تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



جوهر توجيه ‘الترجمة’ نحو ‘ترجمة النثر الأدبي

لقد “بدأت الترجمة بعد ظهور الأدب المكتوب فقط ” (Cohen, 1986: 12). وهي تعني “إيصال معنى نص لغوي مصدر عن طريق نص لغوي هادف مكافئ” (Bhatia, 1992: 1,051). وباختصار، فإن الترجمة هي صب العني من إناء إلى آخر يكافئه. وبينما يمثل النثر الكلام أو الكتابة العادية، من دون هيكل عروضي (متعلق بموازين الشعر)، فهو يبين “الكلمات في أفضل ترتيب لها” (Webster’s Unabridged Dictionary, 1913). وبعبارة أخرى، كل شيء ليس شعر هو نثر (Le Bourgeois Gentilhomme”, 2010). لذلك، فيما يتعلق بالتعريف المذكور، يمكننا أن نقول أن التفكير هو ترجمة أفكار واقعية بدون ملحقات، لأن الأفكار (في الدماغ) لا تتبع أي تكوين عروضي.

لم يتم اعطاء أهمية كبيرة لدراسات الترجمة مبكرا. أما الآن، فيبدو أن عقلية الناس تتغير؛ حيث يختصر أوكتافيو باز (Paz, 1971) الحال بالنسبة لدراسات الترجمة بالقول إن جميع النصوص هي ترجمات لترجمة ترجمات، لأنها عناصر لنظام أدبي، والتي لم تنحدر فقط من أنظمة أخرى ولكنها أيضا مرتبطة بها. أن رؤيته  تحاكي بشكل معتدل مفهوم تيري إيغلتون (Eagleton, 1977: 72) الذي يفترض أن “كل نص هو عبارة عن مجموعة من التحولات الحاسمة لآخر …”. فوفقا لباز (Paz, 1971: 9 )، فإن

كل نص فريد من نوعه، وفي الوقت نفسه، هو ترجمة لنص آخر. ليس هناك نص أصلي تماما لأن اللغة نفسها، في جوهرها، هي بالفعل ترجمة: أولا، للعالم غير اللفظي، وثانيا، لأن كل إشارة وكل عبارة هي ترجمة لإشارة أخرى وعبارة أخرى. ومع ذلك، يمكن أن تنعكس هذه الحجة دون فقدان أي من صلاحيتها: كل النصوص أصلية لأن كل ترجمة تعتبر مميزة. كل ترجمة، وصولا إلى نقطة معينة، هي اختراع وعلى هذا النحو فهي تشكل نص فريد من نوعه.

تختلف ترجمة النثر الأدبي عن الإبداع الأدبي لأن وجودها يعتمد على وجود مادة الترجمة، وهو العمل المراد ترجمته. ومع ذلك، فإنه ليس من الممكن دائما ترسم حد منفصل في الإجراء الأدبي الحقيقي بين ترجمة النثر وكل الأدب الإبداعي. ففي بعض الأمثلة، قد لا يكون عملا ما ترجمة بالمعنى الصحيح، ولكن قد لا يكون من الممكن اعتباره بالكامل كعمل أدبي إبداعي. هناك عدة تسميات تُستخدم لوصف هذه الأعمال مثل “ترجمة مفتوحة”، “مصطنعة”، “عمل على موضوعات”، و “قائمة على”. وتعتمد المعاني الخاصة لهذه الأوصاف على اللغة والزمن.

يقدم والتر بنيامين (Benjamin, 1996) فكرة أن الترجمة لا تعني نص أصلي، لأنها ليس لها علاقة بالتواصل، وغرضها ليس حمل المعنى، وما إلى ذلك. العمل الكتابي ليس مجرد تقليد أو نسخ، وإنما سعي لاستخراج ونقل جوهر نص سابق. ولكن، ليست الرسالة هي التي يتم تمريرها في الترجمة الجيدة، حيث يقول بنيامين حول ما يقوله العمل الأدبي بأنه “يخبرنا القليل جدا” (Benjamin, 1996: 253). ويبين بنيامين العلاقة بين الأصل المفترض والترجمة باستخدام رمز ظل الزاوية، فالترجمة كالخط المستقيم أو المنحنى، الذي يمس الدائرة (أي الأصل) في نقطة واحدة ويتابع طريقه بعدها.

في البداية، يبقي المترجم كل من اللغة المصدر  و اللغة الهدف في ذهنه، ويحاول ان يترجم بدقة. ولكن، يصبح من الصعب جدا بالنسبة للمترجم فك كتاب كله حرفيا. وبالتالي، يأخذ بوجهة نظره الخاصة ويحاول الترجمة وفقا لذلك. ولذلك، يمكن أن تكون الترجمة حرية وعبودية (Vieira, 1999: 111). ومن المسلم به على نطاق واسع أن النص الأصلي، والنسخة المترجمة ، واللغة الأصلية و لغة الترجمة تتغيران باستمرار في المكان والزمان. كما يشبه المترجمين البرازيليين المترجم بآكل لحوم البشر، لأنه يلتهم النص المصدر في أحد الطقوس التي تؤدي إلى خلق شيء جديد تماما (Bassnett, 1980: xiv).

 

ولكن هل المترجم يتحدث  فعلا؟ يمكن أحيانا للمترجم أن يتحدث خصوصا عندما يصبح بيني بفعل إعادة الصياغة. إذا كان تفكير المترجم كتابة بدون ملحقات (Dimitriu, 2002: 227)، فمن المنطقي القول بأنه يتحدث باستمرار من خلال قلمه، ولوحة المفاتيح! ولذلك يقبل العديد من الناشرين والمراجعين والقراء النص المترجم إذا كان سهل القراءة، وإذا كان يعكس شخصية المؤلف الأجنبي أو غرضه أو الشعور الأساسي بالكتاب الأجانب (لأن الترجمة ليست ترجمة في الواقع، ولكنها الاصل).

دعونا نتأمل في مفهوم تكافؤ الترجمة الآن. تتأرجح الفكرة بين الترجمة الحرفية والحرة، المخلصة والحسنة، والدقيقة والطبيعية، وهذا يتوقف على ما إذا كان التحيز لصالح المؤلف أو القارئ، لغة النص المصدر أو الهدف (Newmark, 1988). ومع ذلك، فإن “الترجمة الدينامية المكافئة” مهمة جدا ويجب أن تكون لدى المترجمين (وخاصة مترجم النثر) فكرة جلية حول هذه الظاهرة. ينظر منظري الترجمة للتكافؤ الدينامي باعتباره نظام ترجمة؛ ووفقا لهذا النظام بالذات، يبحث المترجم عن ترجمة المعنى الأصل بطريقة سيستمتع بها قراء اللغة الهدف بالنص، كما يستمتع به عادة قراء النص المصدر. يجادل كلا من يوجين أ نيدا وجيم تابر (Nida and Taber, 1982: 200) بأنه

في كثير من الأحيان، يتم تغيير شكل النص الأصلي. ولكن ما دام التغيير يتبع قواعد التحول للوراء في اللغة المصدر، والاتساق السياقي في النقل، والتحول في اللغة المستقبلة، فسيتم الحفاظ على الرسالة وتعتبر الترجمة مخلصة.

من الواضح أنهم ذكروا أن دينامية التكافؤ في الترجمة تعتبر أكثر بكثير من مجرد التوصيل الصحيح للمعلومات. ويقول نيدا أن تعريف الترجمة المكافئة الديناميكية هي وصفها بأنها “المكافئ الطبيعي الأقرب لرسالة اللغة المصدر”. ويشمل هذا التعريف ثلاثة شروط أساسية هي:

المكافئ، والذي يشير إلى رسالة اللغة المصدر.

الطبيعي، والذي يشير إلى اللغة المستقبلة.

الأقرب، والذي “يربط التوجهين معا على أساس أعلى درجات التفكر”.

ويشير مصطلح “الطبيعي” إلى ثلاثة مجالات لعملية الاتصال: يجب أن يتلاءم الوصف الطبيعي مع إجمالي اللغة والثقافة المستقبلتين، وسياق الرسالة المحددة، وجمهور اللغة المستقبلة. ولذلك، ينبغي أن لا تحمل الترجمة أي أثر واضح للأصل الأجنبي. يوضح الشكل التالي أن المترجم يعتبر كلا من المتلقي والمرسل:

نحن نترجم النصوص والجمل وغيرها، وهذه العملية تساعدنا على التواصل مع الآخرين الذين لديهم جذور ثقافية مختلفة. وفي كثير من الأحيان تستدرجنا سمة الترجمة إلى “الأزمنة والفضاءات المختلفة بين السلطة الثقافية وممارساتها الأدائية” (Lloyd, 1987: 110-111). ويتكون زمن الترجمة من تلك الحركة للمعنى، ومبدأ وممارسة التواصل الذي، على حد تعبير دي مان (P. de Man, 1986: 92) “يضع الأصل في حركة لنزع القدسية عنه، واعطائه حركة التشظي، وتجوال الرسالة، ونوع من الاغتراب الدائم”. لا توجد اشكالية في هذه الرؤية. ولكن، لا يمكننا أن نؤيد تماما  وجهة نظر جاستشي (Gasche, 1988: 92) بأن الترجمة هي “اللغة في الواقع (النطق، وعملية قوله) بدلا من اللغة في الموقع (ما يقال، أو خبرية)”. وفي رأينا، من الممكن تصور أن الترجمة هي اللغة في الواقع وكذلك في الموقع لأنها (الترجمة) لا تشمل فقط عملية قول شيئا ما، ولكنها تشمل أيضا ما قيل أو النص المعروض.

 

يشير رومان جاكوبسون في مقالته “عن الجوانب اللغوية للترجمة”، مباشرة إلى الصعوبة الأعمق في كل فئة. ويرى أنه لا يوجد عادة تكافؤ كامل من خلال الترجمة، ولكن من الممكن أن تكون الرسائل كتحليلات مرضية لوحدات الرموز أو الرسائل. ويتوافق المنظر الفرنسي جورج مونين (Georges Mounin) مع جاكوبسون، حيث يرى الأول الترجمة كسلسلة من العمليات التي تعتبر نقطة بدايتها ومنتجها النهائي “دلالات” تُوظف في سياق ثقافي معين (استشهد به في Susan Bassnett, 1980: 15).

اشكاليات في ترجمة النثر الأدبي

الترجمة نشاط صعب، وهناك بعض الصعوبات التي تظهر في جميع مراحل عملية الترجمة لأن كل لغة تُصور العالم بطريقة مختلفة، ولها هياكل وقواعد لغوية ونحوية خاصة، وتختلف في طريقة بنائها للجمل. على سبيل المثال، يمكن أن يكون الفاعل مستتر في اللغة العربية، أما في الإنجليزية فلا. وكما يقول تشونغ (Zhongde, 1991: 7) فإن “صعوبة الترجمة تكمن فقط في حقيقة أن كلا من المحتوى والأسلوب موجودين بالفعل في النص الأصلي، ونتيجة لذلك، سيتحتم عليك بذل قصارى جهدك لإعادة إنتاجهما كما هما في لغة مختلفة تماما”.

إن أكثر المشاكل الخاصة التي تواجه المترجمين تشمل النص الذي لا يمكن قرائته، والمراجع المفقودة، والعديد من تراكيب قواعد اللغة، والمصطلحات العامية والكلمات الجديدة، والمصطلحات الغامضة الغير منطقية، والمختصرات والاختصارات التي لا يمكن تفسيرها، وعدم قبولية الترجمة (untranslatability)، وسوء التسمية المتعمد، والإشارات الثقافية المحددة، الخ. ومع ذلك، هناك بعض المنظرين الذين يعتقدون أن الترجمة الحرفية غير ممكنة، ويقدمون ثلاثة أسباب رئيسية تدعم موقفهم:

غالبا ما تحتوي كلمة معينة في احدى اللغات على معاني تتطلب العديد من الكلمات في لغة أخرى.

عدم توفر كل العناصر النحوية (زمن الأفعال، المفرد / المثنى / الجمع، الحالة، الخ) في كل لغة.

قد تكون التعابير الاصطلاحية في لغة وثقافة معينة محيرة تماما للذين ينتمون إلى ثقافة أخرى ويتكلمون لغة مختلفة.

اللغة في طبيعة الإنسان” (Benveniste, 1971: 223-224)، و “تقدم التعريف الفعلي للإنسان” (Adams and Searle, 1986: 729). يدعي إدوارد سابير (Edward Sapir) أن البشر هم تحت رحمة اللغة التي أصبحت وسيلة التعبير لمجتمعهم وثقافتهم، وأن عادات لغة جماعة من الناس هي التي تقرر الخبرة عموما، وكل بنية مفككة تدل على أصالة منفصلة. يواجه المترجمين تعقيدات الاختلافات بين الثقافات. إن موضوع “الاختلاف الثقافي” يعتبر مشكلة كبيرة حيث وصفه والتر بنيامين (Benjamin, 1968: 75) بأنه “التردد، أو التعلق بعتبة الترجمة، وعنصر الرفض في عملية التحول، ذلك العنصر في الترجمة الذي لا يستسلم للترجمة” (ص. 75). ويقول سابير (Sapir, 1956: 69) أنه ليس هناك

لغتين أبدا متشابهتين بما فيه الكفاية ليعتبرا ممثلتين لنفس الواقع الاجتماعي. العالم الذي تعيش فيه مجتمعات مختلفة تعتبر عوالم متميزة، وليست مجرد عالم واحد بتسميات مختلفة مرتبطة به.

وعلى العكس من ذلك، نجد أن للتكافؤ أوجه عديدة. فهو، على سبيل المثال، شرط أساسي للترجمة، وعائق للتقدم في دراسات الترجمة، أو فئة مفيدة لتحليل الترجمات. وفي بعض الأحيان، يعتبر ‘ضار’ (Gentzler, 1993) أو “غير ملائم” (Snell-Hornby, 1988: Chapter 5). يغطي مجال التكافؤ وحدات لغوية مثل العناصر الصرفية (أو المورفيمات)، والكلمات، والعبارات، والجمل، والتعابير الاصطلاحية، والأمثال. “معظم المترجمين متعودون عليه لأنه (التكافؤ)، وليس لأن لديه أي وضع نظري” (Baker, 1992: 5-6). ويرى كاتفورد (Catford, 1965: 21) أن المشكلة المركزية لممارسة الترجمة تتمثل في العثور على مكافئات في اللغة الهدف. وبالتالي فإن المهمة المركزية لنظرية الترجمة تتمثل في تحديد طبيعة وشروط تكافؤ الترجمة.

يسعى المترجمين أيضا، من خلال استخدامهم نهج التكافؤ، إلى التأثير على القراء بالترجمة القياسية. ومع ذلك، فإن فكرة التكافؤ تخلق العديد من المشاكل لأنه يمكننا تفسيره بطرق متنوعة. ويتم النظر إلى كلا من الكلمات والسياق في التكافؤ. وفي هذا الصدد، يضع كاتفورد (Catford, 1965: 20) المسألة ببساطة حيث يقول أن الترجمة هي “استبدال أو تغيير المواد النصية في لغة ما بمواد نصية مكافئة في لغة أخرى”. ولكن، لم تقبل نظريته اللغوية للترجمة (وليست مقبولة) من قبل الكثيرين، حيث تجادل سنيل-هورنبي (Snell-Hornby, 1988: 19-20) بأن تعريف كاتفورد للتكافؤ النصي يعتبر “دوار”، وأن اعتماد فرضيته على المخبرين ثنائي اللغة” غير كاف بشكل يائس، كما أن جمله النموذجية “معزولة بل ومبسطة بشكل مناف للعقل”. وتعتقد كاتفورد أن مفهوم التكافؤ في الترجمة ليس سوى “وهم”.

دعونا نوسع مسألة “التحول السيميائي” من خلال النظر في ترجمة الانجليزي البسيط “butter” (زبدة). يوضح ويدون (Weedon, 1987: 23) أن نظرية سوسير (Saussure) للرمز تتضمن فكرة أن كل رمز يتكون من ‘الدال’ (صوت ذو دلالة أو صورة مكتوبة) و” المدلول” (معنى الدال). العلاقة البنيوية بين المدلول  أو مفهوم “butter” ، والدال (ذو الدلالة) أو الصورة الصوتية المتكونة بكلمة “butter” تشكل الرمز اللغوي “butter “. تدعي سوزان  باسنت (19:Bassnett, 1980) أنه “عند ترجمة كلمة “butter ” إلى الإيطالية، فهناك استبدال مباشر كلمة مقابل كلمة: “butter-burro“. ومع ذلك، فإننا لا نستطيع أن نقول أن كلمتي butter  و  burro هما نفس الشيء لأن لديهما أُطر ثقافية مختلفة. فكلمة  burro الايطالية تعني الزبدة التي لونها خفيف طبيعيا وليست مملحة، ويستخدمها الناس في إيطاليا أساسا لأغراض الطهي. ومن الواضح، انه لا علاقة لها بالمكانة العالية. وبدلا من ذلك، فإن “butter” في بريطانيا لونها أصفر ساطع ومملحة معظم الأحيان، ويستخدمها الناس بطرحها على الخبز وفي إعداد الطعام.

قد يظن بعض المنظرين أن التعبير الانجليزي الشائع bread and butter” ”  (الخبز والزبدة) خاطئ لأن المنتج المستخدم قد يكون حتى “margarine” (السمن). ومع ذلك، فإنه لا يمكننا أن نتفق تماما مع هذه المسألة لأن التعبير المستشهد به أصيل. وبالتالي، فهو جزء أساسي من إنجليزية الناطق الأصلي”. ومع ذلك، سيكون من المنطقي القول بأن هذا المصطلح المحدد غامض. في الواقع، يتم قبول المصطلح المذكور على نطاق واسع لأن الزبدة لها وضع رفيع. “وهكذا، هناك تمييز بين كلا من الأشياء المدلول عليها بكلمتي “butter” و “burro” وبين وظيفة وقيمة تلك الأشياء في سياقها الثقافي. إن مشكلة التكافؤ هنا تنطوي على استخدام وتصور الشيء في سياق معين. إن الترجمة الحرفية لكلمة “butter” الانجليزية بكلمة “burro” الايطالية، بينما قد تكون كافية تماما على مستوى واحد، فهي أيضا بمثابة تذكير لصلاحية إفادة سابير بأن كل لغة تمثل واقع منفصل. تصف كلمة “butter” منتج محدد معروف، ولكن في حال كان للكلمة مجموعة واسعة من المعاني في اللغة المصدر فإن ذلك يزيد من المشاكل (19:Bassnett, 1980). هناك بعض الدلالات، مثل الحقيقة، التي يبدو أننا غير قادرين على الاستغناء عنها. ومع ذلك، إذا أردنا أن نفكر بشكل مختلف، يجب علينا أن نتساءل عن المعنى المتلقى من مثل هذه الدوال. وهكذا، قد نختار كتابة عبارة “sous rature“، التي يترجمها غاياتري سبيفاك (Spivak, 1974: xiv) إلى الانجليزية بعبارة “under erasure’” (قيد الحذف). هذا يعني كتابة كلمة، والخط عليها، ومن ثم طباعة كل من الكلمة والحذف، لأنه بما أن الكلمة غير دقيقة، تم الخط عليها، ولأنها ضرورية، فهي لا تزال مقروءة. ومع ذلك، يبين بوريس اوسبينسكى (Uspensky, 1973: 139) أنه “يجب أن يكون الوصف الرمزي (المجازي) مزدوجا”؛ لأن، “الفنان الحكيم ربما يقضي أكبر جهده للحفاظ على صوره البلاغية، والتي أصبحت رموز، من الانزلاق من ركائز عزلتها الجمالية والاختلاط مع الحياة، مثل العناصر المتجانسة معها”.

إن رسم نيدا (Nida, 1964: 107) للهيكل الدلالي (أنظر الشكل 3)[1] لكلمة “spirit” (روح) يظهر مجموعة أكثر تعقيدا من العلاقات الدلالية. فهو يشير إلى أنه يمكننا استخدام كلمة في النكتة والمزاح. إذن، يجب أن يكون المترجم حذرا حول الاستخدام المحدد لكلمة “spirit” في الجملة نفسها، وفي الجملة وعلاقتها البنائية مع الجمل الأخرى، وفي النصوص العامة والمواقف الثقافية في الجملة. خلاف ذلك، سوف يكون هناك خطأ في الترجمة، وسيصبح القراء مشوشين. لذلك، على سبيل المثال، فإن “نهضت روح الطفل الميت من القبر” تشير إلى 7 وليس لغيرها من فئات نيدا، في حين أن “عاشت روح البيت” قد تشير إلى 5 أو 7 فئات أو، إذا كنا نفكر من وجهة نظر الرمز 6 أو 8. من الواضح أن الترجمة الصحيحة تعتمد على “السياق”.

وللأسف، يفشل العديد من مترجمي النثر في فهم أن النص الأدبي هو مزيج من مجموعة معقدة من الأنظمة التي توجد في علاقة جدلية مع مجموعات أخرى خارج حدودها. وقد أدى هذا النوع من الفشل بانتظام إلى تركيزهم على أجزاء معينة من النص على حساب الأجزاء الأخرى. وعلى ما يبدو أنه من الأسهل لمترجم النثر (اللامبالي) النظر إلى المحتوى باعتباره منفصل عن الصيغة.

يشير فولفغانغ (Iser, 1974: 227) إلى أن المترابطات المقصودة تكشف صلات خفية والتي هي أقل وضوحا بشكل فردي من الجمل والادعاءات والملاحظات، على الرغم من أن هذه تأخذ مغزاها الحقيقي فقط من خلال تفاعل مترابطاتها. في الواقع، لا تتكون الجملة من إفادة فقط ولكنها تهدف إلى شيء أبعد مما تقوله فعلا. ففي النص الأدبي، دائما ما تشير الجمل إلى ما سيأتي، ومحتواها يُنبئ بالتركيب، وقد يكون هناك فقدان للعناصر إذا ما تعاملت الترجمة مع الجمل من أجل محتواها الواضح فقط.  وإذا حدث ذلك فقد تحدث بعض التغييرات السلبية التي تطرأ على النص نذكر منها:

سوء ترجمة المعلومات،

التفسير الجزئي للنص الأصلي،

التفسير السطحي من للعلاقات بين المترابطات المتعمدة.

قد لا يدعم بعض القراء وضع أهمية كبيرة جدا لحالات التغيير السلبي الذي ينتج من الجمل الافتتاحية القليلة للقصص والروايات. يجب أن نتفق مع حقيقة أن تحليل السرد لديها تأثير كبير مننذ فرضية شلوفسكي (Shlovsky) المبكرة حول النثر. كل نص أساسي هو مزيج من سلسلة من خطط مترابطة ولها دور يمكن تحديده فيما يتعلق بالقطعة الكاملة.

دعونا نتأمل في مثال مهم؛ يجد مترجمي النثر صعوبة بالغة في ترجمة أسماء العلم. “‘بابل’: هو أولا اسم علم، وهذا أمرا مسلما به. ولكن عندما نقول “بابل” اليوم، لا نعرف ما الذي نسميه؟ هل نعرف من؟ وإذا نظرنا إلى بقاء نص يعتبر إرث، رواية أو أسطورة برج بابل، فإنه لا يشكل شخصية واحدة فقط من بين أمور أخرى … لن يكون الهيكل الوحيد الذي يُفرّغ نفسه هكذا، ولكنه يفعل ذلك بطريقته الخاصة (وفي نفسه فهو غير قابل للترجمة تقريبا، مثل الاسم الصحيح)، وينبغي حفظ مصطلحه “( Derrida, 1985: 165). أظهر فولتير استغرابه في مادة بابل في كتابه المعجم الفلسفي (Dictionnaire philosophique)، حيث قال إنه لا يعرف لماذا يقال في سفر التكوين أن بابل يدل على الارتباك، لأن ‘Ba’ تدل على الأب في اللغات الشرقية، و  Bel’ تدل على الله …” (استشهد به في Derrida, 1985: 166). وتشير السخرية فولتير أن “بابل تعني: أنها ليست اسم علم فقط (الإشارة إلى دال نقي إلى كائن واحد)، ولهذا السبب فهي غير قابلة للترجمة” (Derrida, 1985: 166).

وبالمثل، تخلق أسماء العلم الروسية سوء الفهم في النصوص الروسية. وفي هذا الصدد، فإن فقرة من نسخة ترجمة كاثي بورتر (Cathy Porter) لرواية ألكساندرا كولونتاي (Kollontai, 1977) “حب النحل العامل” (Love of Worker) تستحق الذكر:

الروس لديهم اسم أول ( ‘مسيحي’)، اسم عائلي ولقب. الوضع العرفي للخطاب هو الاسم الأول و العائلي، وبالتالي، فاسيليسا ديمينتوفا ، ماريا سيمينوفا. هناك اختصارات حميمية أكثر للأسماء الأولى لها معاني محبة، ودعم أو ود اضافية. ولذلك، على سبيل المثال، يصبح اسم فاسيليسا، فازيا، أو فازايوك، ويصبح اسم فلاديمير، فولوديا، فولودكا، فولوديكا أو فوليا (ص 226).

يمكننا هنا أن نلاحظ بوضوح أن المترجم يشرح نظام التسمية الروسي. يعتبر التقييم الترجمي للهيكل الرمزي للرمز الثقافي ضروري جدا لكي ينتج عند تسمية الحداثة تلك العملية لفعل الترجمة النشط – لحظة صنع اسم للمرء نفسه التي تنشأ من خلال عدم التقرير … [عمليا] في نضال من أجل اسم العلم ضمن مشهد من الاجبار النسبي [خاص بالأنساب] “( Derrida, 1985: 174). ولكن كاثي بورتر أبقت على اختلافات الاسم في نسخة اللغة الهدف، وهذه مسألة ستخلق بالتأكيد مشاكل للقارئ الإنجليزي، لأن الأخير ليس معتادا تماما على حقيقة أن نفس الشخصية قد يكون لها عدد كبير من الأسماء في صفحة واحدة. وباختصار، نستطيع أن نقول أن نوعا من نقل نظام اللغة المصدر إلى نظام اللغة الهدف يعتبر قيد العمل هنا. ولكن هذه العملية تقود القراء نحو الارتباك وسيفقدون تدريجيا الرغبة في قراءة النص أكثر. وفي هذا الصدد، تذكر سوزان باسنت (Bassnett, 1980: 119) بأنه ليس من المفيد اعطاء القارئ الإنجليزي بدائل متعددة للاسم اذا لم يكن على علم بوظيفة تلك المتغيرات، ولأن نظام تسمية اللغة الإنجليزية مختلف تماما، يجب على المترجم أن يأخذ هذا في الاعتبار ويتبع قول بيلوك (Belloc, 1931) المأثور بأن يترجم مصطلح بمصطلح.

هذا مثال واحد فقط يواجه فيه المترجمين المشاكل لترجمة نظام اللغة المصدر إلى لغة هدف تخلو من أي نظام مكافئ له. يعتقد بوريس اوسبينسكى (Uspensky,1973) أن استخدام الأسماء في روسيا يمكن أن يدل على التغيرات في “وجهة نظر” (استشهد به في Bassnett, 1980: 119). وفي المقابل، يضع روبرت آدمز (Adams, 1973: 12) المزيد من التركيز على الأجهزة اللغوية الإقليمية التي ترتبط بمجال أو فئة معينة في اللغة المصدر:

باريس لا يمكن أن تكون لندن أو نيويورك، يجب أن تكون باريس؛ يجب أن يكون بطلنا بيير، وليس بيتر، ويجب أن يشرب فاتح للشهية، وليس كوكتيل؛ ويدخن سجائر جولوسيس، وليس سجائر الكنت؛ وأن يسير في شارع دو باك، وليس في الشارع الأسود (Black Street). ومن ناحية أخرى، عندما يتم تقديمه إلى سيدة، وسيبدو سخيفا إذا قال، “أنا مسرور جدا، سيدتي”.

وفي هذا الصدد، دعونا نتحدث عن مثال حيوي آخر. “لم تركز التهمة الأصولية على سوء تفسير القرآن الكريم، بقدر ما ركزت على جريمة اساءة تسمية الإسلام … ومن الشكاوى الرسمية للأصوليين أن نقل هذه الأسماء المقدسة إلى أسماء مدنسة … ليس مجرد تدنيس، بل تدمير لنفس تماسك المجتمع” ( Bhabha, 1994: 273)، وهو ما وصفه أليسداير ماكنتاير (Macintyre, 1988: 378) بأنه ‘التسمية لأجل: أعراف التسمية كوسيلة للتعبير وتجسيد وجهة نظر مشتركة للمجتمع، وتقاليده في العقيدة والبحث”. إن كل تسمية ثقافية تمثل استحالة الهوية العابرة للثقافات أو التشابك الرمزي؛ ففي كل مرة يتكرر عدم اكتمال الترجمة” (Bhabha, 1994: 130).

ومع ذلك، فإن مترجم النثر لديه الحق في الاختلاف عضويا، وأن يكون مستقلا، إذا تم اتباع ذلك الاستقلال لصالح الأصل من أجل إعادة انتاجه كعمل حي. ولكن يجب عليه ألا يشوه معاني المحتوى الذي يقوم بترجمته، ويجب أن يكون صادقا ومخلصا في ترجمته.

يلخص هيلاير بيلوك (Belloc, 1931) مشكلة وضع الترجمة كما يلي:

لم تُمنح (الترجمة) أبدا كرامة العمل الأصلي وعانت كثيرا في الحكم العام للحروف. لقد كان لهذا التقليل الطبيعي من قيمتها الأثر العملي السيئ لخفض المستوى المطلوب، حيث أنها قد قاربت في بعض الفترات من تدمير الفن تماما (استشهد في Bassnett, 1980: 2).

حلول لمترجمي النثر الأدبي

في البداية، تعتبر ترجمة الأعمال الأدبية (الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات والقصائد، وما إلى ذلك) إعادة خلق أدبي في حد ذاتها. ومع ذلك، فيما يتعلق بالحلول، ينبغي لمترجمي النثر البدء بالالتزام الدقيق بالمبادئ التالية:

تفهما كبيرا للغة، المكتوبة والشفوية، التي يترجم منها، أي اللغة المصدر.

تحكم ممتاز في اللغة التي يترجم إليها، أي اللغة الهدف.

الوعي بموضوع الكتاب قيد الترجمة.

معرفة عميقة بالترابط التاريخي والاصطلاحي بين اللغتين.

حس سليم مرهف لمتى يجب الترجمة الحرفية، ومتى ينبغي إعادة الصياغة، من أجل ضمان الدقة بدلا من المكافئات المزيفة بين النص المصدر والنص الهدف.

وعلاوة على ذلك، يمكن لمترجم النثر توحيد بعض الطرق التالية حتى يتمكنوا من التعامل مع مشاكل الترجمة بكفاءة.

الترجمة للخلف (أو الارتجاعية): “تستخدم مقارنة الترجمة الارتجاعية مع النص الأصلي في بعض الأحيان كاختبار لدقة الترجمة الأصلية …” (Crystal, 2004: 5). هذه احدى أكثر الممارسات المألوفة المستخدمة للبحث عن المكافئات من خلال:

ترجمة العناصر من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف.

ترجمة حرة عكسية لهذه العناصر إلى اللغة المصدر.

التشاور مع الآخرين: مناقشات تخص استخدام ومعنى الكلمات مع الناس ثنائيي اللغة لاتخاذ قرارات حول أفضل التعبيرات التي ينبغي استخدامها.

مقابلات أو استبيانات أو أي نوع من الاختبارات. وتستخدم هذه لإزالة الصعوبات المتعلقة بالترجمة.

وبالإضافة الى ذلك، يجب على المترجمين أخذ تغييرات الترجمة في الاعتبار، حيث يصفها كاتفورد (Catford, 1965: 73) بأنها “الخروج عن المراسلات الرسمية في عملية الانتقال من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف”. وهو يعتقد أن هناك نوعان رئيسيان من تغيرات الترجمة، أي تغيرات المستوى، حيث يكون لدى عنصر اللغة المصدر في أحد المستويات اللغوية، النحو مثلا، مكافئ في اللغة الهدف في مستوى مختلف، المفردات مثلا، بالإضافة إلى تغيرات الفئة التي تم تصنيفها إلى أربعة أنواع:

التغيرات الهيكلية التي تنطوي على تغيير نحوي بين بنية النص المصدر وتلك التي للنص الهدف.

تغيرات الصنف، عندما يتم ترجمة عنصر في اللغة المصدر بعنصر في اللغة الهدف ينتمي إلى مجموعة نحوية مختلفة، حيث يمكن ترجمة فعل باسم.

تغيرات الوحدة التي تنطوي على تغييرات في الموضع.

التحولات داخل النظام، والتي تحدث عندما “تمتلك اللغتين المصدر والهدف أنظمة تتوافق تقريبا رسميا وفقا لتركيبها، ولكن عندما تنطوي الترجمة على اختيار مصطلح غير مطابق في نظام اللغة الهدف” (Catford, 1965: 80). على سبيل المثال، عندما يصبح المفرد في اللغة المصدر جمعا في اللغة الهدف.

وفقا لنيكو ويرسيما (Wiersema, 2004)، تتقارب الثقافات أكثر فأكثر، وهذا شيء يحتاج إلى أن يأخذه المترجمين في الاعتبار. الآن، يمكن حل مشاكل ترجمة النثر الأدبي إذا كان مترجم النثر ثنائي اللغة والثقافة معا. ويقول تييري (Thierry, 1978: 145) أن “ثنائي اللغة الكامل” يعني أمرين هما:

أن يتحدث المرء كلا اللغتين جيدا وبتناغم.

أن يكون للمرء اثنين من اللغات الأم.

إن وجهة نظر ويرسيما تشبه إلى حد كبير فلسفة نيدا الذي يعتقد أن الترجمة تحاول ربط فجوة ثقافية واسعة وليس من الممكن لمترجم النثر إزالة كل علامات البيئة الأجنبية. ووفقا له، من الطبيعي أنه يمكن للغات المصدر والمستقبلة أن تمثل ثقافات مختلفة جدا، والتي يمكن أن تشمل العديد من المواضيع والأوصاف الأساسية، وهو ما لا يمكننا ‘تطبيعه’ بعملية الترجمة. وعن طريق إدخال عناصر الثقافية للغة المصدر:

سيكون النص أكثر يمكن قرائته بطلاقة (بلا توقف).

يستمر النص في كونه أجنبيا، وأكثر بعدا.

يصبح المترجم أقرب إلى الثقافة المصدر.

تظهر صورة واقعية أكثر للثقافة المصدر أمام القارئ للنصوص الهدف. (Wiersema, 2004: Volume 8, No. 1).

وفي المقابل، يجب أن تكون الترجمة الطبيعية في إشارة إلى وضع الرسالة المحددة، والتي يمكن أن تتضمن ليس فقط العناصر النحوية والمعجمية ولكن أيضا مسائل تفصيلية مثل نغمة وإيقاع الجمل. ومع ذلك، يؤيد هاريس وشيروود (Harris and Sherwood, 1978: 165-166) الرأي القائل بأن الترجمة الطبيعية يجب أن تمر بالمراحل التالية:

ما قبل الترجمة، حيث يستخدم المترجم عادة الكلمات المفردة.

الترجمة الأتوماتيكية”، حيث يترجم المترجم للآخرين ما قاله أو كتبه بنفسه،

التنبيغ” (أو النقل بالوساطة)، حيث يعمل المترجم كوسيط بين شخصين آخرين.

وكما أشار نيدا، فإن طبيعية التعبير في اللغة المستقبلة هي أساسا مشكلة الملائمة المشترك. ووفقا لنموذجه، فإن عملية الترجمة المعتادة تبدو كما يلي:

ولذلك، فإن المبادئ، التي يديرها المترجم، تذهب إلى أبعد من الحصري لغويا، حيث يحدث فك للرموز بالاضافة إلى عمليات إعادة الترميز. وفي نهاية المطاف، فإن كل هذا يتوقف على ما يريد المترجم، أو الناشر غالبا، أن يحققه بترجمة معينة.

ففي الترجمة، توضح دراسة التكافؤ الطريقة التي يقدم بها المترجمين النص بشكل صحيح عند الترجمة من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف أو العكس. و في حين فقد التكافؤ مصداقيته في الثمانينات من القرن الماضي، إلا أنه يعاد تقديمه من قبل العلماء (Snell-Hornby, 1988: Chapter 5). وبما أن الهدف من الترجمة هو إقامة علاقة التكافؤ بين النصوص المصدر و الهدف، فإن الترجمة الناجحة يمكن الحكم عليها من خلال المعيارين التاليين:

الإخلاص أو الدقة ويتمثلان في الترجمة الدقيقة لمعنى النص المصدر، دون الاضافة إليه أو الحذف منه).

الشفافية وتتمثل في الحفاظ على الاعراف النحوية، والبنائية والاصطلاحية للغة الهدف.

وتسمى الترجمة التي تلبي المعيار الأول “ترجمة مخلصة”. أما الترجمة التي تلبي المعيارأ الثاني قتعرف باسم “الترجمة الاصطلاحية”. ووفقا لهالفيرسون (Halverson, 1997: 207)، يعرف التكافؤ كعلاقة قائمة بين كيانين، وتوصف العلاقة باعتبار الشبه / التماثل / التشابه / المساواة من حيث أي عدد من الصفات المحتملة”. وكما قالت دوروثي كيني (Kenny, 1998: 77-80)، لسوء الحظ، تم القيام بالقليل من المحاولات لتعريف التكافؤ في الترجمة بطريقة تتجنب هذه الدائرية”. “وبما أنه لا يمكن أن يتحقق المثل الأعلى، نشأت ضرورة عملية للحلول الوسط، والتي مهدت الطريق لمناقشات لا تعد ولا تحصى حول كم بالضبط ينبغي أن يكون الإخلاص ‘مخلصا’  وكيف يبغي أن يكون المكافئ ‘مكافئا ‘” (Bassnett and Lefevere, 1998: 2). ومع ذلك، يبين بيم أنتوني (Anthony, 1992: 37) أنه … من المفترض أن يُعرف التكافؤ الترجمة، وفي المقابل، تُعرف الترجمة التكافؤ.

وعلاوة على ذلك، فإن كتاب منى بيكر “بعبارة أخرى: كتاب منهجي حول الترجمة” (In other words: A Coursebook on Translation ) يعتبر كتاب مفيد جدا ملئ بالمناقشات العلمية حول “التكافؤ”. فهي تبحث في فكرة التكافؤ في مراحل مختلفة تتعلق بعملية الترجمة، جنبا إلى جنب مع كل سمات الترجمة المتنوعة، حيث تصنف التكافؤ كما يلي:

التكافؤ على مستوى الكلمة وفوق مستوى كلمة يعني أنه على المترجم إيلاء الاهتمام لعدد من العوامل عند النظر في كلمة مفردة، مثل العدد والجنس والزمن (Anthony, 1992: 11-12).

التكافؤ النحوي، عند الاشارة إلى مجموعة متنوعة من الفئات النحوية (العدد، زمن الفعل وصيغته، والمبني للمعلوم والمجهول، والشخصنة والجنس) عبر اللغات.

التكافؤ النصي، عند الإشارة إلى التكافؤ بين نص اللغة المصدر ونص اللغة الهدف المتعلق بالمعلومات والاتساق. هناك ثلاثة عوامل رئيسية سترشد قرار المترجم، وهي نوع النص، والهدف من الترجمة، و الجمهور الهدف.

التكافؤ العملي (البراجماتي)، عند الاشارة إلى التعريض وسياسات التهرب عن طريق إجراء الترجمة. “يدل التعريض على ما هو مقترح في الكلام” (Blackburn, 1996: 188-89). دور المترجم هو إعادة تأسيس غرض المؤلف في ثقافة أخرى بطريقة تُسهل على قراء الثقافة الهدف فهمه بشكل واضح.

ينظر فيناي وداربلنت (Vinay and Darbelnet, 1995: 342) الترجمة الموجهة بالتكافؤ كعملية “تعيد نفس الموقف كما في النص الأصلي، في حين تستخدم صيغة مختلفة تماما” (ص 342). ووفقا لهم، يعتبر التكافؤ تقنية مثالية عند تعامل المترجم مع التعابير والأمثال، والكليشيهات، والعبارات الاسمية أو الوصفية والمحاكاة الصوتية لأصوات الحيوانات. ويؤكد مرة أخرى، فيناي وداربلنت (Vinay and Darbelnet, 1995: 255) ثانية على أن يمكن التسليم بالتعبيرات المتكافئة بين أزواج اللغات فقط إذا كانت حصلنا عليها في قائمة في المعاجم ثنائية اللغة على هيئة “مكافئات كاملة”. ويخلص الباحثون بالإعلان عن أن الحاجة إلى خلق مكافئات تنشأ من الموقف، وأنه على المترجمين في حالة النص المصدر البحث عن حل (ص 255). ولكنهما يجادلان أيضا بأن اقتباس المكافئ الدلالي (من القاموس أو المعجم) لتعبير في نص اللغة المصدر لا يكفي، وأنه لا يضمن أن الترجمة ستكون ناجحة، ويقدمون أمثل كثيرة على ذلك.

أما رومان جاكوبسون (Jakobson, 1959) فيؤكد على أن هناك بديلا مهما جدا للمترجمين، الذين يمكنهم إكمال المهمة من وجهة نظر الابداع العكسي. لقد أعطت دراسة جاكوبسون للتكافؤ زخما جديدا للدراسة التأملية للترجمة، حيث أنه بدأ فكرة “التكافؤ في الاختلاف’. وأوصى بثلاثة أنواع من الترجمة وفقا لنهجه السيميائي في اللغة (ص 232):

الابدال داخل اللغة (Intralingual Transposition): (داخل اللغة الواحدة، أي إعادة الصياغة) من أحد الأشكال الشعرية إلى آخر.

الإبدال بين اللغات (Interlingual Transposition): (بين لغتين) من لغة إلى أخرى.

الإبدال بين سيميائي (Intersemiotic Transposition): (بين النظم الرمزية) من نظام رموز إلى آخر، على سبيل المثال، من الفن الشفوي إلى الموسيقى، والرقص، والسينما، أو الرسم.

في حالة الترجمة بين اللغات، يقول جاكوبسون أن المترجم يستخدم المرادفات للحصول على معنى النص المصدر. هذا يدل على أن التكافؤ الكامل غير موجود بين وحدات الرمز في الترجمات بين اللغات. ووفقا لنظريته، فإن “الترجمة تنطوي على رسالتين متكافئتين في نظامي رموز مختلفين” (ص 233). ويعترف بأنه “كلما كان هناك نقص، قد يمكن تأهيل المصطلحات وتطويرها بالكلمات المستعارة أو الترجمات المستعارة، والكلمات الجديدة أو التحولات الدلالية، وأخيرا، بالإطناب” (ص 234). والجدير بالذكر أن فرضية فيناي وداربلنت حول عمليات الترجمة تتماثل مع رؤية جاكوبسون. فالمترجمين “لديهم جميع الحقوق طالما أنهم يلعبون لعبتهم بإخلاص” (Berman, 1995: 76). بالإضافة إلى ذلك، ينبغي على مترجمي النثر اتباع المبادئ الستة التالية التي قدمها هيلاير بيلو (Belloc, 1931):

يجب على المترجم أن يعتبر العمل كوحدة متكاملة ويترجم بالقسم.

يجب على المترجم الترجمة تعبير بتعبير.

يجب على المترجم أن يترجم المعنى بالمعنى ملمحا إلى الثقل الذي قد يحتويه مصطلح معين في وضع دقيق في اللغة المصدر والذي من شأنه أن يكون غير متكافئ إذا ما ترجم بالضبط في اللغة الهدف.

يحذر بيلوك من تلك الكلمات أو التشكيلات التي ربما قد تبدو متماثلة في كل من اللغة المصدر والهدف، ولكنها في الواقع ليست كذلك.

من المفترض أن يقوم المترجم بالتغيير بشجاعة.

لا يجب على المترجم أن يبالغ.

من خلال هذه المبادئ الستة، يقترح بيلوك على المترجم بأن ينظر لنص النثر ككل مركب.  وإذا فكر فيه المترجم بهذه الطريقة، فسوف يكون من الأسهل عليه ترجمته وستكون جودة النص المترجم جيدة. و بالاضافة إلى ذلك، يجب على المترجم ألا ينسى المتطلبات الأسلوبية والنحوية للغة الهدف. ويعتقد كثير من المنظرين أن للمترجم الحق في تغيير النص كثيرا عند إجراء الترجمة. وفي الواقع، فإن للمترجم الحرية في فعل ذلك عمدا، لأنه يجب عليه أثناء الترجمة أن يضع في اعتباره المعايير الأسلوبية والاصطلاحية للغة الهدف. وإذا ما قام بذلك، فإن القراء النص الهدف سيكونون قادرين على الاستمتاع بالنص أكثر. وبالمثل، تعتقد سوزان باسنت أن التغيير في التركيز من الأصل إلى الترجمة قد انعكس في المناقشات حول تجلي المترجم. وبينما يدعم لورانس فينوتي الترجمة التي تتمحور على المترجم، يقترح بيلوك على المترجم بأن يحجب عمله.

ومع ذلك، هناك مشكلة تتعلق بهذه الحقيقة، حيث سيكون من صعب لتشكيل وحدات الترجمة. ويجب علينا أن لا ننسى أن النص هو الجزء الرئيسي. وعلى الرغم من ذلك، فإن مهمة المترجم الشاعر أسهل بكثير؛ فهو يمكنه تجزئة النص الرئيسي إلى أجزاء قابلة للترجمة، كالأسطر، والأبيات، والموشحات. ولكن مهمة مترجم النثر تعتبر أكثر صعوبة. بالتأكيد، لا يمكننا تجزئة العديد من الروايات إلى فصول أو أقسام، ولكن هيكلة نص النثر ليست، بأي وسيلة، خطية مثل ما قد تدل عليه تقسيمات الفصول. ومع ذلك، هناك خطر من وقوع سوء ترجمة إذا ما أعتبر المترجم كل جملة أو فقرة كأقل وحدة ويترجمها دون ربطها بالعمل الكلي.

يجب أن لا يعتقد مترجمي النثر أن أي فرد ثنائي اللغة يعتبر قادرا على انتاج ترجمة وثائق ذات جودة عالية أو حتى مرضية لمجرد أنه متحدث فصيح بلغة ثانية. فالقدرة والمهارة وحتى العمليات العقلية الأساسية اللازمة لثنائية اللغة تختلف في معظمها عن تلك المطلوبة للترجمة. ففي المقام الأول، يجب أن يكون مترجم النثر قادرا على قراءة وفهم ومن ثم الابقاء على أفكار شخص آخر وترجمتها بدقة، كاملة ودون إغفال لأي منها. وإذا كانوا قادرين على القيام بذلك، فسيحصل القراء على المعنى الأصلي. يعتقد المترجمين عادة أن أفضل الترجمات هي تلك التي ينتجها أشخاص يترجمون من لغتهم الثانية إلى لغتهم الأم، لأنه من غير المألوف أن تكون لشخص ما تعلم لغة ثانية الطلاقة التامة في تلك اللغة

ومع ذلك، ينبغي على لمترجمي النثر أن لا يقلقوا كثيرا حول فقدان المعنى، والذي قد يحدث في حالة وصف النص لموقف يتضمن عناصر غير عادية في البيئة الطبيعية، وأعراف وثقافة في مجال لغته، لأن النقل للغة المترجم يمكن تقديره فقط. وكما يرى دريدا (Derrida, 2004: 429) فإنه “… ربما تكون الترجمة مخصصة للخراب، لذلك الشكل من الذاكرة أو الذكرى الذي يسمى الخراب. ربما يكون الخراب هو دعوتها ومصيرها الذي تقبله منذ البداية”. فحتى الأصلية الأقدس والخالدة منها كلها “يمكن أن تخضع لعملية نضج” (Benjamin, 2004: 256) في الترجمة، وقد تكشف، وتنفتح وتتغيّر، وهذا بالضبط بسبب هذا التغيير في ‘الأصل’، أي أن “الترجمة ستكون حقا لحظة في نمو الأصلي، الذي سيكمل نفسه بتوسيع نفسه” (Derrida, 1985: 188). ومع ذلك، يجب علينا أن نقدر عمل المترجم بشكل خاص لأن الداخل البيني (المترجم) يعمل على الدوام كمستظهر بيني. ورغم ذلك يُعتقد عموما أننا باستمرار نفقد شيء ما في الترجمة؛ ولكن يمكننا أيضا الحصول على شيء ما منها. وكما تذكر سوزان باسنت (Bassnett, 1980: 30):

ومرة أخرى يعتبر هذا مؤشرا على الوضع المتدني للترجمة حيث كان ينبغي قضاء الكثير من الوقت في مناقشة ما ضاع في نقل النص من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف، بينما تم تجاهل ما يمكن أيضا الحصول عليه، لأنه يمكن للمترجم في بعض الأحيان إثراء أو توضيح نص اللغة المصدر كنتيجة مباشرة لعملية الترجمة. وعلاوة على ذلك، إن ما ينظر إليه غالبا على أنه قد “فقد” من سياق اللغة المصدر، ي

مكن استبداله في سياق اللغة الهدف

 

المصدر: عالم أكاديميا 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة