تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



مقدمة ترجمة كتاب (أزمة العالم الحديث) 

بقلم الدكتور/ أسامة شفيع السيد* 

 

حين أخرجتُ ترجمتي لكتاب "الشرق والغرب" لجينو توخيت أن أكتب له مقدمة تقف قارئه على طَرَفٍ من فكر الشيخ عبد الواحد يحيى (رحمه الله)، وكذلك على شيء من سيرته، وجَرَيْتُ في هذه المقدمة على سجيتي، لا أتكلف شيئًا من ذلك العناء الذي يتكلفه المؤلفون إلا بما لا يكون معه تضييع لحق القارئ في جِدِّ الكاتب وجِدَّة المكتوب، ولذلك مزجت فيها الموضوعيَّ بالذاتي، والأفكارَ بالقصص والأخبار. ولم يكن يدور بخَلَدي أن ذيل الكلام سيطول حتى تستحيل هذه المقدمة دراسة علمية تربو صفحاتها على الثمانين، وهذا فهرست محتوياتها: (١) مدخل، (٢) قصتي مع جينو، (٣) لمحات من حياته، (٤) على هامش نظرية المعرفة: الدعوة إلى العلم اللدني بين جينو والشيخ محيي الدين ابن العربي، (٥) إشكالية التعبير عن المعارف الوهبية في اللغات الغربية، (٦) الرمزية عند جينو، (٧) كتاب "الشرق والغرب"، (٨) جينو والديمقراطية، (٩) "التغريب" و"التحديث" بين جينو وصامويل هنتنجتون، (١٠) خاتمة.

على أنني أمسكت -مع هذا- زمام القلم، فأوجزت في مواضع كثيرة كان الإطناب فيها أحبَّ إليَّ، وتركت الحديث في أمور كانت حقيقةً بالدرس والنظر. ولم يَحْدُني على ذلك إلا أنني لم أستحسن -ولا استحسن أصحابُ مشورتي- أن تبلغ مقدمة الترجمة من الطول حدًّا يكاد يصرف القارئ عن الترجمة نفسها، فما كلُّ أحد تُسعده همته في مطالعة هذه الصفحات الطِّوال العِراض قبل أن يَدلف إلى النص المترجَم، ولا كلُّ من أسعدته همته أسعفه وقته، ولا كل من أسعفه وقته أسمحت بذلك طبيعتُه، فمن القراء من يضيق ذرعًا بالمترجِم إذا هو تحول عن رتبة الوساطة بالترجمة إلى رتبة الهداية والدلالة بالشرح والتفسير، ويؤثر أن يلقى "النص" بِكْرًا يُعمل فيه رأيه وفكره وقريحته دون قيد من التوجيه الذي يَصحب ضرورةً كلَّ شرح وكلَّ تفسير، فلذلك اقتصرت على ما كتبت، فما زدت ولا نقصت.

ولما فرغتُ من ترجمة "أزمة العالم الحديث"، عاودتني فكرةُ استيفاءِ ما بقيَ واستكمال ما نَقَصَ، وأن تكون مقدمة هذه الترجمة صِنْوَ أختها السابقة وتمامَها، وإنْ باينتْها فيما تَعْرِضُ له من المسائل وتتوفر على درسه من القضايا، لولا فكرةٌ مرت بي فصرفتني عن هذه السبيل إلى ما غلب على ظني أنه أجدى وأنفع، مع ما فيه من استحياء أمنيَّة قديمة، لعلها ترجع إلى سنوات خلت، حين كنت أدرس الدكتوراه في فرنسا، وأعكف -مع ذلك- على القراءة الحرة، فتمكنت من مطالعة كثير مما كتب جينو، فوافق كلامه هوى في نفسي، وعقيدةً ترسخت في قلبي، ومذهبًا ذهبتُه قديمًا في تصور الوجود وأنا بعدُ في ميعة الصبا، ما بَقَلَ وجهي ولا طَرَّ شاربي، فانعقدت محبة الرجل في قلبي، وأزمعت تأليف كتاب عنه بالعربية، يَعْرِفُه به قراؤها ممن حيل بينهم وبين معرفته في حياته لِما كان من صدوف مثقفينا ومفكرينا -إلا قليلا، بل أقلَّ القليل- عنه وعن كتبه طيلة القرن العشرين، على نحو ما بينتُه وذكرتُ أسبابه في غير هذا الموضع .

تذكرت هذه الأمنية القديمة، فجنحتْ بي الذكرى عن الإمعان في الدرس والبحث في مقدمة " أزمة العالم الحديث"، مُرْجئًا ذلك إلى صدور الكتاب الموعود، وعسى أن يكون قريبًا بإذن الله تعالى.

ومن المعلوم أنه لم يَخْلُ كتابٌ لجينو من نقدٍ يُفَوِّقُ سهامه -لأدنى ملابسة- إلى الحضارة الغربية الحديثة، بيد أنه لم يقتصر على هذه الشذرات المتفرقات، وإنما أفرد لهذا النقد ثلاثة كتب مستقلة، كان أولها ظهورًا كتاب "الشرق والغرب" (Orient et Occident)، الذي صدرت نشرته الأولى في سنة ١٩٢٤.

وبعد ذلك صدر كتابه الذي بين أيدينا "أزمة العالم الحديث" (La crise du monde moderne)، في سنة ١٩٢٧، فذاع صيته، وغدا أشهر كتبه وأسيرَها في الناس ذكرًا. ولعل بعض هذه الشهرة راجعٌ إلى أن هذا الكتاب ينزل منزلة "النقد التطبيقي" للآراء التي مر ذكرها في الكتاب السابق، فهو أنماط ونماذج شتى لما أفضت إليه الأصول الفكرية للعقلية الغربية الحديثة من تدهور في مجالات العلوم والسياسة والاجتماع، وقد وصفه جينو نفسه بقوله: "ولكننا هنا نصرف عنايتنا خاصة إلى التطبيقات". وليس من شكٍّ في أن النفس أشدُّ انعطافًا إلى هذا النقد العملي منها إلى النقد النظري، لأنه يقوم من هذا الأخير مقام الأمثلة الجزئية الشارحة من القاعدة الكلية المجردة، ولا يخفى أن عامة الناس يتجافَوْن عن المجرد الكلي، ويَخِفُّون إلى المُشَخَّص الجزئي. هذا إلى ما تميز به كتابنا من دقة العبارة، ورهافة الأسلوب، ووضوح الأفكار. على أن الطريف حقًّا أن بعضهم يَرُدَّ هذه الخصال في الكتاب إلى أَوْلى الأسباب بنقيضها في مجرى العادة؛ أعني إلى العجلة في الإنجاز، والاشتغال بالكتابة قبل استيفاء ما تقتضيه صناعة التأليف من أُهْبَةٍ، وما تستوجبه من تهيؤ ، فكأن الكتاب وارد من تلك الواردات الإلهية التي قلما تأتي إلا بغتة؛ "صيانةً لها أن يَدَّعِيَها العبادُ بوجود الاستعداد"، كما يقول الحكيم السكندري. وهذا تأويل صوفي أو ميتافيزيقي يناسب مذهب صاحب الكتاب، وإن كان من الممكن تأويل المسألة تأويلا عقليًّا أيضًا بأن يقال: إن أزمة العالم الحديث كانت من الظهور بحيث لا تحتاج إلى كبير عناء في إدراك جوانبها المختلفة، وفي تفصيل القول في كل جانب من هذه الجوانب على حِدَتِه، كما أن الكاتب كان مستغرَقًا فيها بنفسه وعقله فكرًا، وبجسمه وحِسه مُقامًا وسُكنى، فهو يرى آثارها على قومه صباحَ مساءَ، فأي مشقة -إذا صدق العزم، واجتمع القلب، واستقامت القريحة، وأسلس البيانُ قياده- في أن يُقبل على الكتابة، فينجز عمله في أشهر قليلة؟!

على أن ههنا أمرًا آخر يدعونا إلى ذكره وجودُ ترجمة سابقة لهذا الكتاب، آثر صاحبها الأستاذ/ سامي محمد عبد الحميد، أن يجعل عنوانَها "أزمة العالم المعاصر"، بدلا من "الحديث"، على الرغم من أن المقابل في العنوان الفرنسي هو كلمة "moderne"، وليس "contemporain"، وفي هذا ما فيه من إغفال للفرق بين المصطلحين من المنظور التاريخي، فالأول منهما موصول بتاريخ الأمم الأوربية، وقد اختلف المؤرخون في تحديد بداية العصر الحديث باختلافهم في تحديد نهاية العصور الوسطى، وذهب كلٌّ مذهبًا يناسب ما يراه في تقدير ما يصلح من الأحداث الجِسام فاصلا بين زمانين، أو بين عصرين، في تاريخ حضارة من الحضارات. وليس للمصطلح الآخر مثل هذه المنزلة؛ لأن "المعاصر" يعني -بحسب أصله اللغوي- الاشتراك في عصر من العصور، يطول أو يقصر، ولذلك كان أضيق -في نطاقه الزماني- من مصطلح "الحديث"؛ لأنه مقيد بالسياق الذي ورد فيه، فلقد يسع أحدَنا أن يقول اليوم: إن آينشتاين من المعاصرين، ولا يُقبل ذلك منه بالنظر إلى ديكارت مثلا، مع أن هذا الأخير معدود من فلاسفة العصر الحديث. فقد تبين إذن فرق ما بين المصطلحين من المنظور التاريخي، ولكن هذا الفرق يزداد خطرُه إذا ورد في سياق نقد جينو للحضارة الحديثة، لأن الحدث الذي اتخذه فيصلَ تفرقةٍ -في تاريخ الغرب- بين العصرين الوسيط والحديث، وهو الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية في فرنسا، يعد في رأيه بداية الانهيار العام في جميع المجالات؛ لأنه هو الذي سوَّغ غصب السلطة، وهدْم النظام الهرمي، وصَرَف وجه الأوربي عن السماء إلى الأرض. فما كان ينبغي -والحال هذه- أن نتخفف في ترجمة مصطلح له هذه الأهميةُ التاريخية والفكرية والحضارية، علاوةً على ما في هذا التخفف نفسه من عدول -غير مبرَّر- عن المقابل الفرنسي. وقد استعمل جينو لفظ "المعاصرين" غير مرة في كتابه، وكان يعني به هذه الطبقة من المحدثين الذين يحيون في زمانه، فكل معاصر في هذا السياق حديث، ولا عكس.

وقبل وفاة جينو بنحو خمس سنوات تقريبًا؛ أي في سنة ١٩٤٥، أخرج كتابه "الأكبر" في نقد الحضارة الغربية الحديثة: "هيمنة الكم وعلامات الأوقات" (Le Règne de la Quantité et les Signes des Temps)، فضمَّنه أربعين فصلا سوى المقدمة، فكان أشبه -إذا جاز لنا أن نستعمل اصطلاح التأليف الإسلامي في هذا السياق- بحواشٍ على شرحٍ، هو "أزمة العالم الحديث" لمتنٍ، هو "الشرق والغرب". فليس الكتاب -في مجموعه- إلا تأكيدًا وتفصيلا لما جاء في سابقيْه من أفكار وآراء وملاحظات، كما نص على ذلك جينو نفسه في مفتتحه حين ذكر أن الأحداث لم تزل تؤكد -في سرعة كبيرة- صحة الآراء التي فصَّلها من قبلُ في كتاب "أزمة العالم الحديث".

وإذا كان كذلك، فإن قارئ كتابنا هذا في أمان من احتمال عدول كاتبه عن بعض ما ذهب إليه في شبابه من آراء ومذاهب، وله أن يطالعه مطمئنًّا إلى نسبة ما جاء فيه إليه نسبةً مطلقة، وسوف يرى أيضًا أنه يؤكد -في مقدمته- عدم رجوعه عن أي رأي رآه في كتابه السابق: "الشرق والغرب"، فكأن أفكاره وآراءه آخذٌ بعضُها برِقاب بعض، فلا تزداد مع الزمن إلا رسوخًا ووثاقةً، وكأني به يأخذ نفسه بذلك "الثبات" الذي ما انفك يُطريه في كتبه، ويراه من الفروق الموائز بين حضارات الشرق وعلومها، ذات الأصول الربانية الوهبية من جهة، والحضارة الغربية الحديثة وما أنتجت من علوم تجريبية وفلسفات عقلية ذوات صبغة شعورية من جهة أخرى.

وفي الحق أن جينو كان كثير التصريح بأنه لا يعدو أن يكون -فيما يكتب- مجردَ "شارح" لطرَف من مسائل "العلم اللدني" أو "علوم الأسرار" (Tradition) ، الذي لا يعرف إلا الحقائق المطلقة، وأن هذا العلم له من الثبوت وعدم الحؤول ما يناسب هذا الإطلاق، ولذلك لم يكن جائزًا له أن يعدل عن رأي رآه، ولا عن فكرة بيَّنها وأقام الدليل على صحتها، إذ لو فعل لانهدم أصل الأصول لديه، ولذهبت فضيلة مذهبه الكبرى؛ أعني براءة علوم الوهب -من حيث هي- من طُرُوِّ التغير عليها، ومن تطرق الخطأ أو الفساد إليها، ولَكان ذلك حسْبَ خصومه ومعارضيه في تقويض بنيان دعوته من أساسها.

ومهما يكن من شيء، فهذه كتب جينو الثلاثة في نقد الحضارة الغربية الحديثة من منظور روحي، قد نقلت كتابين منها إلى العربية، والعزم معقودٌ على نقل الثالث إليها بإذن الله تعالى.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المدرس بقسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة والخبير بمجمع اللغة العربية.*


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة