تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



بقلم/ سارة عبدالغني محمد 

 

اللغةُ هى الوسيلةُ التى يَتِمُ منْ خِلالِها التواصلُ بينَ أبناءِ الأمةِ الواحدةِ ومنْ خِلالِها يُعَبِرونَ عنْ أنفسهمِْ وحاجتهم ويقضون بها ما يحتاجونه فى حياتهم؛ لكن إذا نظرنا إلى واقع الأمر نظرة متروية حكيمة سنجد أن وظيفة اللغة لا تقتصر على تلك الأمور سالفة الذكر وحسب مع التسليم الكامل بأنها أمور مهمة ولا ريب فى ذلك.

والدليل الملموس على هذا الأمر هو أن هناك أساليب أخرى متعددة للتواصل كالإشارات والرموز والعلامات واللافتات واللوحات والإيماءات وأيضا الصيحات التى تستخدم فى بعض الأوقات للتعبير عن بعض المشاعر كالفرح والحزن وغيرها. و اللغة التى أعنيها فى كلامى هذا هى اللغة فى شكلِها الذي يَتكوَّن من بِنيَة كلامية مُنتَقاة، تلقى العناية على يد أبنائها جِيلاً بعد جِيل في تشكيل أصول الصحَّة والجمال بها، لتقوم اللغة بوظيفتها السامية عن طريق إستخدام بِنيَاتها الصحيحة الجميلة تلك كأدوات لحمل الفكر الراقي والمشاعر الراقية من فرد إلى فرد، ومن جماعة إلى جماعة، ومن جيل إلى جيل، وتَزداد اتِّساعًا على مستوى المكان، وثراءً على مستوى الزمان، حتى تَتجاوَز مهامُّها المَنُوطَة بها مرحلة مجرَّد قَضاء الحاجات، والتعبير عن الرغبات - إلى مرحلة بِناء الأفراد والجماعات، وتشييد المعارِف والحضارات.

و إذا نظرنا إلى ماضينا العظيم وتاريخنا العتيق سنجد أن اللغة العربية في ماضيها المجيد وتراثها العريق تأتي في مُقدِّمة اللغات التي نجحَتْ في القيام بدورها الحضاري الرَّفِيع، وارتَقَتْ بأمَّة من مجتمع الصحراء المتوارِي لتكون هي ولغتها قائدة الحضارة والمعرفة على مستوى العالم قرونًا عديدة مُتوالِيَة، ويَكفِي في هذا المقام أن نتذكَّر أنها شَرُفَتْ بحمل آخِر رِسالات السماء إلى الأرض بلسان عربي مُبِين .

وشرفها الله جل فى علاه بأن أنزل بها كتابه الكريم وفى هذا المقام قد حازت اللغة العربية شرفا لم تحزه أياً من اللغات الأخرى . لكنَّ اللغة في حاضِرها اليوم في حاجةٍ إلى أن تَتذَكَّر، وأن تستجمع قُواها لمواجهة متطلَّبات الحاضر والمستقبل في المجال المعرفي والحضاري، وأن تنتهي بفضْل وعي وهِمَّة أبنائها للقيام بدورها الحقيقي في المحافظة على الهُويَّة، واستِعادة بعض مَلامِح الوجه المهدَّدة بالضَّيَاع. ولنتذكَّر أنَّنا في عصر تَلعَب فيه حالة لغات الشعوب - قوةً أو ضعفًا - دورًا مهمًّا في المحافظة على كِيان الأمَّة، أو التفريط فيه، وتركه عُرضَةً لتقلُّبات الأهواء والأحداث من حوله، ولنتذكَّر - أيضًا - أنَّنا في عصر تَحرِص فيه اللغات الكبرى المُسَيطِرة على التِهام اللغات المُنافِسة لها، أو إضعافها وتفتيتها، وأنها تلجأ في سبيل تحقيق ذلك الهدف إلى وسائل علميَّة وتعليميَّة وإعلاميَّة، تَمَّ إعدادُها ودراستها بدِقَّة شديدة، وتَوازَنَتْ فيها المُغريات والعُقُوبات، وتَمَّ دسُّ السمِّ بإحكام في معظم الأحايين، في آنية العسل؛ لكي يَنجَذِب إلى الهدف المرسوم - بوعي أو بلا وعي - أبناءُ اللغة المستهدَفة أنفسُهم، ويكونوا أكبر عَوْنٍ على تحقيق الغاية المُرادَة.

إنَّ لُغتنا العرَبيَّة التي تملك مِنْ مُقَوِّمات الصحَّة والحياة والجمال والقابليَّة لاستِيعاب مختلف المعارِف والعلوم والتعبير عنها ولذا فنحن بحاجةٍ إلى أن نَبذُل جميعًا لها من الحماية والرِّعاية ما تستحقُّه، انطِلاقًا من جريانها على ألسِنَتنا وأقلامنا في مستوياتها المختلفة، بحسب المقام المُناسِب، فلا نستَخدِم لغة مُتقَعِّرة في موقف حديث؛ لئلاَّ ينفر الناس منها، ولا نتهاوَن في الوقت ذاته بالخطأ وعدم الدقَّة في التعبير، ونَحرِص على الدعوة إلى شُيُوعها في معاملاتنا الاقتصادية، والالتِفات إلى الظاهرة الخطيرة التي تلوِّث وجه المدن العربية بأسماء الرطانات الأجنبية، التي تختَلِط فيها الحروف واللغات اختِلاطًا يُسيء إلى شخصيَّتنا، والعمل على تنْميتها في وسائل إعلامنا بطريقة مَدرُوسة ومنهجيَّة هادفة .  ذلك لأن لغة الأمة هي مصداق هويتها ونسغ حياتها ووعاء ثقافتها ومجتلى حضارتها ومرآة نهضتها وحاضنة تراثها وهي ذاكرة الأمة وتاريخها، ووجود الأمة مرتبط بوجود لغتها، والأمم التي انقرضت لغاتها زالت من الوجود، ولا بقاء لأمة يتخلى أهلها عن لغتها.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة