تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الوظيفية والمنعطف الثقافي (Functionalism and the Cultural Turn)

يشير ما يسمى “المنعطف الثقافي” إلى حركة في العلوم الاجتماعية تدمج المسائل ذات الأعراف الاجتماعية والثقافية، والتاريخ والسياق مع تطور الدراسات الثقافية. يعود تاريخها إلى حوالي عام 1980، فقد شهد هذا “المنعطف” رفض للنظريات القائمة على التكافؤ اللغوي لصالح التركيز على الأمور غير اللغوية والتفاعل بين الثقافات، بحيث أصبحت نظرية الترجمة، التي كان وُينظر إليها سابقا كتخصص فرعي من اللغويات التطبيقية أو الدراسات الأدبية، تُعرف كنهج جديد متعدد التخصصات. وكما علق ثيو هيرمانز فإنه “كان أساسا يُنظر إلى الترجمة من حيث العلاقات بين النصوص، أو بين الأنظمة اللغوية. اليوم يُنظر إليها على نحو متزايد بأنها صفقة معقدة تجري في سياق تواصلي اجتماعي ثقافي. وهذا يتطلب أن نضع المترجم ككائن اجتماعي في الصورة تماما. (Hermans, 1996:26)

ويمكن تلخيص التطورات الجذرية التي ظهرت في هذا الوقت في التصريح التالي لإدوين جينتزلر (Edwin Gentzler):

لقد كان التغيرين المهمين في التطورات النظرية لنظرية الترجمة على مدى العقدين الماضيين هما (أ) التحول من النظريات الموجهة نحو النص المصدر إلى  للنظريات الموجهة نحو النص الهدف، و(ب) الاتجاه لتضمين العوامل الثقافية وكذلك العناصر اللغوية في نماذج التدريب على الترجمة. كان أولئك الذين يدعون إلى المناهج الوظيفية روادًا في كلا المجالين. (Gentzler, Edwin., 2001:70)

يقصد جينتزلر بالنظريات الموجهة نحو النص المصدر مفاهيم التكافؤ التي تهيمن عليها اللغويات منذ منتصف القرن العشرين وما بعده، وخاصة نظريات نيدا الموصي بها في الستينات والسبعينات، حيث كرس في الواقع صفحات كثيرة لانتقاد مفهوم التكافؤ الحيوي. وبخصوص النظريات الموجهة للنص الهدف يتحدث جينتزلر عن المناهج الوظيفية مثل نظرية سكوبوس[2] (skopos theory). يشير “التحول لتضمين العوامل الثقافية” إلى نهج علماء الترجمة متعدد التخصصات المذكورين أعلاه، والذين دعوا إلى تحويل التركيز نحو نهج يأخذ في اعتباره المسائل الأوسع للسياق الاجتماعي والثقافي. إن ظهور المناهج الوظيفية ينبغي أن يجلب إلى الواجهة مجموعة متنوعة من الترجمات، اكون ملاءمة أكثر لغرض نص هدف معين في الثقافة الهدف.

نظرية سكوبوس (Skopos Theory)

من أشهر المناهج الوظيفية هي نظرية سكوبوس، التي طورها هانز فيرمير (Hans Vermeer) في أواخر السبعينات، وقد أصبحت نظرية سكوبوس أشهر المناهج الوظيفية. قام هو وكاتارينا ريس (Katharina Reiss) بتطويرها في كتابهما المنشور عام 1984، بعنوان “أسس النظرية العامة للترجمة” (Grundlegung einer allgemeinen Translationstheorie). كانت القاعدة الغالبة هي أن النص الهدف يُحدد بوظيفته (Reiss and Vermeer 1984: 119).

بالنسبة للوظيفيين (functionalists)، فإن ما يجعل النص الهدف “جيد” هو ما إذا كان يصلح للغرض، وعلى حد قول كريستيان نورد (Christiane Nord) فإن “الغاية تبرر الوسيلة” (Christiane, Nord., 1997:29). إن الهدف الرئيسي من الترجمة هو تشكيل نص هدف يكون وظيفيا في مجتمع الجمهور الهدف، ومن حيث الأهمية، فإن تحقيق التكافؤ مع النص المصدر يشكل أولوية أقل. لقد وصف فيرمير النص المصدر بأنه تم “خلعه” (Vermeer, Hans J., 1986:42). ونتيجة ذلك هو أنه لا يوجد ترجمة واحدة “صحيحة” ولكن توجد أغراض متعددة (skopoi) للترجمة. وبما أن هناك عددا لا حصر له من الجمهور الهدف المحتمل الذين يمكن الترجمة لهم، فإن هناك أيضا عدد لا حصر له من الأغراض المتعددة المحتملة (skopoi). “إذا توجّب أن يكون النص وظيفيا لشخص معين أو مجموعة من الأشخاص، فإنه يجب أن يكون متلائما مع احتياجاتهم وتوقعاتهم. إن النص “المرن” الذي يقصد به ملائمة جميع المستقبلين وجميع أنواع الأغراض سيكون حتما غير صالح لأي منهم بالتساوي، وأن أفضل طريقة لتحقيق غرض معين هي عن طريق نص مصمم خصيصا لهذه المناسبة” ( Nord 2000:195).

يلاحظ سنيل-هورنبي (Snell-Hornby, 2006: 52) أن “هذا النهج يقرب كل من النص والترجمة: إن الترجمة المثالية الوحيدة لا وجود لها، وأي ترجمة تعتمد على أغراضها (skopos) ووضعها”. العواقب، بالتالي، تتضمن حدا لنقاش طويل حول أفضل طريقة لترجمة الإنجيل. يمكن للنهج الوظيفي أن يغلق المناقشة القديمة حول المزايا النسبية التكافؤ الرسمي (أو التوافق الرسمي) والتكافؤ الحيوي. كما لاحظ جينتزلر، فإن ظهور نظرية الترجمة الوظيفية يمثل لحظة مهمة في تطور نظرية الترجمة وذلك لكسرها سلسلة الألفي سنة من التنظير الذي يدور حول المحور المخلص مقابل الحر. يمكن للمناهج الوظيفية أن تكون إما أحدها أو الآخر، ويكون لا يزال صحيحا للنظرية، طالما أن النهج المختار كاف لهدف الاتصال. (Gentzler, 2001: 71).

ويجب التأكيد على نقطة أخيرة: على الرغم من أن نظرية سكوبوس غالبا ما تؤدي إلى الترجمة الحرة، فإن هذا ليس دائما نتيجة لاعتماد طريقة وظيفية. تغيب هذه النقطة أحيانا حتى عن علماء دراسات الترجمة: فقد لاحظ جينتزلر خطأ أن “الشيء الوحيد الذي يبدو أن الوظيفيين يصرون عليه هو أن النص المتلقي يجب أن يكون متماسكا، وطليق، وطبيعي” (Gentzler, 2001: 71). ولكن الطلاقة وطبيعية التعبير ليسا مطلوبين بالضرورة: تمكن مجموعة الوظائف المحتملة الترجمة الحرفية أو ترجمة المعاني: ” قد يكون احد الأغراض المشروعة هو التقليد الدقيق لتراكيب جمل النص المصدر، ربما لتزويد قراء الثقافة الهدف بمعلومات حول بناء الجمل” (Vermeer 1989: 229).

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة