تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



 

وضع دراسات الترجمة السمعية البصرية

في السنوات العشرين الماضية أصبحت الترجمة السمعية البصرية (audiovisual translation)

في حد ذاتها شكل معترف به للترجمة وأيضا كمجال أكاديمي للبحوث. وهي تتعلق أساسا بنقل الكلام المتعدد الأشكال والوسائط المتعددة (الحوار، والمونولوج، والتعليقات، وما إلى ذلك) إلى لغة أو ثقافة أخرى. وبينما نحتاج من سنتين إلى أربع سنوات لإنتاج فيلم (من كتابة السيناريو والبحث عن الدعم المالي إلى الإطلاق والبث)، فغالبا ما يتم إعطاء بضعة أيام فقط لتوفير الترجمة. وبالتالي، فإنه ليس من المستغرب أن ينظر معظم الناس الترجمة السمعية البصرية كمشكلة، أو خسارة، بدلا من كونها حلا خلاقا لمشاكل التوزيع الدولي

 

القصة قصيرة والمجال يتوسع

أصبحت الترجمة السمعية البصرية أكثر شهرة وأكثر نقاشا في دراسات الترجمة منذ الذكرى المئوية للسينما (1995)، والتي تزامنت أيضا مع ازدهار ما يسمى التقنية الجديدة. ومع ذلك، فقد كانت الترجمة دائما تحديا في تاريخ السينما، في مواجهة أسطورة عالمية الأفلام، التي دافع عنها رينوار (J. Renoir)، وفورد (Ford)، وإيسنستين (S. Eisenstein)، وكلير (R. Clair)، وفيدور (K. Vidor)، ومورنو (Murnau)، وشابلن (Chaplin)، الخ. حتى الأفلام الصامتة لم تكن صامتة، حيث كانت هناك أصوات (موسيقى البيانو، المؤثرات الصوتية، الراوي وراء الستار الذي يروي قصة، ترجمة العناوين المتخللة، الخ). ثم جاءت اللإلام الناطقة، بين عامي 1926 و 1931. ولأن السينما كان ينظر إليها منذ البداية باعتبارها فن وعمل تجاري، سرعان ما أثيرت مسألة اللغات. فكيف يمكن للمرء تصديرها، وأين، إذا كانت الجماهير لا تفهم الفرنسية، الإنجليزية، الخ (Vasey, 1997)؟

في بين عامي 1928 و 1930 اعتمدت جميع الصناعات السينمائية الموسيقى التصويرية، وبالتالي حدثت تغييرات في تنفيذ السيناريو، وفي طريقة الاخراج والتصوير. ولتلبية المطالب الجديدة، قام مخرجو الأفلام بإصدار نسخ ثانية يؤدي فيها الممثلون أدوارهم بلغتهم الخاصة، تتضمن أحيانا صور مختلفة من أجل استهداف جمهور معين بشكل أفضل (Barnier, 2004). وهذا يسبق التحري النهائي الحالي، الذي يتكيف مع مشاهدين محددين. في البداية تم تصوير النسخ المختلفة في نفس البيئة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم استيراد الممثلين المحليين من فرنسا وألمانيا وغيرها. ومع تراكم النسخ أحادية اللغة، وخاصة بين عامي 1929 و 1932، تم إخفاء الاختلافات اللغوية والترجمة، ولكن بسبب تكاليف الكثير من النسخ المختلفة المتشابهة، تم الاستعانة بمصادر خارجية للتصوير. وقامت هوليوود ببناء استوديوهات في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإنجلترا، وغيرها. وفي الثلاثينيات من القرن العشرين ظهرت الدبلجة. ومنذ ذلك الحين، لم يم التعامل مع التحدي اللغوي من قبل شركات الإنتاج وإنما من قبل شركات التوزيع والبلدان المستوردة (Higson and Maltby, 1999).

كما تم تطوير حل آخر في ثلاثينيات القرن العشرين تمثّل في الطبعة الجديدة، وهو نوع من التخصيص بتغيير اللغة و إلى حد ما الحبكة أيضا، بكل قيمها وافتراضاتها، والشخصيات والسياق الثقافي. وإذا كان معظم الطبعات الجديدة في الفترة من 1930 إلى 1950 أفلام أمريكية معاد انتاج سياقها في أوروبا ولأوروبا، فإنه منذ ثمانينيات القرن الماضي تم عكس هذه الخطوة، حيث ثم إعادة انتاج الأفلام الأوروبية الناجحة في الولايات المتحدة الأمريكية.

الأفلام متعددة اللغات (التي نفذت بعدة لغات) ليست جديدة تماما في تاريخ السينما (J.L. Godard, 2010)، حيث تمكنت السينما مرارا وتكرارا من تمثيل التنوع اللغوي، والاتصالات اللغوية والصراعات، والهوية اللغوية، وأيضا تمثيل المترجم التحريري والشفوي كشخصيات، في معارضة مباشرة لصورة هوليوود السلبية التي لن تخلق سوى عالم أحادي اللغة (Cronin, 2008). تعدد النسخ اللغوية أحادية اللغة وتعدد اللغات في الأفلام هما استراتيجيتان مختلفتان لمواجهة “مشاكل” اللغة في السينما

في وقت مبكر جدا من سنة 1934، أصبحت ترجمة الأفلام والدبلجة متعارضين، برغم وجود حجج مختلفة. ليس من الواضح دائما لماذا تم اختيار أحدهما في أحد الحالات وتم تفضيل الآخر في حالات آخر. وقد تم تحديد الاختيار بين النموذجين بعوامل اقتصادية وإيديولوجية وبراغماتية مختلفة، ولكن ليس بالضرورة بشكل سريع ودائم. فعلى سبيل المثال، يفسر التنافس الطويل والصعب بين فرنسا وهوليوود التردد بين الشكلين اللذين حدثا في فرنسا لأكثر من عقدين (Danan, 1994). تتمثل أحد السمات المتعلقة بمشهد الترجمة السمعية البصرية في أن معظم ما يسمى “بلدان الترجمة السينمائية” لديها ما يسمى لغة أقل استخداما، في حين أن معظم “دول الدبلجة” لديها لغة “دولية” (الإنجليزية والفرنسية، الخ) وجمهور أكبر. ومع ذلك، فإن التقنية الرقمية اليوم تجعل هذا التعارض غير واضح.

وتعكس المصطلحات المستخدمة لمناقشة الترجمة السمعية البصرية الوضع المتغير جزئيا، وخاصة مع مساهمة التقنية، وجزئيا التوسع والتخصص المتزايد في ممارسة الترجمة السمعية البصرية والبحوث. وقد وضعت المنشورات الأولية حول الترجمة السمعية البصرية ، من منتصف خمسينيات القرن العشرين إلى الثمانينات تحت مسمى ترجمة الأفلام. وقد فشل هذا المصطلح في تغطية التلفزيون ثم الفيديو، وأنواع البرامج الأخرى غير الأفلام الطويلة (مثل البرامج الحوارية والأفلام الوثائقية). وفي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أصبح النقل اللغوي شائعا، ولكن بتركيزه على اللغة تجاهل تعقيد النصوص السمعية والبصرية (استخدام الإشارات السمعية والبصرية واللفظية). وقد أدى إدخال مصطلح الترجمة السمعية البصرية منذ حوالي 20 عاما إلى إبراز البعد المتعدد الجوانب لجميع البرامج الإذاعية (التلفزيون والسينما والإذاعة والعرض المرئي الرقمي). وهو اليوم المصطلح الأكثر شيوعا في هذا المجال. يجب أن يقال هنا أنه أحيانا يتم في هذه المهنة، تفضيل التحويل (versioning) كمصطلح عام يشمل الترجمة السينمائية، والدبلجة، الخ. كما يستخدم مصطلح “ترجمة الشاشة” (screen translation) أيضا في الدوائر الأكاديمية، وهو يغطي جميع المنتجات الموزعة عبر الشاشة (التلفزيون والسينما أو شاشة الحاسوب )، وهو لا يشمل الترجمة للمسرح، ولكنه يشمل التوطين أو التعريب (localization) الذي لا يعتبر شكل من أشكال الترجمة السمعية البصرية. كما استخدمت الترجمة لوسائط الإعلام في بعض الأحيان لكل من الاعلام السمعي البصري والمطبوع. أما بالنسبة للترجمة متعددة الوسائط (multimedia translation)، فهي تشير صراحة إلى العديد من وسائل الإعلام والقنوات المستخدمة حاليا في الاتصالات العالمية والمحلية لأغراض مختلفة (المعلومات، والترفيه، والتعليم، والإعلان، وما إلى ذلك). ومن الواضح أن قائمة المصطلحات ليست مغلقة بسبب التطورات في التقنية، وحيوية مجال البحث وتنوع الممارسات (انظر “تأثير التقنية”، أدناه). في الواقع، هذا التنوع في المصطلحات يعكس الصعوبة في تحديد نطاق الترجمة السمعية البصرية.

كائن بحثي معقد

يتكون المنتج أو الأداء السمعي البصري من عدد من أنظمة الرموز الإشارية التي تعمل في وقت واحد لإنتاج المعنى. ويفهم المشاهدين والمترجمين سلسلة الرموز المشفرة التي يربطها المخرج (التأطير والتصوير) والمحرر (التنقيح) بطريقة معينة. يتم تنظيم هذه الرموز بطريقة بحيث يكون معنى الفيلم، الشريط الوثائقي أو السلسلة أكثر من مجرد إضافة معاني كل عنصر أو كل رمز سيميائي. وتستخدم جميع الوسائل اللفظية وغير اللفظية لتحقيق الاتساق والقصد والمعلوماتية والتداخل النصي والملاءمة وقواعد الحوار (تجنب الغموض، والتنظيم، والإعلام بقدر الضرورة، وما إلى ذلك). ويمكن تطبيق نماذج دلالية مختلفة ونماذج مختلفة من التفاعل على الصور المتحركة، من تلك المقترحة في علم اللغة النصي، وفي البراغماتية، إلى تلك المقترحة في تحليل الخطاب وعلم الدلالة السيميائي (Mason, 1989 & 2001; Hatim and Mason, 1997; Perego, 2003).

أحد التحديات الرئيسية للبحث في الترجمة السمعية البصرية هو تحديد أنواع العلاقات بين الإشارات اللفظية وغير اللفظية. يجري العديد من العلماء في الترجمة السمعية البصرية تحليلاتهم كما لو كانت الإشارات المختلفة تعمل على طول خطوط متوازية، بشكل مستقل تقريبا. فهم يدعون أولا أن الفيلم هو كيان متعدد الاشارات، ثم يحللون البيانات اللغوية بشكل منفصل، متناسين تعقيد وديناميكية عملية المعنى. وقد تفسر عوامل مختلفة هذا الموقف، الذي يعكس السبب في عدم اعتبار ترجمة الأفلام ودبلجتها في بعض الأحيان ترجمة، حيث أنه كان هناك شعور بأن الترجمة “يجب” أو “ينبغي” أن تتعامل حصريا مع الكلمات! الوضع آخذ في التغير، ولكن لا تزال هناك مشاكل منهجية قوية فيما يتعلق بكيفية معالجة تعدد الإشارات، ويعتبر النهج المتعدد الوسائط (Taylor, 2003) أحد الحلول الممكنة.

إذن، كيف يمكن للمرء أن يعرف مصطلح السمعي البصري؟ وبعبارة أخرى، ما هي الطريقة لتحديد موضوع دراسة الترجمة السمعية البصرية؟ هناك على الأقل اثنين من المقترحات الرئيسية: اللفظي وغير اللفظي والسمعي البصري (Zabalbeascoa, 2008). إن أهمية وكمية بعض العلامات دائما نسبية. يمكن أن تفوق أهمية الصوت الأشكال السيميائية البصرية في تسلسلات معينة؛ ويمكن لمدونة الفيلم أن تفوق علامات اللغة في تسلسلات أخرى. ويمكن تصنيف أنواع الأفلام وأنواع الترجمة السمعية البصرية وفقا لهذا المخطط المرن (Chaume, 2004). يلخص الجدول (1)[1] أربعة عشر من الرموز السيميائية المختلفة التي تنشط بدرجات مختلفة في إنتاج المعنى. كيف يمكننا وصف التواصل السمعي البصري ووظائف اللغة في هذا النوع من الاتصالات؟ الإجابات على هذه الأسئلة لها تأثير على ما سيتم ترجمته وعلى استراتيجيات الترجمة. على سبيل المثال، في ترجمة الأفلام، حيث يحتاج المرء إلى تكثيف واختيار المواد اللغوية، هل يمكن للمرء أن يترجم أو يغفل عبارات المخاطبة، وكلمات الشتيمة والمواد الثقافية، وما إلى ذلك؟ كل هذا يتوقف على وظيفتها في وقت معين، في مشهد محدد، وعلاقتها بالعلامات السيميائية الأخرى. و لا يمكن أن يكون الجواب هو ضرورة حذف عبارات المخاطبة دائما!

السيميائية في انتاج المعنى: 

يتحدث الشخصيات في الاتصال السمعي البصري مع بعضهم البعض، بوجود مشاركين جانبيين في الاستماع وقادرين على التدخل في أي لحظة. وهؤلاء الناس يضافون (من المارة)، على مسافة معينة (في شارع، مقهى، مكتب)؛ ويكون لهم تأثير على الشخصيات المتحدثة: حجم أصواتهم، توقفهم، نظراتهم، لفتاتهم، وما إلى ذلك. وفي بعض الأحيان هناك أشخاص مخفيون، مثل استخدام الضحك المعلب في الكوميديا. ثم أن لدينا جميع المشاهدين (المتنصتين). في الواقع، تتحدث الشخصيات والمتفرجون بشكل غير مباشر إلى المشاهدين الذين لا يستطيعون التفاعل ولكنهم المخاطبين الأوائل النهائيين على حد سواء (Bell, 1984). يعمل كل من مؤلف السيناريو، والمنتج، ومخرج الفيلم، والممثلين والمحرر مع جمهور هدف معين في الاعتبار. ومع ذلك، هناك نوع معين من المشاهدين لا تتم مخاطبته بالضرورة في هذه المرحلة، ألا وهو الأجنبي الذي يحتاج إلى ترجمة. يتعارض عالمين في الأفلام: الذي ينشئه الخيال و الواقعي. لا ينخدع معظم المشاهدين بالوهم والتمثيل الذي يقدمه فن صناعة الأفلام، ولكنهم لا يريدون أن يكون هذا الوهم محطما بسبب التحرير الفج، والدبلجة الفقيرة أو الترجمة الغير ملائمة، وهذه الأخيرة تكون بسبب كون الترجمات بالكاد تكون مفهومة ، أو أنها تتطلب الكثير من الجهد المعرفي أو أنها صعبة القراءة.

ويمكن أن تكون العلاقة بين الصوت والصور والمحتوى اللفظي:

إطنابيه (أحد العلامات تكرر أو تؤكد أخرى).

تكاملية (الموسيقى تعلن عن توتر معين).

مستقلة (التركيز على منفضة سجائر لا علاقة له على الفور بالكلام الحالي).

تناقض (يمكن للفتة معينة أن تعارض ما يقال).

مسافة (من أجل أن روح الدعابة أو لخلق علامة على التواطؤ).

نقدية (إجبار المتفرج على اتخاذ موقف).

مساعدة (تساعد الصورة على فهم لماذا تقال الأشياء بطريقة معينة).

وفيما يتعلق بالعنصر اللفظي في العملية السمعية البصرية، فيمكن أن تكون له وظائف مختلفة:

تفسيرية (تقديم أو إضافة قطعة من المعلومات غير معروضة في الصور).

أدائية (تساعد على القيام بشيء ما).

تخصيصية (إعطاء السمات اللغوية من أجل تحديد شخصية).

ترسيم الحدود (تنظيم السرد السينمائي، وتسهيل تطور الحبكة، والتمييز بين الحلم والواقع والماضي والحاضر والمستقبل)

 

المصدر: عالم أكاديميا


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة