تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



 

بقلم الدكتور/ حسام الدين مصطفى 

 

الموسيقى قديمة قدم الإنسان، وكذا الترجمة ظهرت مع مشرق شمس البشرية، تلتقيان في غايات تهذيب النفس، والارتقاء بالشعور، والتعبير عن الذات، وكلتاهما فن تحول إلى علم وصار صناعة... لذا أجدني أنظر إلى النص كأنه مقطوعة موسيقية لها إطارها المتناسق، وتراتيبها النغمية، ونمنماتها الإيقاعية، وكل مقطوعة نصية صبغة تميزها، فتتفاوت النصوص كصنوف الموسيقى وأنواعها، فمنها المرتجل الفطري الذي تغيب عنه قيود الصنعة المحكمة، ومنها البسيط الواضح دون أن يهوي إلى حد التحرر الآبق ، والسريالي المشحون بالتأويلات التي تحتاج إلى عظيم بحث ، والتأثيري الذي يتخطى حدود المتعارف عليه، وبعضها تجريدي يهتم بالغاية دون سواها... فتدفعني هذه النصوص إلى البحث عن الحركة والإيقاع في هذه الكلمات الساكنة، وأنصت إلى موجات الصوت المنبعثة من هذه الحروف المرسومة، فيعانق البصر السمع، ويتحدان ليدفعاني أن أرسم رمزًا جديدًا في نوتة اللغة الهدف..

حتى غايات النصوص أجدها كغايات الموسيقى التي حددها الفارابي في "الموسيقى الكبير"، فهي إما نصوص تسعى لتحقيق المتعة وتنطق بلسان الأدب، أو نصوص تخاطب العقل وتتحدث بلغة العلم أو أخرى تسبح في عالم من الخيال، وقد تذهب في تقسيمها الدقيق إلى التقسيم الذي أورده إخوان الصفا في تقسيم الألحان، فلطالما كانت الموسيقى جزء من المكون المعرفي والشعوري عند كثير من العلماء المبدعين، متقدمين أو متأخرين في طبقاتهم، كابن سينا، والرازي، والأرموي، والأصفهاني وابن عبد ربه، والخليل بن أحمد، والموصلي، وابن النفيس والكندي، وثابت بن قرة، والفارابي، والغزالي.... وغيرهم.

ومتطلبات الموسيقى هي ذاتها متطلبات الترجمة، فلابد من معرفة لغوية هي أشبه بمعرفة "النقرات والأصوات" في الموسيقى، كذا فالبحث عن المكافئات اللفظية، وضبط الكلمات واختيار الكلمات وفقًا للدلالة المقصودة أشبه بضبط "الإيقاع"، وفي الموسيقى هناك "النسبة" وهي عند التراجمة تعادل ضبط ونحت الكلمة والاصطلاح، وهناك "التفكيك" وهو يقوم مقام المعالجة النصية ومراعاة الصبغة اللغوية، وأخيرًا فيها "التلحين" وهو يماثل وضع الشكل النهائي للمحتوى النصي بلغة الهدف.

وللترجمة آلات كتلك المستخدمة في الموسيقى، لها عودها، وقانونها، وقيثارتها، ونايها، وطبلها، ومزمارها.. ولكل أداة عازف متخصص بارع كما هو الأمر في تخصصات الترجمة، أو قد يجيد هذا العازف العزف على أكثر من أداة، أو قد يبرع في ضروب الموسيقى فيدرك دور كل أداة وقيمتها وما يمكن أن تخرجه من نغمات فيصبح هو "الملحن" المعلم، و ما يقوم به المترجم خلال عملية الترجمة يشبه ما يقوم به العازف سواء كان منفردًا أو ضمن طاقم أوركسترا، فهو ينظر إلى النوتة الموسيقية ثم يحول هذه الرموز إلى نغمات مستخدما آلة معينة، ليحدث نغمات محددة.

وعندما أترجم أشعر كأني أعزف مقطوعة وضعها ملحن وفق رؤية معينة ومذاق خاص، ويسعى من خلالها إلى خلق مكونات حسية وشعورية محددة، فلا يسعني أن أضيف إليها أي نغمة جديدة، وإنما أركز على أن تكون براعتي هي إتقان نقل تلك الوصلة الموسيقية كما رسمها عقل هذا الملحن.. ساعتها أصبح أوركسترا كاملة اختصرت في شخص واحد، وأبات ملزمًا بأن أعزف على كل الآلات، وفق ما تضمنته النوتة الموسيقية التي وضعها هذا الملحن –المؤلف-، ولا يمكنني أن أضيف صوتًا أو أستعين بآلة لم يرد ذكرها في تقسيم النغمات، ثم أبحر في بحر النص، مسترشدًا بالاتجاهات والحركات والإشارات التي رسمها المؤلف (الملحن)، وتتماوج لغتي مع إيقاع أسلوبه، وغايته من النص، وأظل أنظر إلى المحتوى وكأنه نوتة موسيقية، فأضع كل نغمة في موضعها، وأستخدم في جرسها الأداة التي تناسبها، وأجرب وأختبر وأقيس وأضبط وفق نبضات الأفكار ظاهرها وخفيها، ساعتها أشعر أن ترجمتي (أو عزفي) هي (المقطوعة) النصية التي أرادها المؤلف (الملحن).

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة