تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



معنى الترجمة العلمية بين الصواب والخطأ

د. محمد عناني

أرجو في هذا الحديث أن أصحح خطأ شاع حتى كاد يصبح صحيحًا بسبب شيوعه، ألا وهو ما يسمى بالترجمة العلمية، والمقصود بها ترجمة العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وما يتصل بها من قريب أو بعيد مثل الطب بفروعه والهندسة بفروعها، إلى جانب الرياضيات، وهو ما يعنى استبعاد العلوم التي نطلق عليها صفة العلوم الإنسانية منذ القرن التاسع عشر، كأنما كانت ترجمتها لا تنتمى إلى الترجمة العلمية بمفهومها الشائع، فالناس يتصورون أنها ’غير علمية‘ – وهذا خطأ فاحش – بل قد تنصرف إلى ما يسمى الترجمة العامة، والمقصود في مناهجنا الدراسية بها ترجمة المادة الإعلامية، أي لغة الصحف ووسائل الاتصال الجماهيرية الأخرى [ولهذه مشاكل لا حصر لها ولا مجال لمناقشتها هنا] إلى جانب ما يسمى بالعلوم النظرية مثل التخصصات المختلفة في كليات الآداب والحقوق والتجارة، وسوف أبين أن ترجمة هذه التخصصات من الفلسفة إلى الاجتماع إلى التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة والقانون والتجارة، واللغات، ترجمة علمية بأدق معنى للكلمة، وأن الخطأ الذي أدى إلى عدم إدراك ذلك خطأٌ تاريخيٌّ توارثناه، ولا نكاد نستطيع التخلص منه أو حتى تعديله، ومن ثم أبدأ بعرض القضية عرضًا علميًّا بالمعنى الصحيح للكلمة، حتى ولو اقتصرت على المفهوم الديكارتي العقلاني الذي يثير مناظرات لا تزال مندلعة بين الفلاسفة.

بدأ الخطأ في أواخر الثلاثينيات حين تحولت شهادة البكالوريا في التعليم العربي في مصر إلى شهادة التوجيهية، وكانت أولًا شهادة عامة لا تتضمن شعبًا متخصصة وتسبقها شهادة الكفاءة وهي أيضًا شهادة عامة أقرب إلى التعليم المتوسط في هذه الأيام، ولما جاءت التوجيهية جاءت معها شهادة تسبقها هي شهادة الثقافة العامة، ويدرس الطالب فيها جميع التخصصات العلمية والنظرية والأدبية والفنية، ثم تأتى التوجيهية لتنقسم إلى ثلاث شعب هي الشعبة العلمية والشعبة الأدبية وشعبة الرياضيات. وسُمِّيَتْ بالتوجيهية لأنها توجه الطالب إلى دراسة جامعية متخصصة إما في العلوم الطبيعية وإما في العلوم النظرية التي كانت ولا تزال تسمى الآداب، وأما الشعبة الرياضية فكانت تؤهل الطالب أساسًا لدراسة الهندسة، وإن كان المتخصص فيها يستطيع التخصص في أي مجال يريده. واستمر هذا النظام قائمًا حتى عام 1955 إذ أُلغيت شهادة الثقافة العامة، مثلما ألغيت الكفاءة قبلها، وأصبحت التوجيهية تسمى شهادة إتمام الدراسة الثانوية، واستمر التقسيم قائمًا بين العلمي والأدبي والرياضي، مع تعديلات في شكل هذه السنة فهي أحيانًا سنة وأحيانًا سنتان وفقًا لأمزجة وزراء التربية والتعليم، والتي يشير إليها الناس باسم ’ الثانوية العامة‘.

أدى شيوع هذا النظام وقبوله إلى شيوع الظن بأن الشعبة العلمية التي يشار إليها بالمختصر” علمي “مضادة للشعبة النظرية التي يشار إليها بالمختصر” أدبي“. ومرور ما يربو على نصف قرن من هذه التقاليد جعل الناس تنظر إلى العلم والتعليم نظرة ثنائية، وحتى حين ازدهرت الترجمة في النصف الأخير من القرن العشرين، وتُوِّجَتْ عالميًّا بظهور المبحث العلمي البيني الجديد، وهو دراسات الترجمة – نتيجة التلاقي بين علم اللغة الذي ازدهر في الفترة نفسها وبين دراسة الأدب المقارن الذي أصبح يشغل موقعًا بالغ الأهمية في جامعات العالم – أقول حين حدث ذلك، لم تتغير نظرة الباحثين والممارسين إلى معنى ’العلمي‘ والأدبي‘، ولم يحاول أحد أن يستبدل ’بالأدبي‘ صفة أدق مثل العلوم النظرية أو العلوم الإنسانية، بل ظللنا أسرى تركة الثانوية العامة، فكأنما أصبحت ترجمة كتاب في الفلسفة أو علم الاجتماع مساوية نوعيًّا أو قل موازية لترجمة عمل شعرى أو مسرحي أو روائي، فكلها ”أدبى“! لن يقول أحد بهذا اليوم بطبيعة الحال فنحن المترجمين والدارسين نعرف الفرق بين ترجمة كتاب مثل  Wahrheit und Methode أي الحقيقة والمنهج لجادامر

أو Sein und Zeit أي الوجود والزمن لهايديجر وبين ترجمة رواية لكاتب أجنبي معاصر، فالفروق أوضح من أن تذكر ولكن الأعمال العلمية في الإنسانيات منفية من مملكة ”العلمي“، أي إن إقصاء العلوم الإنسانية من ساحة الترجمة العلمية أصبح أمرًا شائعًا إلى حَدٍّ يدعو للقلق، وأظن أنه قد آن الأوان للنظر في الخصائص التي تجعل العمل علميًّا أو تنفى عنه صفة العلم، وأن ننظر بعد ذلك (كما أنتوى أن أفعل في هذا الحديث) إلى الخصائص التي تجعل الأدب أدبًا أو الشعر شعرًا. وسوف أستعين في عرضي بالأمثلة حتى يستبين لنا الأمر بوضوح وجلاء.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة