تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



ومن سمات النظام السياسي أنه يتألف من نصوص مترابطة بقوة، لذلك، عند خلق نص جديد (مثل الترجمات) يجب أن نولي انتباهنا لترابطه مع بقية النصوص السياسية. وهذا التماسك مكفول بمصطلحات سياسية (طرف في العقد، عقوبة الإعدام، وما إلى ذلك)، وعناصر غير مصطلحية مثل، فيما يتعلق بـ، فسخ العقد، علاوة على ذلك، الخ. ويسهم تقليد النص السياسي أيضا في هذا الاتساق، ولهذا السبب قد يجد غير القانونيين نصا سياسيا يستحيل فهمه. ويرجع ذلك إلى أن النظام القضائي هو نظام منطقي تحاول نصوصه تفادي الأوصاف المعقدة والثقيلة التي تفوق فهم الشخص العادي، الأمر الذي يتطلب مزيدا من الدراسة والتحليل لكي يتم فهمه. قد يفسر المجال المحدد لهذه النصوص استخدام العبارات الطويلة التي تمثل مهمة صعبة للمترجم الذي ينبغي عليه التعامل معها. ولفهم هذه النصوص وترجمتها يجب على المرء تفسيرها.

قد يواجه المرء وضعا يكون فيه نص اللغة المصدر (قانون أو عقد، صك تأسيس أو نظام أساسي، وما إلى ذلك) مفرطا في التعقيد وغير واضح. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تتناقض مع تلك التي تشير إلى الطابع المنطقي للنصوص السياسية، إلا أنه يمكن عمليا ملاحظة أن المترجمين غالبا ما يواجهون مثل هذه المواقف نتيجة لعدم الكفاءة أو عدم معرفة أولئك الذين كتبوا النصوص. سيصبح المترجم مفسرا فقط عندما يواجه مشاكل تتعلق بفعل الترجمة، وليس بمحتوى الورقة. والمشكلة أكثر أهمية إذا كان عدم الوضوح ناجما عن الاختلافات بين النظامين اللغويين. يجب على المترجم خلال عملية الترجمة رفض الإبداع ويقبل بدلا من ذلك اللغة المتخصصة التقليدية. ونعني هنا باللغة المتخصصة مصطلحات المجال التي تعكس هذه الشريحة من الواقع الذي هو حقل البحث لدائرة معينة من المتخصصين (Kurtán, 2003: 50).

وليس من السهل على المترجم أن يتعامل مع المصطلحات الخاصة لأنه قد يكون لديه تفضيلات لغوية أخرى، أو قد لا يقبل صيغ التعابير اللغوية القائمة (calque-forms)[1]. وقد يكون السبب الآخر للصعوبة حقيقة عدم توافر مصادر التوثيق لهم (Várnai 2006: 48). ومن المهم في حالة الترجمات السياسية أن يستخدم المترجم المصطلحات الموجودة في لغة المصدر، لأن هذا يصبح في الواقع مدونة للاتصال السياسي وأداة للنصوص المتماسكة. وإذا واجه المترجمون مفاهيم جديدة أثناء عملية الترجمة، يجب أن يأخذوا بعين الاعتبار عدة جوانب سياسية ولغوية وثقافية من أجل الوصول إلى المكافئ التام أو على الأقل المعادل الأكثر قبولا. يمكن للمرء في عملية الترجمة السياسية أن يجد في الدراسة المقارنة طريقة مفيدة. ويمكن استخدامها لإجراء دراسة مقارنة لنظامي اللغتين. وهذه عملية فكرية من شأنها إثراء النظام المرجعي للمترجم من خلال دراسة نظام مرجعي مختلف. وثمة هدف آخر لهذا النوع من الدراسة، وهو إجراء مقارنة بين النظامين السياسيين وتحديد السمات المشتركة والخصائص المختلفة.

دعونا نحلل كيف يمكن للدراسة المقارنة أن تساعد في المقارنة بين المعرفة اللغوية والمواضيعية، وكيف يمكن لهذه الطريقة بناء جسر بين ثقافتين وعالمين مختلفين. لن يكون من الممكن تفسير وإعادة كتابة الخطاب في شكل خطاب مكافئ مكتوب بلغة أخرى إلا إذا قام المترجم بتحليل العلامات اللغوية وفقا للجوانب غير اللغوية. ولإنتاج الترجمة، يحتاج المترجم إلى حد أدنى من المعرفة بالنظامين السياسيين. إن استخدام طرق الدراسة السياسية المقارنة أمر مهم ليس فقط لفهم كيفية عمل النظام السياسي المعني، ولكن أيضا لوضع النص بشكله الصحيح في الثقافة المستقبلة. إن المقارنة طريقة نظرية تساعد على فهم قوة وحدود الأفعال السياسية في النظامين السياسيين المختلفين، كما تشير إلى الجوانب المتقاربة والمتباينة للنظامين السياسيين. وأثناء عملية الدراسة المقارنة يكتسب المترجم المعرفة المواضيعية التي تصبح نشطة ومفيدة فقط في لحظة الترجمة نفسها. وفيما يتعلق بالترجمات السياسية، فإن المسألة الأكثر صعوبة هي ترجمة الواقع السياسي

وباعتباره أسلوب ترجمة، يمكن تعريف التكيّف على أنه طريقة تقنية وموضوعية. التعريف الأكثر شهرة هو تعريف فيناي وداربلنيت (Vinay and Darbelnet, 1958)، الذين يدرجون التكيف كإجراء ترجمة منفصل، حيث يبنون أن “التكيف هو إجراء يمكن استخدامه كلما كان السياق المشار إليه في النص الأصلي غير موجود في ثقافة النص المستهدف، مما يستدعي شكلا من أشكال إعادة الخلق “. ويعتبر هذا التعريف المقبول على نطاق واسع التكيف كإجراء يستخدم لتحقيق تكافؤ المواقف حيثما يتم مواجهة أوجه عدم التطابق الثقافي.

وقد لاحظت يوجين نيدا (Nida, 1964) أن اللغة جزء من الثقافة، بل إنها في الواقع مجموعة من العادات الأكثر تعقيدا التي تظهرها أي ثقافة. وتعكس اللغة الثقافة، وتوفر الوصول إلى الثقافة، وتشكل في كثير من النواحي نموذجا للثقافة. ولترجمة عناصر محددة للثقافة ولعكس نموذج معين للثقافة، يمكن للمترجمين استخدام التقنيات التالية:

الحذف: إلغاء أو تخفيض جزء من النص.

التوسع: تقديم معلومات صريحة متضمنة في النص الأصلي، سواء في المتن الرئيسي أو في الحواشي أو في مسرد كلمات.

الغرابة: استبدال التعبيرات العامية، اللغة المحلية أو اللهجة، كلمات هراء، وما إلى ذلك في النص الأصلي بمعادلات مقاربة لها في اللغة الهدف (التي تميز أحيانا بالخط المائل أو بخط تحتها).

التحديث: الاستعاضة عن المعلومات القديمة أو الغامضة بالمكافئات الحديثة.

التكافؤ الظرفي: إدراج سياق معروف أكثر من السياق المستخدم في الأصل.

الخلق: استبدال أكثر شمولا للنص الأصلي بنص يحافظ فقط على الرسالة الأساسية والأفكار والوظائف الموجودة في النص الأصلي.

الاستنتاج

ويمكن دراسة ترجمة الخطابات السياسية من منظور لغوي، ولكن يمكن النظر إليها أيضا من منظور أوسع، استنادا إلى نظرية الخطاب السياسي وعلى البحوث المتعلقة بدراسة اللغات الخاصة.

السمة البارزة في أسلوب الخطب السياسية هي الجمل الطويلة جدا. يرجع هذا الميل للجمل الطويلة إلى الحاجة لوضع كافة المعلومات حول موضوع معين في وحدة كاملة واحدة، وذلك للحد من الغموض الذي قد ينشأ إذا ما وضعت في جمل مختلفة (على سبيل المثال، هناك تعاطف عميق وحسن نية في ليبيا،  ولا أشك هنا  أيضا، أنه تجاه جميع شعوب أوروبا، وعزم على المثابرة عبر العديد من الاختلافات والرفض لإقامة صداقة دائمة). دائما ما يتم صياغة الخطاب السياسي بطريقة شخصية جدا وذلك لمخاطبة الجمهور المستهدف المختار (كلكم في هذا البلد مطلعين جيدا حول الشرق الأقصى، والاصدقاء المخلصين من الصين، وأنني لست بحاجة لأن أسهب حول الوضع هناك. ومن ناحية أخرى، أرفض فكرة أن حربا جديدة هي أمر لا مفر منه؛ ومع ذلك فهي لازالت وشيكة.)

الميزة الأخرى هي اللغة المرنة أو الغامضة. يحاول السياسيون أن يكونوا غير دقيقين قدر الإمكان ويستخدمون لغة عامة وغامضة ومبهمة. تعتبر اللغة المجردة والاستعارية هي المعيار في الخطب السياسية التي تتم كتابتها بشكل مثالي ليكون لها تأثير كبير على الجمهور الفعلي (ما يشتهون هو ثمار الحرب والتوسع الغير محدود لقوتهم ومبادئهم).

وبسبب هذه الميزات يصعب ترجمة الخطب السياسية، حيث يمكن أحيانا إدراجها في فئة النصوص الغير قابلة للترجمة. فالسياسيون لا يلقون كلماتهم ليتم ترجمتها لجماهير أجنبية. وبالتالي لا يمكن للمترجمين في بعض الحالات انتاج نصوص موازية متطابقة في المعنى، أو بنفس أثرها السياسي والتاريخي. ولذلك فإن المهمة الرئيسية للمترجم هي خلق نص من شأنه أن يرسل جوهر الرسالة المضمنة في النص الأصلي. وللقيام بذلك، يجب أن يكون المترجم قادرا على “فهم ليس فقط ما تعنيه الكلمات وما تعنيه الجمل، ولكن أيضا الأثر السياسي أو التاريخي الذي يمكن أن تحمله. كما يجب عليهم أيضا أن يعرفوا كيفية تحقيق ذلك التأثير المعين في اللغة الأخرى” (Quentel, 2006: 3). يجب أن يكون المترجمين قادرين على استخدام اللغة بشكل فعال للتعبير عن أهم المفاهيم السياسية من أجل تحقيق التأثير المنشود. ويجب أن يكونوا على دراية بالقواعد والأساليب التقليدية للخطابات السياسية (البلاغة، الأسلوبية).

ومع ذلك، هناك العديد من الاستراتيجيات لترجمة الغير قابل للترجمة مثل التوضيح أو استخدام الحواشي، ولكن في كل هذه الحالات هناك فقدان للمعنى الأصلي، والذي يمكن تعويضه في أجزاء أخرى من النص أو الخطاب. ووفقا لغادامر (Gadamer) “لا يمكن لأي ترجمة أن تحل محل الأصل […] إن مهمة المترجم ليست أبدا نسخ ما يقال، ولكن وضع نفسه في اتجاه ما يقال (أي بمعناها) من أجل نقل ما يجب قوله في اتجاه كلامه الخاص “(نقلا عن Newmark, 1988: 79).

 

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة