تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



آثار الترجمة السمعية البصرية على دراسات الترجمة

ينبغي مراجعة بعض مفاهيم دراسات الترجمة، وتوسيعها وإعادة النظر فيها عند تطبيقها على الترجمة السمعية البصرية. فمثلا

مفهوم النص: ‘نصوص الشاشة’ قصيرة الأجل ومتعددة الوسائط؛ ويستند تماسكها على التفاعل بين الصور والصوت (انظر قسم “كائن بحثي معقد”، أعلاه). لقد أصبح المفهوم غامض، فمن النص التقليدي كالترتيب الخطي للجمل، أو كتسلسل الوحدات اللفظية إلى النص التشعبي على الإنترنت (بالارتباطات التشعبية)، إن لم يكن غائم ومشوش. هل يشير مترجمي الأدب، ومترجمي المواد المرئية، ومترجمي المؤتمرات والمعربين أو الموطّنين (localizers) إلى نفس مفهوم “النص”؟

مفهوم التأليف: غالبا ما ينظر إلى المؤلف في الدراسات الأدبية ودراسات الترجمة على أنه فرد واحد. ولا يمكن التغاضي عن القضية في الترجمة السمعية البصرية ، لأن عددا من الجماعات أو المؤسسات جزء من العملية (كاتب السيناريو والمنتج والمدير والممثلين ومهندسي الصوت، والمصور، والمحررين، الخ).

مفهوم المعنى: لا يتم في الترجمة السمعية البصرية انتاج المعنى في تسلسل خطي ولا بنظام رموز واحد. وعلاوة على ذلك، هناك تفاعل ليس فقط بين مختلف العوامل المشاركة في إنشاء المنتج السمعي البصري، ولكن أيضا بينهم والمشاهدين، وحتى بين منتوجات سمعية بصرية مختلفة (المراجع البصرية، التلميحات). يتضرر في الترجمة السمعية البصرية التنظيم في تسلسل هرمي بين النسخة الأصلية والترجمة، بين الإنتاج وإعادة الانتاج، بين البث الأولي وإعادة البث، مع العلم، على سبيل المثال، أنه يمكن تحرير فيلم لأغراض مختلفة وبطرق مختلفة للتلفزيون، للعرض المرئي الرقمي (DVD)، لرحلة جوية أو جماهير محددة (العرض الصحيح سياسيا، والإصدارات، وتهذيب الكلمات البذيئة، وما إلى ذلك). إن عولمة صناعة السينما لا يعني بالضرورة توحيد المعاني والروايات وتعليقات العامة.

مفهوم الترجمة: يسلط مفهوم الترجمة نفسه الضوء على عدم وجود توافق في الآراء، وهو متداخل كمفهوم التكييف، والتلاعب، والنقل وإعادة الاصدار. وقد رأينا أعلاه أن الترجمة تشمل التغييرات في الرموز واللغات.

مفهوم وحدة الترجمة: تنطوي قضايا النص والتأليف والمعنى على أسئلة تتعلق بوحدة الترجمة في الترجمة السمعية البصرية.

مفهوم وأنواع استراتيجيات الترجمة: تختلف الاستراتيجيات على المستويين الكلي والجزئي، وفيما يتعلق بالمؤثرات الاجتماعية والسياسية والثقافية للترجمة السمعية البصرية.

الروابط بين قواعد الترجمة والقيود التقنية: يقوم الهواة (انظر ‘أثر التقنية’، أعلاه) بإدخال اختلافات طوبوغرافية، وإضافة المسارد أو التعليقات، أو يقومون بتغيير موضع السطور، وما إلى ذلك. فإلى أي مدى تتضمن التقنية بعض الأعراف الجديدة؟

وتعتبر العلاقات بين المكتوب والشفوي (Gambier and Lautenbacher, 2010)، وبين القواعد المكتوبة، وبين الكلام العادي والدوبلاج قضية أخرى ذات صلة. فعلى سبيل المثال، ما هي مسؤولية مترجم المواد السمعية البصرية ودوره الاجتماعي اللغوي؟

إمكانية الوصول هي كلمة رئيسية في الترجمة السمعية البصرية، ليس فقط باعتبارها قضية قانونية وتقنية ولكن كفكرة تهز الطريقة المهيمنة لتقييم جودة الترجمة، والهدف من ذلك هو تحسين سهولة استخدام الترجمة السمعية البصرية، والبرمجيات، ومواقع الويب، وغيرها من التطبيقات. وهي تغطي مجموعة متنوعة من السمات التي تشمل ما يلي:

المقبولية، المتعلقة بمعيار اللغة، واختيار الأسلوبية، والأنماط البلاغية، والمصطلحات.

الوضوح، والذي يعرّف (للترجمة السمعية البصرية) من حيث الخط، وموضع الترجمات، ومعدل الترجمة.

سهولة القراءة، التي تعرّف أيضا من حيث معدلات القراءة، وعادات القراءة، وتعقيد النص، والحمل الدلالي، وتغييرات المشاهد ومعدلات الكلام، وما إلى ذلك.

التزامن، ويتم تعريفه (للدبلجة، والصوت الفوقي، والتعليق الحر) بملائمة الكلام لحركات الشفاه، وبنسبة الكلام للعناصر غير اللفظية، وبنسبة ما يقال لما يتم عرضه (صور)، الخ.

الملائمة، من حيث ما هي المعلومات التي سيتم نقلها، حذفها، أضافتها، أو توضيحها من أجل عدم زيادة الجهد الإدراكي الذي تتطلبه عملية الاستماع أو القراءة.

وبالتالي يمكن للترجمة السمعية البصرية أن تسبب في اضطراب دراسات الترجمة. يمكن لدراسات الترجمة بدورها أن تساعد في تطوير بحوث الترجمة السمعية البصرية  بشكل أكثر اكتمالا في المستقبل. وعلى الرغم من أن العلماء قد أنتجوا ثروة من المواد في العقدين الماضيين، فهم يميلون لتقييد أنفسهم بمجموعة صغيرة من القضايا، مع درجة معينة من الإملائية (prescriptivism). حتى لو كان التخصص التعددي يميز بشكل متزايد البحث في الترجمة السمعية البصرية اليوم، بطرق ومفاهيم مستعارة من الدراسات الأدبية وعلم الاجتماع وعلم النفس التجريبي والدراسات السينمائية ودراسات الاستقبال والتاريخ والتعليم، فإن الأطر التي تنفذ بها الكثير من تحليلات الترجمة السمعية البصرية لازالت من علم اللغة أساسا، بما في ذلك البراجماتية، وتحليل الخطاب وعلم اللغة المعرفي، كما لو كان المكون اللفظي للترجمة السمعية البصرية كافيا لوصفها وفهمها كعملية ومنتج، بتأثيره الاجتماعي والأيديولوجي. صحيح أن البحث يتجه تدريجيا بعيدا عن دراسات الحالة والقضايا المحددة ونحو المناهج القائمة على أساس قواعد البيانات اللغوية والتنظير المنهجي[5]. وبصورة أعم، فإن الرقمنة والوصول إلى الإنترنت ييسران البحث عن طريق زيادة توافر المنتجات السمعية البصرية ومكوناتها (مثل النصوص) وزيادة انتشار البرامج السمعية البصرية وبرامج ترجمتها في مجال التدريب والإنتاج والتحليل والنشر. ومع ذلك، فالمساهمات تركز حاليا على:

بعض المشاكل: كيف يمكن أو يجب ترجمة الفكاهة، والكلمات البذيئة، وتعبيرات المخاطبة، والتهذيب، وعلامات الخطاب، وسجل اللغة، والمواد الثقافية.

بعض القيود: ما هي خصوصية النصوص السمعية البصرية وفقا لوضعها (شفهية، مكتوبة، أيقونية، مختلطة)؟ ما هي الأنواع المختلفة؟ ومع ذلك، فالنسخ والتحليل ضد التعقيد السيميائي لمثل هذه النصوص السمعية البصرية، ومعناها مكون من اقتران الصور والأصوات والكلمات.

بعض الآثار: ما الذي تفترضه قراءة أو مشاهدة مستويات وأنواع جديدة من النص للثقافة الهدف؟ هذا النوع من البحوث تتقاسمه الدراسات ذات المنظور التاريخي (القضايا السياسية، أسباب الرقابة).

أما بالنسبة للبحوث التي تستند بشكل خاص إلى دراسات الترجمة، والبحث عن ما هو على المحك في الترجمة السمعية البصرية، فلدينا الأعمال المستوحاة من نظرية النظام التعددي (polysystem theory)، والمناهج الوظيفية والدراسات الوصفية (ما هي معايير الترجمة السمعية البصرية ؟ وما هي الاستراتيجيات عندما يواجه المترجم بعض العلامات السيميائية أو بعض السمات اللغوية؟). وبالإضافة إلى ذلك، يمكننا أن نذكر النماذج والتحليلات من منظور تعليمي، فهي عادة ما تكون محاولة لوصف النصوص السمعية البصرية من وجهة نظر مهنية أكثر من الجوانب التقنية، ومن الأطر الأيديولوجية والثقافية (أي السياسات)، وكلها جوانب تحدد ظروف فعل الترجمة. كما إن الدراسات التعليمية تكون في كثير من الأحيان فرصة لتحديد الكفاءات أيضا.

وعموما، ما زالت البحوث مجزأة، براسات مجزأة أساسا حول الترجمة السمعية البصرية بين اللغات وداخلها، ودراسات أخرى معزولة عن وسائط الترجمة السمعية البصرية. ولا يزال هناك طريق طويل يتعين علينا قطعه لتكوين حقل بحثي متماسك يجمع بين جميع الرموز السيميائية، بما في ذلك تأثير تلك الرموز على الرموز اللغوية. إن ما نحن في حاجة إليه أيضا هو المزيد من الدراسات التجريبية حول على عادات المشاهد في المعالجة، واستراتيجيات القراءة وأنماط الاستقبال، التي تميز بين ثلاثة أنواع من الاستقبال ، على الأقل بالنسبة للأنواع المكتوبة من الترجمة السمعية البصرية: الاستجابة، أو فك الرموز الإدراكي الحسي (lisibility)، الذي بحث فيه حتى الآن عدد قليل من علماء النفس التجريبيين في الثمانينات والتسعينات؛ ورد الفعل، أو القضايا النفسية المعرفية (أمكانية القراءة). والآثار المترتبة، أو مسألة مواقف المشاهدين (تفضيلات المشاهدين وعاداتهم فيما يتعلق بأسلوب الترجمة السمعية البصرية ؟)؛ والبعد الاجتماعي الثقافي للسياق غير التلفزيوني الذي يؤثر على عملية الاستقبال. وتتاح الآن طرق مختلفة لمثل هذه الدراسات، على سبيل المثال، تسجيل ضربات لوحة المفاتيح وتتبع العين (Gambier, 2003: 184–7, 2008: 29–30).

ويتطلب الانتشار المتزايد للنصوص على الشاشة في الحياة اليومية والتجزؤ المستمر للجماهير فهم احتياجات المشاهدين على نحو أفضل، وتحديد أولويات الترابط في الفضاء الزمني وأولويات الوساطة لمترجمي المواد السمعية البصرية.

 

المصدر: عالم أكاديميا 

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة