تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



إن لعملية الترجمة تقاليد عريقة بدأت منذ العصور القديمة ومورست على نطاق واسع عبر التاريخ، ولكن دورها في عالمنا المتغير بسرعة قد أكتسب أهمية قصوى. فالترجمة ليست مجرد عملية بين اللغات، وهي أكثر تعقيدًا من مجرد استبدال نص اللغة المصدر بنص اللغة الهدف، حيث أنها تتضمن الفروق الثقافية والتعليمية التي يمكن أن تشكل خيارات ومواقف المتلقين. كما أنه لا يمكن أبدا انتاج الترجمات في فراغ ثقافي أو سياسي ولا يمكن عزلها عن السياق الذي يتم فيه تضمين النصوص.

لقد انتشرت في هذه الأيام المعرفة التي تتزايد فيها التبادلات الثقافية، وتكثفت الاتصالات الدولية، مما جعل من ظاهرة الترجمة عملية أساسية (Hotz Lee, R., 2010). وسواء كان ذلك لأغراض علمية أو طبية أو تقنية أو تجارية أو قانونية أو ثقافية أو أدبية، فإن التواصل البشري يعتمد اليوم بشكل كبير على الترجمة، وبالتالي فإن الاهتمام بهذا المجال آخذ في النمو.

وعلاوة على ذلك، فقد تحول تركيز دراسات الترجمة مؤخراً، حيث ابتعد عن اللسانيات واقترب أكثر من أشكال الدراسات الثقافية. لذا نحاول في هذا القسم إلقاء بعض الضوء على طبيعة وتطور نظام دراسات الترجمة، بهدف إعطاء بعض المؤشرات على نوع العمل الذي تم إنجازه حتى الآن. إنها محاولة لإثبات أن دراسات الترجمة عبارة عن مجال معقد إلى حد كبير وله العديد من التداعيات بعيدة المدى.

الترجمات ليست ابداً نتاج فراغ ثقافي، وهناك اتفاق عام بين علماء الترجمة أنه عند السعي لنقل الكلمات (والجمل والنصوص) من لغة إلى أخرى، لا يستطيع المترجم البحث فقط عن الكلمات المكافئة في اللغة الهدف لينقل معنى المصدر. ولذلك، لا يتعين على المترجمين أن يكونوا وسطاء بين أنظمة اللغات المختلفة فحسب، بل يجب أن يكونوا وسطاء بين الثقافات. دور المترجم هو توصيل أفكار المصدر عبر الحدود الثقافية والوطنية مما يضعه في موقع فريد لفهم مختلف قضايا التنمية. وهكذا، فإن الترجمة تلعب دوراً حاسماً في فهمنا ‘للآخر’ الثقافي (Krog, A., Morris C. R., Tonkin H., 2010).

ما الذي يحتاج المترجمون لمعرفته ليكونوا قادرين على فعل الترجمة؟ نسعى، بعبارة أخرى، إلى تحديد “كفاءة المترجم”. المترجم هو وسيط ثنائي اللغة بين المشاركين في اتصال أحادي اللغة في مجتمعين لغويين مختلفين.

علاوة على ذلك ، يمكن للترجمة أن يكون لها تأثير حاسم في السياسة ويمكن أن تعمل كعامل للمصالحة أو التكامل الاجتماعي. لذلك يمكن أن يكون للترجمة تأثير واضح على كيفية التعبير عن القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان وتوصيلها.

وفي هذا الصدد، يزعم المتخصصون أن المترجم (التقني) المحترف لديه إمكانية الوصول إلى خمسة أنواع متميزة من المعرفة نشمل معرفة اللغة الهدف، معرفة نوع النص، معرفة اللغة المصدر، معرفة مجال الموضوع (العالم الحقيقي)، والمعرفة المقارنة. وهذا يعني أن المترجم يجب أن يعرف (أ) كيف يتم تنظيم المقترحات الخبرية (المعرفة الدلالية)، (ب) كيف يمكن تركيب العبارات لتحمل المحتوى الخبري وتحليلها لاسترجاع المحتوى المتضمن فيها (المعرفة النحوية)، و (ج) كيف يمكن ادراك العبارات كنص حامل للمعلومات، وتحليل النص في العبارة (المعرفة العملية). إن نقص المعرفة أو السيطرة في أي من الحالات قد يعني عدم تمكن المترجم من الترجمة. فبدون (أ) و (ب) سيفوت المترجم حتى المعنى الحرفي. وبدون (ج)، سيقتصر المعنى على المعنى الحرفي (المعنى الدلالي) الذي يحمله الكلام، والذي قد يمتلك تماسكًا رسميًا (كونه تحقيقًا ملموسًا للعبارات)، إلا إنه سيفتقر إلى التماسك الوظيفي والقيمة التواصلية. وبالنظر إلى هدف اللغويات لمطابقة كفاءة المتحدث، فينبغي أن تهدف نظرية اللغويات التطبيقية للترجمة إلى مطابقة كفاءة الترجمة بثنائي اللغة الأصلي. وهذا ينطوي بالضرورة على السعي إلى دمج المعرفة اللغوية للغتين مع المعرفة التوعية والعامة للمجال ومعرفة العالم من خلال المعرفة اللغوية المقارنة.

يتمثل أحد النهج في التركيز على كفاءة “المترجم المثالي” أو “ثنائي اللغة المثالي” الذي سيكون تجريدًا من ثنائيي اللغة الفعليين الذين يقومون بأداء مهام الترجمة بشكل غير سليم، ولكن (بخلافهم) لا يعملون تحت أي من قيود الأداء التي تكمن وراء عيوب الترجمة الفعلية (Dingwaney, Anuradha, 1995). ويعكس هذا النهج رؤية تشومسكي لهدف النظرية اللغوية ومقترحاته بشأن تحديد كفاءة ‘المتحدث/المستمع المثالي’. وتبعاً لذلك، فإن نظرية الترجمة تهتم في المقام الأول بقارئ/كاتب ثنائي اللغة مثالي يعرف اللغتين تمامًا ولا يتأثر بالظروف غير ذات الصلة نظريًا مثل قيود الذاكرة، وشرود الذهن، وتغيير الانتباه أو الاهتمام، والأخطاء (العشوائية أو المميزة) في تطبيق هذه المعرفة عند الأداء الفعلي.

إن البديل عن نموذج “المترجم المثالي” هو اعتماد منهج أقل تجريدًا ووصف كفاءة الترجمة من حيث التعميمات المستندة إلى الاستدلالات المستقاة من مراقبة أداء المترجم (Morrison, D, 2010). تشير دراسة من هذا النوع إلى نهج استقرائي يتمثل في إيجاد سمات في بيانات المنتج تشير إلى وجود عناصر معينة وعلاقات منهجية في العملية، وبذلك سنتصور نظام خبير الترجمة. والبديل الأخير هو إنكار ثنائية الكفاءة والأداء وإعادة تعريف هدفنا كتحديد لمواصفات “الكفاءة التواصلية” المتعددة المكونات التي تتكون في الحد الأدنى من أربعة مجالات للمعرفة والمهارات تتمثل في الكفاءة النحوية، والكفاءة اللغوية الاجتماعية، وكفاءة الخطاب، والكفاءة الاستراتيجية. وسيقودنا هذا النهج إلى محاولة تحديد ‘الكفاءة التواصلية للمترجم’ المتمثلة في المعرفة والقدرة التي يمتلكها المترجم والتي تسمح له بخلق أفعال التواصل (الخطاب) وهي ليست (وليست بالضرورة) نحوية فقط، ولكنها مناسبة اجتماعيًا أيضا. إن الالتزام بهذا الموقف سيجعلنا نؤكد بأنه على  المترجم أن يمتلك الكفاءة اللغوية في كلا اللغتين والكفاءة التواصلية في كلا الثقافتين.

تقوم دراسات الترجمة باستمرار بإحداث تطورات نظرية جديدة على جسمها العلمي. ما هو واضح في الأدبيات المتنامية بشكل كبير هو أن العلماء قد جاءوا إلى (دراسات) الترجمة من مجموعة متنوعة من المجالات والخلفيات العلمية. وفي حين كانت خلفيتها التقليدية من على اللغة (أو تخصصاته الفرعية، وخاصة البراغماتية، وعلم اللغة النصي)، و الأدب، فإن هناك في الوقت الحاضر مساهمة متزايدة من الدراسات الثقافية. وتتمثل أحد نتائج ذلك في عدم تناسق المصطلحات. فعندما نأخذ مفاهيم من اختصاصات مختلفة، يجب أن نحددها بوضوح ونوضح أصلها العلمي. يبدو أن هناك ظاهرة عامة تتمثل في استخدام التخصصات الأكاديمية المختلفة لنفس التسميات، ولكن، بمعان مختلفة.

 

المصدر: عالم أكاديميا 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة