجم أثناء عملية الترجمة. وعلى الرغم من كل التطورات التي طرأت على ميدان الترجمة وتقنياته يبقى المترجم عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه فهو من يقوم بالخيار الصحيح والصياغة المطلوبة.

إننا نرى في الترجمة فنا, و علما, وتطبيقا. فالترجمة موهبة, وممارسة, وحرفة, وبحث . الترجمة فن وحرفة وهذا ما تؤكده المقالات والكتب العديدة التي تصدر باللغات العربية والأجنبية, والتي تحمل عنوان "فن الترجمة" أو "حرفة الترجمة". و قد عدها بعض الكتاب فنا وحرفة في آن واحد. الترجمة, على حد قول الدكتور محمد عناني, " فن تطبيقي", أي حرفة لا تتأتى إلا بالتدريب والمران والممارسة, " استنادا إلى موهبة", وربما كانت لها جوانب جمالية وإبداعية , لأن الإبداع هو أهم عنصر في الفن. وهذا يعني أنه لا يمكن لأستاذ في اللغة والأدب, أو في كليهما, أيا كان حظه من العلم بالفرنسية أو العربية (بل أيا كانت معرفته بنظريات اللغة ) أن يخرج لنا نصا مقبولا مترجما عن إحدى اللغتين دون "ممارسة طويلة للترجمة". فلا توجد في رأينا طرق مختصرة للإجادة في الترجمة, فلا كتب المتخصصين التي أشرنا إلى بعضها هنا, ولا الكتب العامة, ولا هذه الدراسة بمغنية عن الممارسة والخبرة. وأقصى ما نستطيع أن نفعله - نحن المدرسين والمترجمين- أن ننقل بعض علمنا وخبراتنا إلى طلابنا, وأن نقدم لهم بعض الحلول التي اهتدينا إليها أو اهتدى إليها جيلنا, والتي سوف تمسها يد التعديل مع التقدم والتطور الحضاري, إذ ليس هناك حل وحيد صحيح أو ترجمة وحيدة صحيحة, فالنص نفسه قد يترجم عدة مرات, لاعتبارات متعددة منها رداءة بعض الترجمات, وتطور العلوم الإنسانية واللغوية, والفائدة المضاعفة.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة