تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



يبين محمد ميهوب أنه لابد من توفر نوعين من الشروط اللازمة لإمكان ترجمة الشعر، شروط نظرية، وشروط إجرائية ويمكننا تلخيص الشروط النظرية في عناصر ثلاثة تتمثل في:

التخلي عن مفهوم الشعر التقليدي كنظم ووزن فقط، وتوسيع أفق التعامل مع الإيقاع، حتى يتمكن المترجم من إيجاد البنية الإيقاعية الموسيقية الملائمة للنص الأصلي.

إعادة النظر في التصنيف المزدوج للغة بين لغة نثرية وأخرى شعرية، والأخذ بعين الاعتبار عناصر سياق التلفظ كالعلاقة بين المرسل والمتلقي، وصلة النصّ بسياقه الثقافي والأخلاقي والحضاري. وذلك لأن حسن تحليل حركة النص في العالم يعتبر ضروري جدا للمترجم.

التحرّر من التصور السائد حول ثنائيّة خيانة وأمانة الترجمة، وتكوين مفهوم جديد لمسألة الاخلاص للنص الأصلي الذي يعتبر هدفا فنيّا ومعرفيّا وأخلاقيّا يتقيد به المترجم ويسعى لبلوغه. ولكن الأمانة في الترجمة لا تعني التطابق الحرفي مع النص. فعلاوة على التطابق أمر صعب المنال، فإنه سيخرج لنا نصوصا واهية وركيكة تتمثل في تنضيد لمقابلات لغوية معجمية لا علاقة لها بالشعر. وهذا يعتبر أكبر خيانة قد يقترفها المترجم تجاه مؤلف النص. فالأمانة في ترجمة الشعر تتمثل في بذل المترجم المبدع لقصارى جهده من أجل إخراج نص شعري يضاهي النص الأصلي في إبداعه وعبقريتة وقدرته في التعبير عن حالة الشاعر الوجدانيّة أثناء خلقه للنص أول مرة. وبذلك يضمن المترجم تأثير نصه الهدف في قارئه بنفس الدرجة التي أثر بها النص الأصلي على قارئه.

أما الشروط الإجرائية فهي كثيرة ولا حصر لها، لأنها مرتبطة بممارسة الترجمة التي تتطلب تعامل مفتوح حسب المستجدات. ولذلك فإن هذه الشروط تتعلق إلى حد بعيد بخبرة المترجم ودرايته بنقل النصوص. ولكن عموما يمكننا أن نلخص هذه الشروط فيما يلي :

التروي في إنجاز الترجمة وعدم الاستعجال أو الالتزام بآجال محددة. وهذا يعني أن دافع المترجم ينبغي أن يكون إبداعيا، وليس عقدا ماديا يتعهد فيه المترجم بالنقل مقابل عائد مالي. إنّ طول فترة الترجمة مهم جدا لأنه يساعد المترجم على معايشة النص والتمكن منه وإدراك كل سماته الفنية والاطلاع على مختلف الصلات التي تربطه بالسياقات المعرفية.

ضرورة تقسيم الترجمة إلى مرحلتين كبريين هما: مرحلة التعمق في النص التي تنطوي على تفكيك النص الأصلي وتحليله وفهمه، ومرحلة الابتعاد عن النص والتهيّؤ إلى خلق النص من جديد في اللغة الهدف.

الترجمة عملية شمولية مركبة، ويجب أن تجمع بين ترجمة المحتوى الشعري (المجاز)، والاهتمام بأسلوب النص وموسيقاه عبر استنباط بنية موسيقية تتناسب مع اللغة الهدف وتؤدي خصوصية الإيقاع في النص. ومن أمثلة ذلك ما قام به نيقولا فيّاض في ترجمته قصيدة “البحيرة” للامرتين، حيث سعى إلى نقل الإيقاع الحزين عند لامرتين، فحاكى البنية الموسيقية لنونيّة ابن زيدون[14].

أهكــذا أبـدا تمـضــي أمــانينـــا                         نطوي الحياة وليل الموت يطوينا

تجري بنا سفن الأعمار ماخرة                       بحـر الوجــود ولا نلقــي مراسينا

العناية الفائقة بنقل المحتوى الثقافي من مفاهيم وقيم بني عليها النص الأصلي وتجعله ينتمي إلى الثقافة والحضارة اللتين خُلق فيهما. وهنا تزداد صعوبة مهمة المترجم لأنه يتحتم عليه أن يكون مخلصا في نقل هذا المحتوى المعرفي الثقافي عبر إيجاد المكافئ له في اللغة الهدف. إن النجاح في القيام بكل هذا يضمن للمترجم نجاح ترجمته، والفشل في ذلك يسقط ترجمته إسقاطا.

وبين استحالة الترجمة وإمكانيتها، وبين ندرة الأمثلة وشروط ترجمة الشعر، يعرض الناقد المغربي حسن بحراوي في كتابه “مدارات المستحيل” (دراسات في ترجمة الشعر) أبعاد الجدل النقدي حول امكانية ترجمة الشعر وأخطارها، مستدلا بتجارب وشهادات أدباء غربيين مثل جاكوبسون، وآخرين عرب كالجاحظ.

ويتجاوز بحراوي الجدل حول استحالة تحقيق الترجمة “الأمينة” للشعر وحتمية ارتكاب جرم “الخيانة” في حق المؤلف الأصلي، ليبحث في الطرق العملية التي تؤدي إلى نجاح الترجمة، حيث يرى أنه ينبغي على مترجم الشعر أن يهتم بالدينامية الداخلية التي تنظم القصيدة، ويستذكر العناصر الصوتية والإيقاعية التي تكون خصوصية كل شعر. و يبين أن “مترجم الشعر مطالب بإنجاز مهام عسيرة من أهمها أن ينقل إلى الأذن المستقبلة ذلك السحر المرتبط بموسيقى الكلمات، والذي يعود في جزء كبير منه إلى تأثيرات الوزن والإيقاع والقوافي”.

ويقر الباحث بأن الترجمة تتبع أثر الأجنبي لإثراء الأدب الوطني، فهي تقود إلى استكشاف آفاق فسيحة لا يمكن الوصول إليها بدون وساطة من الأجنبي، ولكنه يرجع فيقول أنه:

 “لما كان نص الشاعر عبارة عن تجميع للكلمات، حيث يتعايش المعنى بكل ما يتضمنه من أحاسيس وصور، وحيث تتنفس المؤثرات النفسية، فإن هذا الكائن اللغوي هو الذي علينا نقله بكامل حمولته إلى لغة أخرى وتكييفه مع خصائصها، وعملية من هذا القبيل تحتمل خطر تضييع بعض ملامح النص الأصلي. ومن هنا كان يتعين على المترجم تقليص هذا التضييع المحتوم إلى حدوده الدنيا”.

ويشير الناقد إلى أن كل اللغات تعتبر أجنبية عن بعضها البعض، ليس فقط من حيث أشكالها الصوتية، ولكن، في أحيان كثيرة، من حيث الطاقة الإيحائية التي تتضمنها تلك الأشكال، وهو مهم جدا في الشعر.

والمترجم مطالب بإنجاز مهام صعبة جدا ومهمة كنقل ذلك سحر موسيقى الكلمات إلى الأذن المتلقية، والذي يرجع في معظمه إلى تأثيرات الوزن والإيقاع والقافية

وكما يقول السير جون دنهام فإن “للشعر روحا غير ظاهرة تختفي أثناء سكبه من لغة إلى أخرى”[15]. وبنفس المعنى يرى الشاعر الإنجليزي بيرسي شيلي أن “ترجمة الشعر محاولة عقيمة تماما، مثل نقل زهرة بنفسج من تربة أنبتتها إلى زهرية”، بينما يفتح جاكوبسون نافذة للإمكانية ترجمة الشعر حين يقول إن “الترجمة الوحيدة الممكنة هي النقل الإبداعي الخلاق، أي إعادة كتابة القصيدة وإنتاجها من جديد”[16].

وفي مواجهة أطروحة استحالة ترجمة الشعر، يتبنى بحرواي إمكانية الترجمة الإبداعية للشعر، حيث يرى أن ترجمة النص الإبداعي تعتبر إبداعا موازيا ومستقلا، لأن الترجمة عملية تبادل عوض أن تكون مجرد عملية نقل.

ولذلك لا ينبغي علينا أن نعتقد باستحالة الترجمة، لأننا بذلك نسلك اتجاه مخيب ومثبط لعزيمة المترجمين، وهو غريب عن التاريخ الأدبي الذي لعبت فيه الترجمة دورا رياديا في تلاقح الخبرات الإبداعية في ربوع العالم، بمعانيها الجغرافية واللغوية. ولكن، في المقابل، لا بد من الإقرار بأن هناك فجوة في ترجمة الشعر دائما ما تؤرق المترجم الأمين.

هذه الفجوة ليست نفسها في جميع الحالات، بل تأخذ أشكالا وأحجاما مختلفة وفقا لطبيعة النص الشعري المترجم. ففي مقال حول الموضوع بمجلة “بيت الشعر” الإماراتية، يستدل الكاتب على ذلك بأن المترجم الذي ينقل مثلا قصائد الشاعر محمد الماغوط إلى لغة أجنبية لن يواجه نفس إشكاليات المترجم الذي يقوم بترجمة شعر محمود درويش، حيث أن عمق الفجوة هنا يكمن في الخصوصية الجمالية عند كل من الشاعرين. وإذا اعتبرنا أن كلمات الشعر لا تمثل إلا رموز للأشياء، فإن اللغة تتحول إلى معضلة حقيقية في الترجمة، لأن اللغة هنا ليست زادا من المواد بقدر ما هي أفق

ومن المفارقة أن فرضية استحالة تحقيق الترجمة المثالية تفتح مجال التجريب على مصراعيه لتتكاثر المحاولات التي قد تتنوع وتتعدد حول النص الواحد، مما يؤدي إلى ضياع القارئ في متاهة البحث عن نص أقرب إلى الأصل. ويبقى أن الترجمة تخضع لنفس قوانين النص الإبداعي، حيث الزمن ينصف الجودة والدقة و”الأمانة” الأدبية التي تحرص على نشر نتاج الروح الشعرية.

الخلاصة

يقودنا النقاش والشروط المذكورة أعلاه إلى أن ترجمة الشعر تعتبر من الأعمال الإبداعية القائمة بذاتها، ولا علاقة لها باستنساخ النصّ ونقله من لغة إلى لغة أخرى، حيث أنها تمثل عملية خلق وابتكار وتوليد. ولهذا السبب نجد أن أقدر الناس على ترجمة الشعر هم المترجمون الشعراء المبدعون الذين يمتلكون أيضا معرفة لا متناهية بلغة الآخر وحضارته وقيمه، فضلا عن معرفتهم العميقة أيضا بلغتهم وثقافتهم ومواطن جمالها وحسنها.

ولكي تحقق الترجمة أهدافها، وتستوفي عناصر نجاحها، فإن على المترجم أن يكون متحكما باللغتين الأصل والهدف، وان يكون الشاعر المترجم للشعر قادراً على الاحساس بمناخ الشاعر المترجم له حتى يدرك اجواء مفرداته وصوره وتعبيراته، وما تندرج فيه من تراكيب لغوية جمالية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع العربية

الجاحظ، الحيوان، دار الجيل، بيروت، 1996،ج 1 ص-ص 74-75.

ترجمة الشعر: بين التأويل والمحاكاة الحرفية. ميدل إيست أونلاين، 26/9/ 2012.  وثيقة إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018، من: http://www.middle-east-online.com/?id=139856

حسن بحراوي (2011). مدارات المستحيل: دراسات في ترجمة الشعر. الرباط.

عثمان حمزة (2009). في قضايا ترجمة الشعر وإشكالياتها. ملحق الخليج الثقافي. وثيق إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018 من: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/62b937c8-f69d-46a3-8150-26209f30916f

لطيفة زيتونة: ترجمة الشعر، آفاق عربيّة ع 12 كانون الأوّل بيروت 1987، ص 72.

محمد عجينة: الترجمة الأدبيّة، رحاب المعرفة، السنة 4، عدد 21، ماي-جوان 2001، ص 92.

محمد الهادي الطرابلسي بحوث في النصّ الأدبيّ، الدار العربية للكتاب، تونس 1988، ص103.

محمد آيت ميهوب. ترجمة الشعر بين الاستحالة والإمكان. وثيقة الكترونية تم الوصول إليها يوم 13/1/2018 من موقع http://isat-al.org.

نزار الفراوي. ترجمة الشعر.. الممكن والمستحيل. شبكة الجزيرة. وثيقة إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018 من موقع: http://www.aljazeera.net

هاشم عبود الموسوي (2013). ترجمة الشعر : تلك الخيانة الجميلة. وثيقة إلكترونية من:  http://www.alnoor.se/article.asp?id=196655 . تم الوصول إليها يوم 14/1/2018.

[1] محمد آيت ميهوب. ترجمة الشعر بين الاستحالة والإمكان. وثيقة الكترونية تم الوصول إليها يوم 13/1/2018 من موقع http://isat-al.org.

[2] المرجع السابق نفسه.

[3] الجاحظ، الحيوان، دار الجيل، بيروت، 1996،ج 1 ص-ص 74-75.

[4] ذكره محمد عجينة: الترجمة الأدبيّة، رحاب المعرفة، السنة 4، عدد 21، ماي-جوان 2001، ص 92.

[5] محمد الهادي الطرابلسي بحوث في النصّ الأدبيّ، الدار العربية للكتاب، تونس 1988، ص103.

[6] محمد آيت ميهوب. ترجمة الشعر بين الاستحالة والإمكان. وثيقة الكترونية تم الوصول إليها يوم 13/1/2018 من موقع http://isat-al.org.

[7] هاشم عبود الموسوي (2013). ترجمة الشعر : تلك الخيانة الجميلة. وثيقة إلكترونية من:  http://www.alnoor.se/article.asp?id=196655 . تم الوصول إليها يوم 14/1/2018.

[8] ترجمة الشعر: بين التأويل والمحاكاة الحرفية. ميدل إيست أونلاين، 26/9/ 2012.  وثيقة إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018، من: http://www.middle-east-online.com/?id=139856

[9] المرجع السابق نفسه.

[10] محمد آيت ميهوب. ترجمة الشعر بين الاستحالة والإمكان. وثيقة الكترونية تم الوصول إليها يوم 13/1/2018 من موقع http://isat-al.org.

[11] المرجع السابق نفسه.

[12] عثمان حمزة (2009). في قضايا ترجمة الشعر وإشكالياتها. ملحق الخليج الثقافي. وثيق إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018 من: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/62b937c8-f69d-46a3-8150-26209f30916f

[13] محمد آيت ميهوب، مرجع سبق ذكره.

[14] لطيفة زيتونة: ترجمة الشعر، آفاق عربيّة ع 12 كانون الأوّل بيروت 1987، ص 72.

[15] تم الاستشهاد به في: نزار الفراوي. ترجمة الشعر.. الممكن والمستحيل. شبكة الجزيرة. وثيقة إلكترونية تم الوصول إليها يوم 14/1/2018 من موقع: http://www.aljazeera.net.

 

المصدر: عالم أكاديميا 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة