تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الترجمة الإلكترونية العربية

بقلم: د/ روحي البعلبكي

مهما يكن من أمر، فقد صدرت بعض برمجيات الترجمة الإلكترونية العربية، ولا سيّما تلك التي تتولى النقل من الانجليزية إلى العربية وبالعكس، كبرنامج المترجم العربي (ومختصره الوافي) الذي يعمل على الحواسيب الشخصية ولكنه لا يقبل سوى الانجليزية البريطانية دون الأمريكية، ونظام أبتيك Apptek، وبرنامج الناقل العربي لشركة سيموس Cimos صاحبة نظام MLTS، ونظام عربترانز من شركة آراب نت Arab Net، وبرنامج النشر العربي Rapid Publish من شركة Knowledge View، وبرامج شركة صخر (القارئ الآلي، سندباد، ناشر نت إلخ)، وتقوم هذه البرمجيات بتحليل التراكيب الصرفية والنحوية والدلالية للنص الانكليزي لتقدم نصاً مترجماً باللغة العربية بمعدل سرعة تتراوح بين 500 وألف كلمة في الدقيقة (30 إلى 60 ألف كلمة في الساعة). وقد لاقت قبولاً و/ أو استحساناً في مجال ترجمة النصوص التقنية ككتّيبات الصيانة وكتالوجات الإرشادات وكراريس التعليمات للمستعمل وبيانات التعريف بالأدوية وما شابهها من نصوص منمطة منمذجة.

غير أن جلّها يعاني من انخفاض مستوى الدقة، ولا يزال بالتالي في حاجة ماسة إلى تطوير وتحسين، وبخاصة على يد خبراء في الترجمة، وليس فقط في الهندسة كما يحصل عادة. وقد اطّلعت شخصياً على عروض قدّمتها الشركات المنتجة للبرامج المذكورة، وحاولت خلالها بالطبع إظهار أقصى قدراتها وأفضل إمكاناتها، فلمست نقصاً هائلاً في الدقة المطلوبة. مثلاً : ترجمت عبارة صدر الاسلام أي بدايته بـ : Chest of Islam أي ما بين العنق والبطن، وترجمت عبارة القرن الثالث للهجرة هكذا : Third century of migration، وعبارة المشتغل بهما هكذا : The worker by them were.

وفي الترجمة إلى العربية ترجمت If you require…, do not hesitate to contact us هكذا : إذا أنتم تطلبون.. لا تترددوا للاتصال بنا. وترجمت We are sure you will be pleased هكذا : نحن واثقون أنتم فرحون. وترجمت عبارة Our fabrics which are famous هكذا : أقمشتنا التي مشهورة. وترجمت عبارة To hear the good news هكذا : لسمعٍ بالأخبار الجيدة.

وإذا أضفنا إلى ذلك كون معظم نصوصها غير مشكولة، فإننا لا ندري كيف تستطيع أن تترجم إنه كريم غير المشكولة فهل هي تعني الكرم كصفة، أم اسم علم كريم، أو تشبيهاً للشخص بالريم أي الغزال، وكيف ستتمكن من أن تترجم بعض العبارات ذات المعاني الملتبسة من مثل يقيني يقيني أي ثقتي تحميني أو اقتناعي يصونني، ناهيك ببعض الكلمات التي قد تكتب بطريقة صحيحة إملائياً ولكنها تكون خاطئة نحوياً، مثلاً : اجتمعتُ بجماعة الموظفون.ليس هذا الكلام تجنّياً على ما هو متوافر لدينا، فالحق يقال إن منتجي هذه البرامج هم مبدعون مبتكرون مقدامون يستحقون أعظم الشكر وأعطر الثناء. وإننا نعوّل كثيراً على بذلهم مزيداً من الجهود لإحراز نتائج أفضل. وقد حظيت معظم برامجهم بإعجاب وإطراء من عدد لا بأس به من المتخصصين حين عرضت في معارض عالمية، وبخاصة في جايتكس – دبي.

ما هي وضعية اللغة العربية على الخصوص في سياق الترجمة الإلكترونية؟

تمتاز العربية بأقصى درجات الغنى اللغوي، والثراء التركيبي، والتنوع الألسني، والتعدد المصطلحي، فضلاً عن فضاء بلاغي رحيب، ومرونة نحوية رهيبة، وأسلوبية تعبيرية منمقة، وتشعب يكاد يكون غير محدود في ظلال المعاني وأوجه الدلالات.ويصعب تصوُّر فهم بنية اللغة العربية من غير تشكيل أو تحريك. فكيف نميِّز بين مولد ومُوَلَّد؟ وكيف نفرق بين لِيَومٍ واحِدِ ولَيَومٌ واحِدٌ دون تشكيل؟ أو بين عَلِمَ وعُلِمَ وعَلَّمَ وعِلم وعَلَم؟ أو بين تَصَدَّرَ وتَصدُرُ وتُصدِرُ وتُصَدِّرُ وتُصَدَّرُ وتَصَدُّر؟ ولذا قيل إن العربية هي اللغة الوحيدة التي عليك أن تفهمها قبل أن تقرأها، في حين ان سائر اللغات تقرؤها قبل أن تفهمها.

ألا يقتضي ذلك أن تُضبَطَ الكتابة العربية وتُحَرَّكُ كما ينبغي؟، لا سيَّما وأن الكتابة العربية انتقلت من طور كانت فيه غير منقوطة فنُقِّطَت، ومن طور كانت فيه غير مشكولة فشُكِّلَت؟ أم ترانا نبغي العودة إلى الوراء ونسعى إلى أن نرجع القهقرى؟

صحيح أن الكتابة العربية غير المشكولة وغير المهموزة وغير المشدودة تثير لبسا وغموضاً وصعوبات، ولكن البديهي أن كل ذلك هو جزء لا يتجزأ من حياتها وحركيتها بل وحيويتها بالذات. وإلا فما الفرق بين بانَ وبَاَن وبِاَنَّ؟ إلكترونياً، تعاني برمجيات الترجمة الآلية العربية ـ وكما هو متوقع ـ من صعوبات شتى ناجمة إما عن خصوصية العربية أو عن عدم التوحُّد القياسي في كتابتها، وفي مقدمتها الصعوبات التالية. كثرة المعاني، وتنوُّع الظلال، وتشعُّب الدلالات للمفردة الواحدة، عدم توحيد المصطلحات أي الاشتراك اللفظي أو استعمال عشرات الكلمات للدلالة على اسم واحد أو معنى بعينه، كثرة الترادف، كون اللفظة الواحدة تحتمل المعنى وضده في آن، شيوع الدلالة المجازية، وفرة الخصوصيات التعبيرية المحلية والقطرية، وفرة العبارات الاصطلاحية، وفرة المُحَسِّنات البديعية والتفنُّنات البلاغية والتخريجات الجمالية، صعوبة كتابة العدد، التأنيث والتذكير، المثنى والجمع وجمع الجمع، إهمال كتابها عموماً للاستعمال المنضبط أو الواضح لوسائل الترقيم والترابط (الفاصلة والنقطة والشَّولَة المنقوطة والجُمَل الاعتراضية) مما قد يثير التباساً في المعنى، تعدد أشكال الكتابة الإملائية (ديمقراطية، دمقراطية، دموقراطية ـ أوكسجين، أكسجين، أكسجين ـ شئون، شؤون ـ جغرافيا، جغرافية).

إن كل ذلك لا يقلل من مكانة هذه اللغة العظيمة، غير أنه يطرح مشكلات آلية على الترجمة الإلكترونية. ومؤسف أن نلاحظ أن علينا أن نضيف إلى تلك المشكلات، الأخطاء اللغوية الفاضحة التي يرتكبها معدو بعض البرمجيات الإلكترونية، ونَحرَهم للقواعد الصرفية والنحوية وحتى الدلالية، وإقلاقهم المستمر لراحة نفس المسكين سيبويه. وحسبنا أن نذكر أن أحد نظم الترجمة الآلية يعطيك فعل الأمر من وقى على شكل وق بدلاً من قِ، في حين يتخبط سواه في فيافي اللحن والركاكة رغم ادعائه أن برنامجه ـ في عُرْفِه وعلى قدر معرفته ـ يتمتع بأقصى درجات الدقة والفصاحة.

العربية والمصطلح العربي( جديد):

ولا شك أن تعميم استعمال وإشاعة إتقان المعارف بها وبواسطتها إنما يساعد على بعث نهضة علمية وفكرية متجددة، ناهيك عن ترسيخه للهوية العربية عبر تبنِّي العربية كلغة للتفاعل التواصلي والاتصالي والانترنتي، وكلغة تدريس في مختلف المستويات التعليمية، وكلغة للبحث العلمي، ضمن مشروع حضاري ذي بعد علمي ورؤية قومية، إذ ما من أمة أبدعت إلا بلغتها، وما من أمة صنعت حضارة إلا وكانت لغة التعليم لغتها. أليست اللغة الأم هي التي ترقى برقي الأمة، وتنهض معها وبها؟ فاللغة هي الفكر، وهي التاريخ، وهي الرابط وهي الذات، مع العلم أن اتقانها لا يعني الإحجام على تعلُم سواها من اللغات الأجنبية الحية والتعامل معها. وما من ريب في أن إشاعة ترجمة المراجع الأساسية إلى العربية إنما سيساعد على تعميم التعليم بالعربية وسيصب في مصلحة اعتماد لغتنا لغة تدريس عام. وبذلك تصبح المادة العلمية في متناول الجميع بدلاً من انحصارها بيد أقلية متخصصة، ناهيك بأن هذه الأقلية التي غالباً ما تتقن اختصاصها بلغة أجنبية سوف تسهم عن وعي أو من دون وعي في رفع المستوى العلمي عن طريق متابعتها للعلوم بلغتها الأم، الأمر الذي سيضع حداً لذاك الانفصام في شخصية الأمة التي تتحدث بلغتها وتدرس بلغة سواها. لن نتطور ونتقدم إلا بالعلوم، ولن يسهل فهم العلوم أو تنتشر إلا بلغتنا الأم، وإلا غدونا خروفا هزيلاً في هذا القطيع الالكتروني e – herd (الذي يتحدث عنه الغرب) فاقداً للغته الخاصة ولهويته الوطنية وشخصيته القومية.

وتنظر المنظمة العربية للترجمة الى الترجمة نظرتها الى وسيلة تحاور توسع دائرة التلاقح الثقافي، والاكتساب المعرفي، والاستيعاب العلمي، وبالتالي بوصفها حوار حضارات، وتفاعل ثقافات، ونافذة اطلاع عبر اللغة، في عصر بات يمتاز بتحديات التداخل اللامتناهي بين الأمم والحضارات، ولذا فإن من مهام المنظمة أن تكون نقطة انطلاق مركزية وغرفة مقاصة وتنسيق clearinghouse تعالج الأزمات وتحل المشكلات، ولا سيما المتعلقة بتعريب المصطلح العلمي في محاولة لتوحيد المصطلحات العربية التي تعاني من التشتُّت والتفلُّت وعدم الاستقرار. وأزمة المصطلح تستدعي منا إحياء للمصطلحات العربية وتقعيداً وتقييساً وتوحيداً وحوسبة انطلاقاً من قناعتنا بضرورة تعاطي العلم باللغة العربية تأليفاً وترجمة وتدريساً وتبسيطاً وتعميماً. فالمصطلح هو فعلياً ما اصطلحنا عليه، وما معيار انتشاره سوى الاستخدام المستقر المتواتر ولاشيء يمكنه ان يحقق ذلك أكثر من انتشار استخدام العربية في المضمار العلمي واللسان التقني. إن الحاجة تسبق الوسيلة، والوظيفة تسبق الآلة بل تُوَلِّدها وتحدِّد ديمومتها أوتقرِّر زوالها، ونحن اليوم أحوج ما نكون الى تثبيت المصطلح وتعميم العربية توصلاً إلى تراكم المعرفة، كيلا نُلفِي أنفسنا ونحن نبدأ كل مرة من الصِّفر.

وجلي أن الترجمة تتطلب توافر المصطلح المستقر والشائع لكي تنجح، كما أنها من ناحية مقابلة، إنما تساعد بدورها على انتشار المصطلح واستقراره، في علاقة نفعية تبادلية بينهما.

ولا يسعنا سوى أن نشير إشارة خاطفة إلى التقصير الفادح الذي يشوب معاجمنا العربية التي تكاد تخلو من التعريفات الدقيقة، والدلالات الحاسمة، والايضاحات الجامعة المانعة، والمترادفات الوافية، والتعابير الاصطلاحية، والألفاظ المركبة، والكلمات الجديدة، والمعاني المستحدثة، والاستعمالات المتجددة، والمصطلحات العلمية، الأمر الذي يدفعنا إلى الدعوة مجدداً إلى نهضة معجمية تحديثية عربية ترقى بالصناعة المعجمية العربية الى المستوى العالمي المقبول.

وقد ارتأت المنظمة العربية للترجمة أن تعتمد الترجمة الآلية أساساً مقبولاً وواسطة سريعة إلى جانب اعتماد سائر الأنظمة التقنية من بنوك مصطلحات آلية وقواعد بيانات ومعطيات، وذلك بصورة مدروسة وواعية، فتختار أفضل المتوافر وتحاول تحسين الراهن. ولئن كانت جميع الشركات العملاقة المنتجة تطرح ما هو جاهز لديها من برمجيات في الأسواق قبل أن تصل إلى درجة المثالية، وتجهد لتطويرها وهي قيد التداول، فلا يفترض بالمنظمة أن تنتظر اكتمال الحلول، بل يجدر بها الإفادة من الإمكانات المتاحة في الوقت الحاضر والعمل على تكييفها حسب احتياجاتها وإدخال التحسينات المناسبة عليها.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة