تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



بقلم: أ/محمد الرحالي 

تفرض الترجمة باعتبارها نمطا من التفكير وعلما يقتضي التطبيق والممارسة الوقوف عند المسار التاريخي الذي قطعته، وإن كان هذا ليس الغرض من البحث باعتباره موجها للتعرف على التأثيرات التي تمس اللسانيات، لكن الوقوف عند هذا الأمر سيمكننا قطعا من تلمس الطريق نحو معرفة أفكار مهمة تتصل بالترجمة وييسر فهم بعض إشكاليات البحث.

فالترجمة فن عريق وقديم ارتبط بالحضارات الإنسانية عندما دعت الضرورة الإنسانية إلى قيام تواصل بين الأمم لفهم بعضها البعض، والتوجه نحو بناء مفهوم كوني للتواصل، وحضارة إنسانية قوامها التفاهم والتعايش، والترجمة علم عريق متجذر في التاريخ، وهي جسر بين الثقافات "فقد كان النقل والترجمة هما الجسر المحدود بين البشر، يؤكدان تفاعلهم في مسيرة حياتهم الاجتماعية، لذلك نقول بأن الترجمة ليست وليدة العصر الحديث، وإنما تمتد جذورها إلى أقدم العصور، حيث حاولت كل الشعوب المساهمة بنصيبها في تطور المعرفة البشرية، وما حصلت نهضة علمية أو فنية لدى حضارة من الحضارات إلا وكانت الترجمة الحاملة لبذراتها الأولى، وكان المترجمون هم الزارعون لتلك البذور، فلقد نهضت الترجمة في تاريخ المعرفة بدور جوهري واضح لدى كل الشعوب".

فقد كانت أمة العرب من الأمم السباقة في هذا الباب حيث أدلت بدلوها وجعلت للترجمة مكانة راقية تسمو بها بين الأمم الأخرى، وتبني بها صرح نهضتها "فالدور الذي لعبته الترجمة في الإعداد لعصر النهضة العربية الإسلامية، ليس بعيدا عن أذهاننا وأعيننا -فلقد حمل العرب ومن تثقف بثقافتهم –وتكلم لغتهم – خلال عصر النهضة العربية – مشاعل المعرفة، وألوية العلم

هكذا وعبر تاريخ العرب نجد أن الترجمة كانت حاضرة وبقوة، ويشير الباحث إلى لمحات من حياة العرب في علاقتهم بهذا العلم الأصيل، يقول :"بدأت حركة الترجمة في عصر بني أمية بفضل خالد بن يزيد، ونشطت في عهد الدولة العباسية أيام الخليفة المنصور الذي أنشأ ديوانا لها، وقد وسع الخليفة الرشيد هذا الديوان وأنشأ الخليفة المأمون بيت الحكمة، الذي كان بمثابة مجمع علمي ومرصد فلكي، ودار للترجمة، ومكتب عامة،وأقام فيه جماعة من المترجمين أجريت عليهم الأرزاق، فلئن كانت الترجمة انطلقت في عصر الأمويين، فإنها بلغت شأوا مرموقا مع دولة بني العباس، الذين اعتنوا بها لنقل العلوم للعربية، وإيصال تراثها، ومسايرة نهضة الأمم، ومتطلبات العلاقات الخارجية للأمم، فكان بيت الحكمة من دلالات نبوغ العرب وعناية خلفائهم بالعلوم، كما تزامنت الترجمة مع تصاعد حملة التعريب، فحينما وجد التعريب كانت الترجمة ناشطة والعمل اللغوي قائما، وما بيت الحكمة إلا علامة من العلامات الدالة على نبوغ العرب وإسهامهم في إذكاء روح الترجمة، وقد ذكر صاحبا موسوعة الترجمة إلى مجموعة من الأعلام والمراكز الحضارية، التي ارتبطت بحركة الترجمة وتاريخها العربي، ومن بين تلك المراكز ، التي ساهمت في حفظ فكر كبار مفكري اليونان، وفي كل المجالات نجد دمشق وبغداد، "وقد قوي تأثير الترجمة انطلاقا من اليونانية وظهر ذلك جليا في أعمال ابن سينا مؤسس النظام السكولاستي، وكذا على أعمال ابن رشد. لعبت أعمال هذين الفيلسوفين المترجمة من العربية دورا ذا بال في فكر أوربا الوسيطة".

كما يبين صاحبا الموسوعة أن بغداد وبيت الحكمة لعبا دورا بارزا في توسيع حركة الترجمة، في القرن التاسع (الثالث للهجرة) أصبحت مدرسة بغداد أكبر مركز للترجمة لمدة قرنين تقريبا، في سنة 820 أعطى الخليفة المأمون دفعا جديدا لبيت الحكمة. وبتوجيه من أسرة هارون الرشيد، ترجمت كتب علمية وفلسفية يونانية بفضل فريق هام من المترجمين الذين كانوا أعضاء أسرة واحدة مثل بني المنجم".

هكذا اهتم العرب بترجمة أمهات الكتب عن أهم الحضارات، للاستفادة منها في تخصصات عديدة، وترجمت أعمال أعلام علماء المسلمين، الذين كان لهم دور بارز في تخصصات متعددة وها هي ذي بغداد تشهد على ذلك، وبيت الحكمة يصدح بترجمة أعمال كثيرة، ولم يقف الدور عند بيت الحكمة، بل تألقت مراكز كثيرة في الشرق الأوسط مثل "آدس التي تدعا عرفة بتركيا، مركز إشعاع للغة والثقافة السوريانيتين بفضل النستوريين ......

ترجم بعض العلماء السريانية فظلت مزدهرة في سوريا وبلاد ما بين النهرين إلى غاية نهاية القرن السادس، وننتقل إلى مصر حتى نلقي نظرة على بعض ما شهدته حركة الترجمة هناك" حيث إن ما أقدم عليه محمد علي الكبير، عند توليه حكم مصر في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، من خلال إرسال البعثات إلى أوربا لا للدراسة فقط، وإنما لنقل العلوم الأوربية إلى العربية، ليتبين أن العالم العربي والإسلامي كان له دور بارز في تزكية حركة الترجمة العالمية حتى ندحض النظرية المُسَلِّمة بأن اليونان كانوا محتكري الترجمة والتنظير للعلوم، بل كان دورهم فيها صغيرا، "لما كان اليونانيون يعتبرون أنفسهم الشعب الأكثر تحضرا والذي يحمل ثقافته للشعوب الأخرى فإنهم لم يترجموا إلا النزر القليل، لأن لغتهم كانت منتشر في البحر الأبيض المتوسط  وهذه النظرة التاريخية الموجز لا تكفي بأسبقية قوم في الترجمة، بل هي محض محاولة للكشف عن صفحات مشرقة تبرز دور الحضارات المختلفة في إغناء الحركة الفكرية والترجمة، وهو ما يفرض الإشارة إلى بعض الأعلام التي ساهمت في هذا التيار النهضوي بالترجمة وما يخدمها، وكان لزاما أن نشير إلى بعض الأعلام التي برز تأثيرها في مسار تاريخ الترجمة ففي الغرب أعلام صدحت وفي الترجمة أبدعت وعرفت، غير أن المترجم الأكثر شهرة فيما يتعلق باللاتينية هو القديس جيروم بفضل ترجمته للإنجيل في 384" ،ومن العرب إسحاق بن حنينن "وترجم ابن المقفع الأدب الفارسي بهدف تليين النثر العربي، هذا "ويعد إسحاق بن حنين من أشهر وأكبر مترجمي هذه المدرسة، وقد لعب المترجمون في الأندلس دورا مهما في الترجمة، وإثراء مكتسباتها التاريخية، ف"في صقلية وإيطاليا الجنوبية وفي قرطبة تمت ترجمة التراث اليوناني المنقول بفضل العرب، وكان لمدرسة طليطلة في القرنين الثاني والثالث عشر ميلادي، من الإشعاع ما جعلها تجتذب علماء من أنحاء أوربا قاطبة"، كما أن الأوربيين أسهموا في هذا التاريخ فـ "في بداية القرن الرابع عشر، عزف العلماء الأوربيون الذين كان لهم قساوسة عن ترجمة الآثار العلمية التي سمحت من القرن الحادي عشر إلى حدود القرن الثالث عشر بازدهار الطب والفلك والرياضيات انطلاقا من اللغة العربية".

إن تاريخ الترجمة طويل وعريق، يعكس هامشا مهما من تاريخ الإنسانية جمعاء، كما أن تفاعل الأمم هو الذي يسر نهضة هذا العلم، من باب المثاقفة والتعاون الحضاري، ومن باب التنافس العلمي الرصين، وقد انتقلت الترجمة من فعل فردي إلى علم تناقلت عن طريقه الأمم المعارف والعلوم، وبنى الإنسان فكره، واستطاع فهم بعض الجوانب التي كان يجهلها عن الآخر. وكان العرب أحد البناة في كل المجالات وأدلوا بدلوهم في ترجمة التراث والعلم والفكر، وكانوا منفتحين على الأمم المجاورة، فترجموا من تراثها، ونقلوا فكرهم إليها عن طريق الفعل الترجمي، ولا شك في أن مراكز الترجمة في العالم العربي والإسلامي تنحصر في المراكز التي تم ذكرها فتلكم أمثلة تلخص المجهود الذي بدله العرب في باب الترجمة التي كانت عمادا بنى عليه العرب صرح نهضتهم، واقتبس به الغربيون وغيرهم المعجبون بالعرب وثقافتهم، ما طاب لهم من العلوم والنظريات، فكان الشرق والغرب على مر زمن طويل مسايرا لركب التقدم الإنساني، واستمر الإشعاع في الشرق والغرب، في المغرب والأندلس، وهو ما يسر للترجمة القيام بدور فعال في حوار الأمم وبناء فكر منفتح يتجاوز أغلال الحقد والعصبية، ليكون الفكر الإنساني هو المستفيد الأكبر، ويحتك هذا العلم القائم بذاته بكل العلوم والنظريات التي أسهم في تطورها واستفاد منها في تطوير آلياته ومنهجه.

خاتمة:

إن الترجمة وتقنياتها وتاريخها ما هو إلا مدخل نحو دراسة وتمحيص علاقتها باللسانيات والمعارف اللسانية للأنساق اللغوية خاصة النسق اللساني العربي، من خلال عرض المقتضيات اللسانية التي تضبط مسار أي ترجمة للغة العربية ومختلف الأنساق اللغوية، وملامسة بعض المقتضيات والجوانب التي تتأثر بالترجمة الآلية، واستخلاص التأثيرات التي تحصدها اللسانيات والمعارف اللسانية، وهو مفيد للترجمة ونظرياتها في اتصالها باللسانيات وباقي العلوم.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة