تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



شقاء العاقل ونعيم الجاهل

بقلم الدكتور: أسامة شفيع السيد*

يقول أبو الطيب المتنبي:

ذو العقلِ يَشقى في النعيم بعقله * وأخو الجَهالةِ في الشَّقاوةِ يَنعم

العاقل شقِيٌّ (من المشقة لا من الشقاوة)، والجاهل هَنِيُّ (وهي هَناءة البَلَهِ والسَّفاهة وفراغ البال). وشقاء العاقل يأتيه من قِبَله ومن قِبَل مَن حوله. فأما ما يكون من جهته فأنه لا ينفك باحثًا عن علل الأشياء، فإذا غمرته النعم شُغل عن التلذذ بها بالبحث في معنى النعيم وحقيقته، وفي أسباب زواله وأسباب استدامته، وفي الفرق بين نعيم الدنيا المنغَّص بالكدورات أبدًا، فليس نعيمًا على الحقيقة، لكونه مشوبًا غيرَ محض، ونعيمِ الآخرة الذي لا يُدرك إلا بخوض الأهوال، والارتياض بالمشاق، كما أومأ إليه أبو تمام في سياق المدح:

بَصُرتَ بالراحة الكبرى فلم تَرَها * تُنالُ إلا على جِسرٍ من التعبِ

وأما ما يأتي العاقلَ من قِبل الناس، فأنه لا يجد فيهم من يسلك سبيله إلا تَحلةَ القَسَم (أي إلا قليلا)، وفي الخبر عن الحَبر ابن عباس (رضي الله عنهما): "يأتي زمان على الناس يُرفع فيه العقل، فلا تكاد تجد أحدًا ذا عقل"، وليس المراد بالعقل هنا ما يناقض الجنون، ولكن الحكمةَ الي هي سداد القول والعمل. ومن تأمل أحاديث الناس من حوله تبين أن أكثرها خِلوٌ من العقل جملة، فلا مقدمات ولا نتائج، وإذا وُجدت لم تفض الأولى في كلامهم إلى الأخرى إفضاء طبيعيًّا. وربما أوردت سؤالا فأتاك الجواب عن شيء آخر لم تسأل عنه، لأن المسؤول لم يحسن تصور السؤال، فأجاب عما فهم، وقد فهم غير ما سمع، وأجاب عن غير ما سئل عنه، وظن -مع ذلك- أنه قد وفَّى الأمر حقه، وهذا هو الجهل المركب الذي لا سبيل إلى مداواته.

والحق أن هذا النمط من الجهل يصيب -فيما دلت عليه المشاهدات ووقائع الحس- كثيرًا من الطلاب، فتراهم يجيبون في الامتحانات عن غير ما سئلوا عنه، إما جوابا لا تعلق له بالسؤال أصلا، وهذا شر أحوالهم، وإما زيادة في الجواب عن المطلوب أو قصورًا دونه. وأذكر -في هذا الصدد- أنني وضعت امتحانًا للدبلوم الخاص في الدراسات العليا، وذيلته بهذه الملاحظة:

ملاحظة: الزيادة في الجواب عن المطلوب كالنقص منه: كلاهما دليل على خلل في تصور السؤال، وكلاهما مؤثر بلا شك على تقييمك النهائي.

ولهذا المعنى لم يكن من وَكدي أن أحشو عقول طلابي بالمعلومات، ولكن أنْ أَهديهم سبيلَ الرشاد: سبيل التفكير المنطقي الدقيق المرتب، وإن شئت قلت: المنهج. وأذكر -على ذُكْرٍ من المنهج ـ كلمة للإمام الشافعي يقول فيها: "من تعلم النحو هِيب، ومن تعلم العربية رق طبعه، ومن تعلم الحساب جَزُل رأيه، ومن تعلم الفقه نَبُل قدره"، فكتبتُ تعليقًا عليها:

من اللافت للنظر أن حض الإمام على تعلم الحساب جاء عقب ذكره النحو والعربية، وهما "وسيلة" الفقيه، وقبل حديثه عن الفقه، وهو "غايته"، ولا يكون بين الوسيلة والغاية إلا "المنهج"؛ أريد ما في علم الحساب "التقليدي" من الانضباط والحتمية! 

فإذا ما عرَّجنا على الجاهل المتنعم، علمتَ مما أسلفناه لك سرَّ تنعمه، وهو خلوُّ نفسه من هذه الأشياء كلها؛ ولذلك قلنا إن هناءته سببُها السفاهة وفراغ البال. وهذا حال أكثر الناس، وفي الحديث: "إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة"، ومن معناه، كما حكاه الخطابي، واستجاده النووي (رحمهما الله تعالى): "أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَهْلُ نَقْصٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْفَضْلِ فَعَدَدُهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِل الحمولة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُون)". وينبيك هذا عن السبب في أن الكثرة الكاثرة ممن يَلون الأعمال العامة ضعاف العقول لأنهم ثمرة إشراك العامة في الاختيار، والعامة كثرة وأغلبية، ولابد أن تجنح نفوسهم وقلوبهم إلى من يشاكلهم، "فشِبْهُ الشيء منجذبٌ إليه"، كما قال أبو الطيب، ثم شفعه بما يدلك على معنى ما تقدم بقوله في العَجُز: "وأشبهُنا بدنيانا الطَّغَامُ"؛ يريد أن أهل الحظوة في هذه الدنيا السوقة والرعاع. وقديمًا قال الأول، وهو من أبكر النقود للديموقراطية:

هُمُ سؤَّدوا نصرًا، وكلُّ قبيلة * يُبَيِّن عن أحلامها مَن يسودها

وفي انتفاء العلاقة بين العقل والعلم والرزق يقول رهين المحبسين (أبو العلاء المعري):

لا تــطلبن بــآلـةٍ لــكَ رتـــبــةً * قلمُ البليغ بغير حظٍّ مِغزلُ

سكن السِّماكان السماءَ كلاهما * هذا له رمـح، وهذا أعزلُ

ويقول حبيب بن أوس (أبو تمام):

ينــال الفتى من دهــره وهو جــاهل * ويُكدي الفتى في دهره وهو عـالمُ

ولو كانت الأرزاق تأتي على الحِجا * إذن هـلكـت مـن جـهلـن البـهــائـمُ

(يُكدي: يفتقر، الحجا: العقل).

وفي الختام: وددت لو وضعت شرحًا على المتنبي يمضي على هذا النمط.

_______________

*الدكتور/ أسامة شفيع السيد

مدرس بقسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة

وخبير بمجمع اللغة العربية.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة