تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



بقلم الدكتور/ أسامة شفيع السيد *

قال ابن الرومي يصف الأرض عند قدوم الربيع:

تَبرَّجَتْ بَعْدَ حَيَاءٍ وَخَفَرْ ** تَبَرُّجَ الأُنْثَى تَصَدَّتْ لِلذَّكَرْ

التبرج في اللسان تزيُّن المرأة لغير زوجها، فهو إذن تزين الغَواية لا العادة، تزين الفتنة لا الوظيفة، أو هو تزين الطبيعة الحرة المختارة لا الطبع المكره المنقاد؛ وذلك أن المرأة ربما تزينت لزوجها لأحد هذه الأسباب الثواني، فلا يكون إقبالها عليه وتجمُّلها له دائما دليل حب غامر، أو عاطفة مشبوبة، أو رغبة مستعرة. وليس كذلك الحال مع "غير الزوج"؛ فإن هذا الإقبال الآثم لا يدعو إليه الواجب، ولا تمليه الضرورة، وإنما تدعو إليه الحاجة، وتُذْكيه الرغبة.

وليس في شأن الهوى كالبدوِّ بعد التخفي، ولا كالبذل بعد التمنع!

وقد احتجبت زينة الأرض حينا من الدهر بحجابين كثيفين من حياء وخفَر، وفَرْقُ ما بينهما أن الحياء طبيعة، أما الخفَر ـ وهو شدة الحياء ـ فطبع. وبيان ذلك أنه لا نزاع في عموم صفة الحياء في النساء بحسب ما يقتضيه أصل الخِلقة، فهذه الطبيعة، ثم تتفاوت مراتبهن فيه بعدُ قوةً وضعفًا، وهذا هو الطبع.

والخفْر (بتسكين الفاء) المَنَعَة والإجارة، فكأن العرب أرادت أن تقول بهذا المقاربة: لا يخفِر (يمنع) المرأة كخفَرها. فهذا كله من عبقرية اللسان.

لكن ابن الرومي لم يذكر في شطره الثاني نساءً ورجالا، وإنما ذكر إناثًا وذكورًا، وهذا من عبقرية البيان التي أومأ إليها العنوان؛ لأن لكل نوع من الحيوان "تبرجًا" يلائم أفراده، فكأن الأرض حين أبرزت زينتها، وكشفت عن بهجتها، جمعت في ذلك ما تفرق في بناتها.

 

اعتراض وجواب

وقد اعترض عليّ معترض بقوله: بُنِي الكلام في الفقرةِ الأولى على مُقَدِّمةٍ غير مُسَلَّمَةٍ؛ وهي أنَّ (التبرُّج) في اللسان: تزيُّن المرأة لغير زوجِها، وهو لذلك يكون "إقبالًا آثمًا"، والأصول القديمة لم تذكر هذا، ومن ذكر ذلك من المتأخرين لعله تأثر باصطلاحٍ فقهيٍّ، فالتبرُّج هو إبداء المرأة محاسن وجهها وجيدها مطلقًا، للزوج، أو للمحارم، أو للأجانب، لكن برعايةِ أن تُرِيَ المرأةُ من عينيها حُسْنَ نظرٍ، فإن (البرج) سعة بياض العين مع حسن الحدقة، ومن جهة الشرع: يقع التبرُّج محمودًا ومذمومًا بحسب موقعه، والآية الكريمة (ولا تبرَّجن تبرُّج الجاهلية الأولى) تشي بهذا: أن من التبرُّج ما هو جاهلي وما هو إسلامي.

وأقول في جواب هذ الاعتراض: إن الذي دلت عليه التفاسير ومعاجم اللغة أن التبرج مطلقُ تزين المرأة للرجال، ونصَّ المعجم الوسيط ـ وأصاب ـ على أنه تزين المرأة لغير زوجها خاصة؛ لأن المعنى أن الكلمة أذا أطلقت من غير قيد انصرفت في عرف اللسان إلى الحال المذمومة، وليس بمألوف أن يقال: تبرجت المرأة لزوجها، وإنما يقال: تزينت، فإن قيل، فَقَيْدُ الزوجية مؤذنٌ بأن التبرج مصروف إلى الحال المحمودة.

وأما جذر التبرج وأنه حسن العينين على وجه خاص، فمسلَّم، لكنه لا يقدح في تخصيص الدلالة بالاستعمال، كما أن المأتم مطلق الاجتماع في فرح وحزن، فإن أُطلق فالمراد الحزن، وكالتبشير فإنه حكاية ما يؤثِّر في البشرة من مفرح ومترح، فإن أُطلق انصرف إلى ما يسر خاصة، وكل ذلك خصصه الاستعمال، "والعادة محكَّمة".

على أن سياق بيت ابن الرومي مخصِّص لمعنى التبرج عنده، فإنه قال : "تبرج الأنثى تصدت للذكر"، وهو عين الصورة التى ضربها المفسرون مثلا عند شرح الآية الكريمة، وأن التبرج في الجاهلية "إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال"

ونصهم في حد "التبرج" على ذكر الرجال دليل على ما ذهب إليه المعجم الوسيط من اختصاص هذ اللفظ ـ عند إطلاقه ـ بغير الزوج، وإلا فقد كان يكفي أن يقال: هو تزين المرأة مطلقا، وبالضرورة يعرف كل مسلم أن منه حراما وحلالا بحسب الحال.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المدرس بقسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة والخبير بمجمع اللغة العربي.


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة