تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



يطلق على دراسة مبادئ الترجمة اسم نظرية الترجمة. تدرك هذه النظرية، استنادا إلى أساس متين لفهم كيفية عمل اللغات، أن اللغات المختلفة ترمّز المعنى بأشكال مختلفة،  كما أنها تدل المترجمين على إيجاد الطرق المناسبة للحفاظ على المعنى أثناء استخدام الصيغ المناسبة لكل لغة. وتشمل نظرية الترجمة مبادئ لترجمة اللغة المجازية، والتعامل مع عدم التطابق المعجمي، والأسئلة البلاغية، وإدراج علامات الترابط، والعديد من المواضيع الأخرى الأساسية في الترجمة الجيدة.

هناك نوعان من نظريات الترجمة المتنافسة. الهدف السائد في إحداها هو التعبير بالضبط قدر الإمكان عن قوة ومعنى كل كلمة وعبارة في النص الأصلي، أما الهدف السائد للنوع في الأخر فهو انتاج نص لا يُقرأ كترجمة على الإطلاق وإنما يتحرك في ثوب جديد بنفس سهولة إصداره الأصلي. لا يمكن للمترجم الجيد تجاهل أيا من هذين النهجين بالكامل أبدا.

تقليديا لكي يؤدي المترجمين عملهم بنجاح، يجب عليهم أن يلبوا ثلاثة متطلبات مهمة. يجب أن يكونوا على دراية بالآتي:

اللغة المصدر

اللغة الهدف

مادة الموضوع

ومن هذا المنطلق، يكتشف المترجم المعنى وراء النماذج في اللغة المصدر ويبذل قصارى جهده لإنتاج نفس المعنى في اللغة الهدف باستخدام صيغ وتراكيب اللغة الهدف. ونتيجة لذلك، فإن ما يُفترض تغييره هو الشكل والرمز أما المعنى والرسالة فيجب أن يبقيا بدون تغيير. 

لقد كانت احد أول المحاولات لوضع مجموعة من القواعد أو المبادئ الرئيسية المشار إليها في الترجمة الأدبية من قبل المترجم الانساني الفرنسي إتيان دوليه (Étienne Dolet) الذي وضع في عام 1540 المبادئ الأساسية التالية للترجمة (“La Manière de Bien Traduire d’une Langue en Aultre”) التي تعتبر عادة أنها توفر القواعد الأساسية للمترجم الممارس:

يجب أن يفهم المترجم تماما مضمون ونية المؤلف الذي يقوم بترجمة عمله. السبيل الرئيسي للوصول إلى ذلك هو قراءة كل الجمل أو النص بالكامل حتى يتمكن من تقديم الفكرة الذي يريد التعبير عنها في اللغة الهدف لأن أهم ما يميز هذه التقنية هو ترجمة الرسالة بوضوح وطبيعية قدر الإمكان. إذا كانت الترجمة لبلدان مختلفة فينبغي للمترجم استخدام العبارات الثقافية للبلد المعني. لأنه العبارة الثقافية مهمة حقا في هذه الحالة، وإذا لم يقم المترجم باستخدامها بشكل صحيح فسوف يساء فهم الترجمة.

يجب أن يكون المترجم على معرفة تامة باللغة التي يترجم منها ومعرفة ممتازة باللغة التي يترجم إليها. يجب أن يكون المترجم على معرفة واسعة بكلتا اللغتين حتى يحصل على التكافؤ في اللغة الهدف، لأن نقص المعرفة باللغتين سيؤدي إلى ترجمة بلا منطق ومعنى.

ينبغي على المترجم تجنب الميل إلى الترجمة كلمة بكلمة، لأن ذلك يدمر معنى الأصلي ويخرب جمال التعبير. هذه النقطة مهمة جدا لأنه إذا ما تمت الترجمة حرفيا فربما قد يتم نقل معنى أو فهم آخر في الترجمة. يجب ان يستخدم المترجم أشكال التعبير الشائعة الاستعمال، وأن يضع في اعتباره جمهور قراء النص المترجم، وان يستخدم أيضا الكلمات التي يمكن فهمها بسهولة.

بما أن هذا المقال يتناول تاريخ نظرية الترجمة القرن العشرين، فسيكون من المهم توضيح أن هذا التحليل يمكن اعتباره  كتاريخ أساسي (فهو انتقائي وليس شامل) و  كتاريخ لنظرية الترجمة (وليس ممارستها). إن أي تحقيق في تاريخ الترجمة سيكون انتقائي بالضرورة، وذلك بسبب طبيعة تطورها الواسعة على مدى فترات متفرقة. القصد من ذلك هو التركيز على أهم المساهمات في المناقشات النظرية المتعلقة بنظرية الترجمة نفسها.

سيتم مناقشة التطورات الرئيسية التالية: النظريات الفلسفية للترجمة، ولا سيما الكاتبين عزرا باوند (Ezra Pound) و والتر بنيامين (Walter Benjamin)، وانبثاق عصر علم اللغة، الذي كان من بين أبرز مفكريه يوجين نيدا (Eugene Nida)،  وظهور الوظيفية، أو ما يسمى بالمنعطف الثقافي، ودراسات الترجمة الوصفية، وأخيرا، مساهمات المفكرين في مرحلة ما بعد الاستعمار وكتّابها من أمثال لورانس فينوتي (Lawrence Venuti). لقد ساهمت كل هذه الحركات في ظهور دراسات الترجمة كعلم مستقل. وجهة النظر التي اتخذت في هذه المقالة هو أن الوظيفية جلبت أهم الإسهامات للنظرية الترجمة من حيث توفير أساس عملي لتعدد القراء المحتملين.

النظريات الفلسفية للترجمة

لقد شهد القرن العشرين تطور ملحوظ في تطوير نظرية الترجمة، وقع معظمه في الفترة التي تلت عام 1950، مع إنه هناك عدد من المساهمات الهامة التي حصلت في النصف الأول من القرن التاسع عشر. يمكن وصف تلك الفترة باسم “النظريات الفلسفية في الترجمة” التي كان أهم مفكريها عزرا باوند و والتر بنيامين والتي وصفها جورج شتاينر بعصر “التعريف والنظرية الفلسفية الشعرية” (Steiner, 1998:249). كان لديهم تأثير خاص على المترجمين التفكيكيين اللاحقين في فترة ما بعد الحداثة، ومن وجهة نظر هذه الأطروحة، فقد كانت وجهات نظرهم مؤثرة بشكل واضح على المنظرين اللاحقين أمثال لورانس فينوتي (Lawrence Venuti).

عزرا باوند (Ezra Pound)

لقد كان الشاعر المؤثر عزرا باوند (1885-1972) تجريبيا، وتنوع بين استراتيجيات التدجين (domesticating) و (archaizing)، لكن الموضوع المتسق عنده هو إصراره على أن الترجمة تسعى أولا لامتصاص وتحويل الأفكار من النص المصدر وليس إعادة إنتاج مجموعة من الكلمات.

وكما هو الحال في استراتيجيات التعامل مع اللغات القديمة (archaizing)، فإن النص الهدف الإنجليزي  ليس بالضرورة قابل للقراءة، ولكن ذلك لم يكن هو الهدف. يمكن أن تقدم الطبيعة التجريبية لباوند، واستعداده لتغيير التركيز، وتحديه للمترجمين لرؤية أعمالهم كقوى خلاقة، أفكارا مثيرة للمترجمين المعاصرين، حيث توفر الثقافات الهدف المتنوعة نوع من النقاش المناسب الذي سينظر من خلاله إلى أعمالهم بطرق إبداعية جديدة.

 

المصدر: عالم أكاديميا


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة