تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



في أحد أبسط تعريفاتها، «الدبلجة» هي تركيب صوت فوق آخر في الأفلام والمسلسلات، حيث يتمّ استبدال أصوات الممثلين الأصليين بأصوات مؤدين آخرين، بلغات مختلفة في العادة، بهدف نقل لغة الفيلم الأصلية إلى لغة أخرى فيما يشبه «الترجمة الصوتية. ومصطلح الدبلجة ليس عربياً، فاللغة إنما تبتكر مفرداتها من نسيج عطاء مجتمعها وأدائه، وبما أن الدبلجة ليس «مُنتجاً» عربياً، بالمعنى التاريخي، فقد تمّ استلاف المصطلح من كلمة «دوبلاج» الفرنسية: Doublage، التي تشير إلى عملية تسجيل أو استبدال الأصوات في فيلم أو مسلسل في مرحلة ما بعد الإنتاج، حيث يُشار إلى العملية باللغة الإنجليزية بـ Dubbing. وعلى الرغم من أن الدبلجة تقترن بإحلال لغة محل أخرى صوتياً، إلا أنها تعنى من جملة معاني وتطبيقات عدة إحلال صوت محل آخر من اللغة نفسها، للحصول على أداء أكثر إقناعاً أو ذي نكهة تعبيرية مميزة.

تاريخياً، ظهرت الدبلجة بالتزامن مع تدشين حقبة «الأفلام الناطقة»، ذلك أنه في زمن السينما الصامتة لم تكن ترجمة الحوارات واردة، كون اللغة السينمائية غير منطوقة في المنشأ، مع الاكتفاء بما يُعرف بـ«عناوين داخلية»، ضمن كادرات تقطع المشاهد السينمائية، من وقت لآخر، كتعليق أو إيضاح، بحيث من السهل ترجمة هذه العناوين ونقلها كتابةً من اللغة الإنجليزية في الغالب إلى اللغة المستهدَفة، إذ يحلّ الكادر المترجَم محلّ الكادر الأصلي بيُسر ودون عقبة تُذكر. مع بروز حقبة الأفلام الناطقة في أواخر عشرينيات القرن الماضي واقتحام الصوت الشاشة الفضية، برزت اللغة عائقاً، فكان لا بدّ من التعاطي مع معضلة «كلام» الممثلين. والسؤال البديهي آنئذ: «بأية لغة يجب أن يتكلّم الفيلم؟» وبما أن النتاج السينمائي في مبتدئه، وفي مجمله أيضاً، كان أمريكياً، فقد عنى ذلك اقتصار الأفلام «الناطقة» على اللغة الإنجليزية الموجَّهة لجمهور الإنجليزية، وهو ما يعني إقصاء جماهير اللغات الأخرى. تبعاً لذلك، سعت شركات صناعة السينما الأمريكية في البداية إلى إنتاج الفِلم نفسه بأكثر من نسخة لغوية، وذلك باستخدام موقع التصوير نفسه والسيناريو نفسه، لكن باستخدام مخرجين وممثلين مختلفين، كأن يكونوا فرنسيين مثلاً أو إيطاليين أو ألماناً. غير أنّ هذا الإجراء، علاوة على كونه مكلفاً، افتقر إلى الجودة الفنية، ولم يحظ بالجماهيرية المنتظرة، فتحوَّلت الاستوديوهات التي أقيمت في أوروبا خصيصاً لإعادة تصوير الأفلام بلغات أوروبية إلى استوديوهات مخصصة لدبلجة الأفلام. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدبلجة استخدمت في بدء حقبة الأفلام الصامتة لتركيب أصوات مقبولة وجميلة فوق أصوات نجوم الأفلام الصامتة ممن تبيَّن أن أصواتهم تفتقر إلى القدرات التعبيرية المطلوبة أو المقنعة، قبل أن يتم الاستغناء عن هؤلاء النجوم «الصامتين» ليصبح الصوت، إلى جانب الشكل والموهبة، من الشروط الأساسية كي تفتح هوليود أبوابها للطامحين إلى النجومية.

مع ارتفاع تكلفة الإنتاج السينمائي، غدا من الصعب بالنسبة للدول الصغيرة أن توفِّر مواد فلميّة للتصدير، كما تناقص إنتاجها السينمائي الموجّه للسوق الداخلية بحكم محدودية هذه السوق، وهو ما عنى لزاماً الاعتماد المتزايد على الواردات من الأفلام. بالنسبة للدول الأوروبية الكبرى، فهي وإن كانت أقدر على توفير إنتاج سينمائي محلي، إلا أنها واجهت منافسة أمريكية ضروساً لم تصمد أمامها. ففي الحقبة من الثلاثينيات وحتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، هيمنت الشركات والاستوديوهات الأمريكية على قطاع الإنتاج السينمائي في العالم. وشهدت صناعة السينما في هوليود طفرة كبيرة إبان الحرب العالمية الثانية، وهو ما عنى إغراق السوق الأوروبية بكم هائل من الأفلام الأمريكية، حيث احتاجت الاقتصاديات الأوروبية التي كانت تنفض عنها آثار الحرب بعض الوقت كي تتعافى وتستوعب، بالتالي، المدّ الثقافيّ الأمريكي الذي كان يتغلغل في جنبات المجتمع الأوروبي والعمل على الحدّ من نفوذه، فعمدت العديد من الدول إلى تطبيق تدابير خاصة بغية الحد من استشراء النفوذ السينمائي الأمريكي في أراضيها؛ من بين هذه التدابير فرض حصص استيراد لحماية النتاج المحلي وإقرار ضريبة على الأفلام المستوردة في بعض الدول مثل فرنسا وإيطاليا، إلى جانب تقديم الدعم الحكومي للإنتاج السينمائي المحلي في فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: موقع قافلة


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة