تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



بقلم: د/حسام الدين مصطفى

لقد تركزت نظريات الترجمة منذ عهد شيشرون Cicéron حتى بدايات القرن العشرين حول التساؤل عن الترجمة الحرفية (كلمة بكلمة)Word for Word، أو حرة (معنى بمعنى)Sense for Sense وأسهم في طرح هذه الآراء الاهتمام بترجمة نصوص الكتاب المقدس والمؤلفات الدينية، ومع مطلع الخمسينات، وبداية ظهور العلوم اللسانية ظهرت نظريات جديدة، وطرحت مفاهيم ومصطلحات مثل مفهومي المعنى و التكافؤ Meaning & Equivalence، والأثر المكافئ equivalent effect، والتكافؤ الشكلي والتكافؤ الديناميكي، Formal Equivalence and Dynamic Equivalence، ثم أتبع ذلك نظريات الترجمة الوظيفية، و التواصلية التي اهتمت بوظيفة اللغة، ونوع النص، ورافق هذه النظريات مفاهيم ومصطلحات جديدة مثل اللسانيات الوظيفية النظمية Systemic functional linguistics، لتتطور هذه النظريات حتى تصل إلى نظريات توطين الترجمة domesticating، وتغريب الترجمة foreignising، ونظريات الترجمة الفلسفية الهرمنيوطيقية.

بينما نجد أن التنظير للترجمة قد جاء في مرحلة متأخرة من القرن العشرين إلا أن الحقيقة تثبت أن العرب كان لهم السبق حتى في هذا المجال وكانوا أول من وضع أطراً نظرية للترجمة، ولعل خير مثال على ذلك هو ما أسهم به الجاحظ والذي من خلال إسهاماته تلك يمكننا أن نشير إلى قدم علم الترجمة ونظرياته إلا أن اكتشاف هذه النظريات لم يتم إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وتتحدد نظرية الترجمة عند الجاحظ فيما أورده بقوله:

"وفضيلة الشعر مقصورةٌ على العرب، وعلى من تكلَّم بلسان العرب. والشعر لا يُستطاع أن يترجَم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حوِّل تقطَّع نظمُه وبطلَ وزنُه، وذهب حسنُه وسقطَ موضعُ التعجب، لا كالكلامِ المنثور، والكلامُ المنثور المبتدأُ على ذلك أحسنُ وأوقعُ من المنثور الذي تحوّل من موزون الشعر.....وقد نُقِلَتْ كتبُ الهند، وتُرجمتْ حكم اليونانيّة، وحُوِّلت آدابُ الفرس، فبعضها ازدادَ حُسناً، وبعضها ما انتقص شيئاً، ولو حوّلت حكمة العرب، لبطل ذلك المعجزُ الذي هو الوزن، مع أنَّهم لو حوَّلوها لم يجدوا في معانيها شيئاً لم تذكرْه العجم في كتبهم، التي وضعت لمعاشهم وفِطَنهم وحِكمَهم، وقد نُقِلَتْ هذه الكتبُ من أمَّةٍ إلى أمّة، ومن قَرن إلى قرن، ومِن لسانٍ إلى لسان، حتى انتهت إلينا، وكنَّا آخرَ مَنْ ورِثها ونظَر فيها، فقد صحَّ أَنَّ الكتبَ أبلغُ في تقييدِ المآثِر، من البُنيان والشعر.ثم قال بعضُ مَنْ ينصر الشعر ويحوطه ويحتجُّ له: إنَّ التَّرجُمان لا يؤدِّي أبداً ما قال الحكيمُ، على خصائِص معانيه، وحقائق مذاهِبه ودقائق اختصاراته، وخفيَّاتِ حدوده، ولا يقدِر أَنْ يوفيها حقوقها، ويؤدِّيَ الأمانة فيها، ويقومَ بما يلزمُ الوكيلَ ويجبُ على الجَرِيّ، وكيف يقدِر على أدائها وتسليمِ معانيها، والإخبار عنها على حقِّها وصدقها، إلاّ أَنْ يكونَ في العلم بمعانيها، واستعمالِ تصاريفِ ألفاظِها، وتأويلاتِ مخارجِها، ومثلَ مؤلِّف الكتاب وواضعِه، فمتى كان رحمه اللّه تعالى ابنُ البِطرِيق، وابن ناعمة، وابن قُرَّة، وابن فِهريز، وثيفيل، وابن وهيلي، وابن المقفَّع، مثلَ أرِسطاطاليس؟ ومتى كان خالدٌ مثلَ أفلاطون؟، ولا بدَّ للتَّرجُمانَ من أن يكون بيانهُ في نفس الترجمة، في وزْن علمه في نفسِ المعرفة، وينبغي أن يكون أعلمَ الناس باللغة المنقولة والمنقولِ إليها، حتَّى يكون فيهمِا سواءً وغاية، ومتى وجدناه أيضاً قد تكلّم بلسانين، علمنا أنَّه قد أدخلَ الضيمَ عليهما، لأنَّ كل واحدةٍ من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذُ منها، وتعترضُ عليها، وكيف يكونُ تمكُّنُ اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكُّنِه إذا انفرد بالواحدة، وإنَّما له قوَّةٌ واحدة، فَإنْ تكلّمَ بلغةٍ واحدة استُفْرِغَتْ تلك القوَّةُ عليهما، وكذلك إنْ تكلَّم بأكثرَ مِنْ لغتين، وعلى حساب ذلك تكون الترجمةُ لجميع اللغات، وكلَّما كانَ البابُ من العلم أعسرَ وأضيق، والعلماءُ به أقلَّ، كان أشدَّ على المترجِم، وأجدرَ أن يخطئ فيه، ولن تجد البتَّةَ مترجماً يفِي بواحدٍ من هؤلاء العلماء. هذا قولُنا في كتب الهندسة، والتنجيم، والحساب، واللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتبَ دينٍ وإخبار عن اللّه عزَّ وجلَّ بما يجوز عليه ممَّا لا يجوز عليه، حتىَّ يريد أنْ يتكلَّم على تصحيح المعاني في الطبائع، ويكون ذلك معقوداً بالتوحيد، ويتكلَّمَ في وجِوه الإخبار واحتمالاته للوُجوه، ويكونَ ذلك متضمِّناً بما يجوز على اللّه تعالى، ممَّا لا يجوز، وبما يجوزُ على الناس مما لا يجوز، وحتَّى يعلمَ مستقرَّ العامِّ والخاصّ، والمقابلاتِ التي تَلقَى الأخبارَ العامِّيةَ المخرَج فيجعلَها خاصيَّة، وحتى يعرفَ من الخبر ما يخصُّه الخبر الذي هو أثر، ممََّا يخصُّه الخبر الذي هو قرآن، وما يخصُّه العقل مما تخصُّه العادة أو الحال الرادَّةُ له عن العموم، وحتَّى يعرفَ ما يكونُ من الخبر صِدقاً أو كذبا، وما لا يجوز أن يسمَّى بصدقٍ ولا كذب؛ وحتَّى يعرفَ اسم الصدق والكذب، وعلى كم معنى يشتمل ويجتمع، وعند فقد أيِّ معنًى ينقلب ذلك الاسم، وكذلك معرفة المُحالِ من الصحيح، وأيّ شيءٍ تأويلُ المحال؛ وهل يسمَّى المحال كذباً أم لا يجوز ذلك، وأيّ القولين أفحشُ: المُحال أم الكذب، وفي أيِّ موضع يكون المحالُ أفْظَع، والكذب أشنع؛ وحتَّى يعرف المثلَ والبديع، والوحي والكناية، وفصْل ما بين الخطَلِ والهَذْر، والمقصورِ والمبسوط والاختصار، وحتَّى يعرف أبنيةَ الكلام، وعاداتِ القوم، وأسبابَ تفاهمهِم، والذي ذكرنا قليلٌ من كثير، ومتى لم يعرفْ ذلك المترجم أخطأَ في تأويل كلامِ الدين، والخطأُ في الدين أضرُّ من الخطأَ في الرياضة والصناعة، والفلسفةِ والكَيْمِياء، وفي بعض المعيشة التي يعيش بها بنو آدم....وإذا كان المترجِم الذي قد تَرجَم لا يكمل لذلك، أخطأ على قدْرِ نقصانه من الكمال، وما عِلْمُ المترجِم بالدليل عن شبه الدليل؟ وما علْمه بالأخبار النجوميّة؟ وما علمه بالحدود الخفيّة؟ وما علمه بإصلاح سقطات الكلام، وأسقاط الناسخين للكتب؟ وما علمُه ببعض الخطرفة لبعض المقدَّمات؟ وقد علمنا أنَّ المقدَّمات لا بدَّ أنْ تكون اضطراريّة، ولا بدَّ أن تكون مرتَّبةً، وكالخيط الممدود، وابنُ البِطريق وابن قرّة لا يفهمان هذا موصوفاً منزَّلاً، ومرتَّباً مفصَّلاً، من معلِّمٍ رفيقٍ، ومن حاذقٍ طَبٍّ فكيف بكتابٍ قد تداولتْه اللغاتُ واختلافُ الأقلام، وأجناسُ خطوطِ المِلل والأمم؟! ولو كان الحاذقُ بلسان اليونانيِّين يرمي إلى الحاذق بلسان العربيّة، ثم كان العربيُّ مقصِّراً عن مقدار بلاغة اليونانيّ، لم يجد المعنى والناقل التقصير، ولم يَجِد اليونانيُّ الذي لم يرضَ بمقدار بلاغته في لسان العربيّة بُدّاً من الاغتفار والتجاوز، ثمّ يصير إلى ما يعرض من الآفات لأصناف الناسخين، وذلك أن نسختَه لا يَعدَمها الخطأ، ثمَّ ينسخُ له من تلك النسخة مَن يزيده من الخطأ الذي يجده في النسخة، ثمّ لا ينقص منه؛ ثم يعارِض بذلك مَن يترك ذلك المقدار من الخطأ على حاله، إذا كان ليس من طاقته إصلاحُ السَّقَط الذي لا يجدُه في نسخته".

ومن خلال ما أورده الجاحظ يمكننا أن نلخص نظريته في النقاط التالية:

•           الشعر غير قابل للترجمة حتى لا يتأثر نظمه وحسنه.

•           يمكن ترجمة النثر بأنواعه دون ضمان لجودة الترجمة.

•           الترجمة من لغة غير لغة النص الأصلي تؤثر على المعنى وجودة الترجمة.

•           لا يمكن للمترجم أن يعبر عن محتوى النص بصورة تامة التطابق مع ما قصده صاحب النص إلا إذا كان دارساً للعلم الذي يتضمنه النص.

•           على المترجم أن يعرف مصطلحات وصيغ الكتابة في العلم الذي يترجم.

•           ينبغي أن يكون المترجم أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها.

•           تنتج أخطاء الترجمة نتيجة لعدم المعرفة الكافية بعلم أو مجال النص.


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة