تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الترجمة: أنواع .. نظريات.. صعوبات

بقلم: د/ محمد أحمد طجو

تتناول هذه الدراسة الترجمة تعريفا ونظريات فتصحح بعض المفاهيم الخاطئة , وتركز على الترجمة العلمية أو المتخصصة فتعرض لأهم الصعوبات التي يعاني منها المترجم وذلك اعتمادا على خبرة صاحبها وعلى بعض الدراسات الحديثة.

أنواع الترجمة

يمكن في الواقع تقسيم الترجمة إلى قسمين رئيسين, الترجمة التحريرية والترجمة الشفهية. وتعرف الترجمة الشفهية بعدة أنواع هي الترجمة الفورية, والترجمة التتبعية, والترجمة الثنائية. أما الترجمة التحريرية فيقصد بها ترجمة النصوص المكتوبة بأنواعها, وتتنوع الصعوبات فيها بتنوع النصوص المترجمة فهي تنقسم أيضا إلى قسمين رئيسين: الترجمة الأدبية والترجمة العلمية أو المتخصصة. وتعرف الترجمة التحريرية بأنواع كثيرة أهمها الترجمة الحرفية, والترجمة الحرة أو بتصرف, والترجمة التفسيرية, والترجمة الدلالية, والترجمة التواصلية.؟؟؟؟

إن ما دعانا إلى هذا التوضيح الموجز لأهم أنواع الترجمة وطرقها هو ما لاحظناه لدى كثير من الطلاب والدارسين الذين يخلطون بين نظريات الترجمة وطرقها, والذين يطلقون على الترجمة الحرفية أو الحرة أو الدلالية أو التواصلية مصطلح نظريات الترجمة, وهذا خطأ واضح, فعندما نترجم نصا ما كلمة كلمة فإننا نستخدم الترجمة الحرفية, وعندما ننقل المعنى ونراعي الدلالات المعجمية والبنى النحوية ؟؟ فإننا نستخدم الترجمة الدلالية, وعندما نقوم بتحقيق المطابقة في التأثير على القارئ فإننا نستخدم الترجمة التواصلية, فهذه يطلق عليها أنواع أو طرق الترجمة ولا مجال للنظرية هنا.

نظريات الترجمة :

لقد مرت نظرية الترجمة منذ نشأتها إلى يومنا هذا بثلاث مراحل:

المرحلة ما قبل اللسانية :

التي دامت حتى مطلع القرن العشرين, والتي تميزت بمقاربة فقه لغوية وفلسفية كان يقوم بها مترجمون يرمون من ورائها إلى تعميق معرفتهم بعملهم والتبحر فيه,

المرحلة اللسانية :

التي دامت حتى الستينيات, والتي تميزت بتحليل الظاهرة الترجمية تحليلا علميا وبتمحيص وقائعها على مستوى اللسان.

المرحلة ما بعد اللسانية : التي ابتدأت منذ سبعينيات القرن العشرين, والتي تميزت بمحاولة التركيب بين المقاربتين السابقتين وبنظرية التواصل والنصية. وقد كانت المرحلة الأخيرة رد منظري الترجمة وممارسيها (أمثال نايدا Nida, وسيليسكوفيتش Seleskovitch , ولادميرال Ladmiral على أطروحة اللسانيين أمثال فيدروف Fedrov , وفيني وداربلنيه Vinay et Darbelnet , ومونان Mounin , وكاتفورد Catford) التي تعتبر الترجمة ظاهرة لسانية, وعلى أطروحة التجريبيين (من أمثال كاري Cary , وشتاينر Steiner , وميشونيك Meschonnic)

ويمكن القول إننا نقترب في الوقت الحالي من نظرية فريدة وكلية في الترجمة, وإن هذه الظاهرة المعقدة والمركبة تدفع ببعض الباحثين إلى أن يفضلوا في دراساتهم العناصر اللسانية, ويدفع بالبعض الآخر إلى تفضيل المحتويات المعرفية, ويدفع بسواهم إلى تفضيل المظاهر الإيناسية,?? ويدفع بغير هؤلاء وأولئك إلى تفضيل الفروق والتلوينات الأدبية, وهلم جرا. وقد تمخض عن ذلك عدة مناهج في الترجمة لخصها لنا كل من نيوبرت وشريف Albert Neubert & Greory M. Shreve في كتابهما المعنون " الترجمة وعلوم النص " , وهذه المناهج هي: النقدي, والعملي, واللغوي, ومنهج لغويات النص, والثقافي الاجتماعي, والحاسوبي, واللغوي النفسي. وقد درس المؤلفان هذه المناهج دراسة نقدية, وخلصا إلى القول: "يمكن لكل منهج من هذه المناهج أن يساهم في بناء نظرية أكثر طموحا وأكثر ملاءمة وتكاملا حول الترجمة من دون أن يتخلى عن وجهة نظره الخاصة ".

و مع ذلك, إننا نرى الآن أن معظم منظري الترجمة الذين ينتمون إلى آفاق مختلفة, ويتباينون في ما يستعملون من مصطلحات, وما يضعون من تصنيفات, يتفقون في الجوهر, على اعتبار الترجمة ظاهرة واحدة وفريدة, وإن تعددت وجوهها, فهي في نظرهم, نظرية:

تتلخص :

أ- تتلخص في تحوير جوهر النص الذي يشتمل على عناصر دلالية وأسلوبية,

ب- تتم على مستوى العبارة المحققة,

ت‌- تهدف إلى التواصل,

ث- يتحقق فيها الفهم بواسطة التأويل.

وليس غريبا أن يكون الباحثون الذين احتاروا في أمر هذه الظاهرة وتعقدها, هم البادئون إلى تفكيكها, وليس غريبا أيضاً, أن يحاول المختصون في علوم أخرى, كاللسانيات والإيناسة بصفة عامة, تحليل بعض جوانب هذه الظاهرة. إلا أن علم الترجمة traductologie صار يحدد موضوعه, وينشئ مناهجه الخاصة به, مرتقيا, بالتدريج, إلى مرتبة تخصص علمي قائم بذاته.

وسوف نحاول في السطور التالية أن نعرض لأهم النظريات في الترجمة, لاسيما النظرية اللغوية والنظرية التفسيرية.

يعتبر كل من فيدروف وفيني وداربلنيه ومونان وكاتفورد كما ذكرنا من أوائل من دافع عن النظرية اللغوية في الترجمة التي تفترض أن النص الذي يترجم يتكون من الكلمات, وأن هذه الكلمات هي المادة الموضوعية الوحيدة التي تتوفر بين يدي المترجم الذي يقوم عمله على ترجمة هذه الكلمات, ويركز انتباهه على اللغة بمعناها السوسوري نسبة إلى سوسور Saussure)).

يرى فيدروف أن عملية الترجمة عملية لغوية في المقام الأول, وأن كل نظرية في الترجمة يجب أن تدرج في عداد المواد اللسانية. ويطالب فيني وداربلنيه بإدراج الترجمة في إطار اللسانيات, ويقترحان سبع طرق للترجمة وهي الاقتراض أو الدخيل, والنسخ, والترجمة الحرفية, والتحوير, والتكييف, والتعادل, والملاءمة أو التصرف, ويميزان تمييزاً واضحاً بين الفرنسية والإنجليزية. والواقع أن الأسلوبية المقارنة التي يقترحانها هي مادة تلي الترجمة ولاتسبقها, ولايمكن بالتالي أن تكون طريقة لها.

و يقرر مونان في القسم الأول من كتابه المسائل النظرية في الترجمة

Les problèmes théoriques de la traduction

أن "الترجمة احتكاك بين اللغات ولكنها حالة قصوى من الاحتكاك يقاوم فيها المتكلم ثنائي اللغة كل انحراف عن المعيار اللغوي, وكل تداخل بين اللغتين اللتين يتناوبهما", ويقترح أن "تدرس اللسانيات المعاصرة مسائل الترجمة بدلا من أن تبقى الترجمة وسيلة إيضاح لبعض المسائل اللسانية". ويجيب مونان في الفصل الثاني عن السؤال التالي: هل الدراسة العلمية لعملية الترجمة جزء من اللسانيات؟ وتبدأ إجابته بعرض الخلاف بين المترجمين الذين يقولون إن الترجمة فن لا ينحصر داخل حدود اللسانيات, وبين اللسانيين الذين يدعون إلى اعتبار عملية الترجمة عملية لسانية في المقام الأول, ويتخذ موقفا توفيقيا بين الطرفين فيقر بأن الترجمة "فن كالطب, ولكنها فن مبني على علم" هو علم اللسانيات.

وأما كاتفورد فإنه يضع الترجمة في كتابه نظرية لغوية في الترجمة في إطارها الصحيح, وذلك على مستويين: مستوى اللغة الصرف, ومستوى التعبير الكلامي. فهو يهتم على المستوى اللغوي الصرف بجميع مكونات النص, من صوت وحرف وكلمة وعبارة, إلا أنه يتجاوز ذلك إلى مستوى المعنى الذي تهدف إليه العبارة, وقد توصل إلى نتيجة في غاية الأهمية, تضع الترجمة بين حدين رئيسين: الحد الأصغر, وهو السمة, والحد الأكبر وهو المعنى, يؤطرهما مفهوما التكافؤ والتناظر اللذان بدونهما لا تبلغ عملية الترجمة درجة الكمال, إلا أن هذه العملية ليست نقلا على المستويات المفرداتية والمعجمية بقدر ماهي "استبدال" لنص كتب في لغة معينة بنص آخر كتب في لغة أخرى. يقول كاتفورد: " إنه من الضروري لنظرية الترجمة أن تستند إلى نظرية في المعنى. ومن دون نظرية كهذه تظل عدة مظاهر محددة وهامة في عملية الترجمة غير قابلة للمناقشة"

ومن الذين أكدوا على على أهمية نقل المعنى وضرورة إعطائه الأولوية على سائر العناصر الأخرى نايدا الذي ساهم في تطوير نظرية المعادل الديناميكي, حيث يرى أن طبيعة الترجمة تقوم على إعادة إنتاج الرسالة بأقرب معادل لها في لغة الهدف وذلك في ما يتعلق بالمعنى والأسلوب, ويعني بذلك أن يسعى المترجم إلى إيجاد معادل للنص الأصلي وليس إلى إيجاد نص مطابق له, ذلك لأن اللغات تختلف في وسائل تعبيرها, ولايمكن أن تتطابق تطابقا كاملا. ويعتبر بيتر نيومارك Peter Newmark أيضا من أنصار النظرية اللغوية بدفاعه عنها دفاعا قويا في كتابه المعنون كتاب في الترجمة

A Textbook of Translation , وقوله: "نترجم الكلمات لأن ليس هناك شيئ آخر نترجمه, لا يوجد على الصفحات سوى الكلمات, فقط لاغير".( أنصار النظرية اللغوية )

ويرى نيومارك أن اهتمام نظرية الترجمة ينصب بشكل رئيس على طرائق الترجمة التي تناسب أكبر عدد ممكن من أنواع نصوص الترجمة أو فئاتها, وأنها تقدم لنا إطار عمل من المبادئ والقواعد المحددة والتلميحات لترجمة النصوص ولنقد الترجمات, أي أنها تقدم لنا خلفية لحل المشكلات المتعلقة بالترجمة. و تبين لنا النظرية أساليب الترجمة الممكنة وتقدم الحجج المؤيدة أو المعارضة لاستخدام ترجمة بدلا من أخرى في سياق معين. ويضيف أن نظرية الترجمة تعنى بالخيارات والقرارات, وليس بآليات أي من اللغتين, وتحاول تقديم أفكار مفيدة حول العلاقة بين الفكرة والمعنى واللغة, وحول المظاهر أو الجوانب العالمية والثقافية والفردية للغة والسلوك, أي فهم الثقافات, وحول تفسير النصوص التي يمكننا توضيحها بل وحتى استكمالها أو الإضافة إليها عن طريق الترجمة. وهكذا نجد أن نظرية الترجمة تغطي مجالا واسعا وتحاول دائما أن تثبت فائدتها, وأن تعين المترجم بتحفيزه على الكتابة بشكل أفضل وعلى اقتراح النقاط المتفق عليها حول مشكلات الترجمة العامة, "فالافتراضات والأفكار حول الترجمة لاتنبع عادة إلا من الممارسة, كما يجب ألا تطرح هذه المقترحات والأفكار دون أمثلة من نصوص أصلية مع ترجماتها" .

ويقترح نيومارك عددا من المعايير والأولويات لتحليل النص مثل الغرض من النص أو نواياه, ونوايا المترجم, والقارئ وجو النص, ونوعية كتابة النص وسلطته, ويذكر المعايير التي يطبقها منظر الترجمة على ترجمة كل نوع من أنواع النصوص, ثم يقترح طريقتين للترجمة تناسبان أي نص, وهما "الترجمة الاتصالية, حيث يحاول المترجم أن يعطي لقراء اللغة الهدف نفس التأثير الذي يعطيه الأصل لقراء اللغة المصدر, والترجمة الدلالية, حيث يحاول المترجم في حدود القيود النحوية والدلالية للغة الهدف أن يعيد تقديم المعنى السياقي الدقيق للمؤلف", ويعقد بينهما مقارنة مطولة.

ويبدو أن عدم دقة المصطلحات ووضوحها عند نيومارك, وبخاصة عند محاولة التمييز بين الترجمة الدلالية والترجمة التواصلية جعلنا نصاب بالحيرة وصعوبة ما يقصده على وجه الدقة, وأن أبرز ما يميز الترجمة التواصلية عن الترجمة الدلالية هو مبدأ "التأثير المعادل", موافقا في ذلك كولر Koller الذي سبقه في تبني هذا المبدأ. يرى نيومارك أن الترجمة التواصلية تحدث في قرائها أثرا يعادل الأثر الذي يحدثه النص الأصلي في قرائه, وذلك من خلال ملاحظة السياق الذي يدور عليه المعنى الأصلي, بينما تهدف الترجمة الدلالية إلى نقل البنى والدلالات المعجمية للألفاظ من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف وهو ما تقوم به المعاجم على اختلاف أنواعها. و لتبسيط الفرق بين الترجمتين يقدم نيومارك مثالا بترجمة عبارة كتبت باللغة الألمانية (Hund Bissiger )

أو باللغة الفرنسية ( Chien méchant ) , فعندما نقول "احترس من الكلب " Beaware of dog فإننا نقدم ترجمة تواصلية, بينما إذا ترجمنا العبارة نفسها بـ " كلب يعض " bites Dog that أو بـ" كلب متوحش" Savage dog فإننا نترجم أو نعبر دلاليا. وعلى الرغم من أن الترجمة الدلالية تعطي "معلومات أفضل ولكنها أقل فعالية وتأثيرا " من الترجمة التواصلية, فالترجمة الأولى للعبارة " أسلس أسلوبا وأكثر بساطة ووضوحاً " بالنسبة إلى القارئ أو السامع من الترجمة الدلالية. وبشكل عام, يعتقد نيومارك أن أغلب النصوص تتطلب ترجمة تواصلية, لا دلالية, فمعظم الكتابات غير "الأدبية" والصحافة والمقالات والكتب الإعلامية والكتب الدراسية والتقارير والكتابة العلمية والتقنية والمراسلات غير الشخصية والدعاية السياسية والتجارية والإعلانات العامة والكتابات المقننة والقصص الجماهيرية, كل هذه تشكل حسب اعتقاده مادة نموذجية للترجمة التواصلية, بينما تتطلب الكتابات الإبداعية التي تكون لغة الكاتب أو المتكلم فيها أهم من محتوى كلامه - سواء كانت فلسفية أو دينية أو سياسية أو علمية أو فنية أو أدبية - ترجمة دلالية تكون قريبة ما أمكن إلى أبنية الأصل المعجمية والنحوية.

الترجمة فن لكنها فن يقوم على العلم. ويرى البعض أن هذا العلم هو علم اللغة أو اللسانيات, وأن من أوضح تطبيقات اللسانيات الحاسوبية محاولة تطوير أداة لترجمة آلية, وأننا نعيش الآن بداية ثورة ستغير العالم: ستقربنا تكنولوجيا الترجمة الآلية بصورة كبيرة من إيجاد نظام اتصالات عالمي, مع المحافظة في الوقت نفسه على ثراء التنوع اللغوي والثقافي وثرائه. وتتمثل أداة هذا التحول في نظام الترجمة الآلي التزامني

Système de Traduction Automatique Synchrone (STAS)(7).

ومن النظريات المهمة في الترجمة النظرية التفسيرية التي تدرس في المدرسة العليا للترجمة الفورية والتحريرية. ESIT تعتبر النظرية التفسيرية الترجمة حلقة من سلسلة التواصل التي تقيم علاقة بين مؤلف النص الأصل من جهة وقارئ النص المترجم من جهة أخرى. تقول ماريان لوديرير Marianne Lederer: " تتصف الترجمة التفسيرية بثلاث مراحل ترد ضمن تسلسل اتفاقي تقريباً, وغالباً ما تكون متداخلة وغير متتابعة, ولكننا نستطيع تقديمها بشكل منفصل لتسهيل العرض: فهم المعنى –تعريته من ألفاظه الأصلية - إعادة التعبير" . إن المرحلة المتوسطة ضرورية لتجنب المنامطة(الترجمة اللغوية) والمحاكاة (الترجمة الحرفية). ومن الأمثلة التي تسوقها لوديرير عن منامطة الكلمات والجمل كلمة liberated في المثال

Behind every liberated woman, there is another woman who has to do the dirty work for her,

حيث يؤدي عدم تعرية المعنى من ألفاظه الأصلية إلى مشكلة في التعبير, والجملة She always knows where his shirts are

التي يؤدي فيها عدم تعرية المعنى من ألفاظه الأصلية أيضا إلى الترجمة الحرفية. وترى لوديرير أن مسألة تعرية المعنى من ألفاظه الأصلية مسألة منهجية, وأن الذين لا يدركون ضرورتها تصبح مهمتهم صعبة: " إما أنهم يكتبون ترجمتهم من دون أن تفارق أعينهم النص الأصل, وإما أنهم لايصيغون جملتهم صياغة ذهنية قبل أن يسجلوها على الورق, وتكون النتيجة أكثر رعونة إذا عبروا عن فكرة متحررة كليا من غطائها اللفظي". وتوضح لوديرير هذه النقطة بالجملة

( He starts screaming he didn't marry a woman who would ignore her house and children )

التي أدت إلى عدد كبير من الأخطاء, وكان ينبغي من أجل التعبير عنها أن يتم فهمها بعيدا عن البنية اللغوية كما في الترجمة التالية:

Il pousse les hauts cris en disant que sa femme abandonne ses enfants et son foyer et qu'il ne s'est pas marié pour ça. إن المترجم يفسر كلمات النص الأصلي من أجل فهم معناه, ثم يعيد صياغته لينتج نصا ثانيا, يكون تاثيره على القارئ الجديد هو نفس تأثير النص الأول على قرائه. فإذا كان هدف الترجمة, حسب النظرية اللغوية هو القول, فإنه حسب النظرية التفسيرية, معنى القول:"إن المعنى, بسيطا كان أم معقدا, هو الغاية التي تسعى اللغة إلى بلوغها, وهو العنصر الرئيس للعلاقات بين البشر, وهو أيضا الهدف الذي ترمي إليه الترجمة".

زد على ذلك أن النظرية اللغوية تعتبر أن النص وحدة مغلقة ذات بعد واحد. يتألف النص من مجموعة من الكلمات المتتالية التي تعطي التراكيب التي تؤدي بدورها إلى الجمل. فالنص عبارة عن سلسلة من الجمل. وبالمقابل, يؤخذ النص في النظرية التفسيرية بديناميكيته, أي باعتباره وحدة مفتوحة ذات أبعاد ثلاثة: البعد الأفقي (البعد الأول) الذي تمنحه إياه النظرية اللغوية, والبعد العمودي (البعد الثاني) المتمثل في ارتباط الأفكار والحجج التي يعرضها, والبعد العرضي (البعد الثالث) المتمثل في علاقة النص بنصوص أخرى وفي انتمائه إلى نوع معين. وهكذا نجد أن موقف النظرية اللغوية من النص موقف وضعي, فهي تتخذه حقلا لبحثها وتعتبره وحدة مغلقة بعيدة عن عين المراقب ومستقلة استقلالا كليا عنه, بعكس النظرية التفسيرية التي تتطلب مشاركة المراقب القارئ في النص وذلك عن طريق تفسيرة لما وراء القول وتكيفه مع النص, إذ لا وجود للنص المكتوب من دون تدخل هذا القارئ المراقب الذي يستطيع إظهار المعنى من خلال التفسير, ولاوجود للنص الذي سيكتبه إن لم يأخذ بعين الاعتبار القارئ الذي يتوجه إليه بدوره, أي في بعده التواصلي. فالترجمة لا تتطلع إلى تحقيق المطابقة في التركيب بين الأصل وترجمته, وإنما "إلى تحقيق المطابقة في التأثير على القارئ. و من أجل الحصول على هذه المطابقة " لا بد من تكيف ثقافي في الترجمة يسد الفوارق في رؤية العالم بين مجموعة قراء النص الأصل وجمهور الترجمة الجديد".

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة