تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



الترجمة المتخصصة تتعامل عادة مع النصوص، أي كيانات خطاب كاملة، والتي لا تُكتب عشوائيا، فقط من أجل الكتابة. فهي نتاج مؤلف أو مؤلفين ينتمون إلى مجتمع خطاب معين، ويهدفون إلى خدمة غرض معين، لأن ‘الأفراد إما ينتجون نصوص، أو ينتجون ترجمات نصوص، وفقًا لمعايير مجتمع الخطاب و الوظائف التي يعتزم النص تقديمها في مجتمع الخطاب هذا’ (Bex, 2001:  66).

إن ‘تقليد’ النص والأهداف التواصلية التي يتبعها تتبلور في مفاهيم النوع وأعرافه. وكما توضح بهاتيا (Bhatia, 2004: 20)، فإن مفهوم النوع ‘يوسع التحليل إلى ما هو أبعد من المنتج النصي ليدمج السياق في معنى أوسع حتى يلم ليس فقط بالطريقة التي يتم بها بناء النص، ولكن أيضًا بالطريقة التي يتم بها تفسيره واستخدامه واستغلاله في سياقات مؤسسية محددة أو سياقات مهنية ضيقة لتحقيق أهداف صارمة محددة “(2004 ، 20).

الخطاب المتخصص هو عالم تزدهر فيه الأنواع، حيث أن كل مجال من مجالات المعرفة أو النشاط طور (أو، في بعض الأحيان، استعار) طرقه التقليدية الخاصة لرزم المحتوى المعلوماتي. يشمل المجال القانوني، على سبيل المثال، مجموعة واسعة جدًا من الأنواع النصية، مثل الأحكام، مذكرات وأوامر الاستدعاء، الأوامر القضائية، القوانين، الوصايا، التوكيلات، أو الأنواع المختلفة للعقود. كما أن ملخصات الخروج، تقارير الحالة، أو رسائل الاستشارة تعتبر أمثلة لبعض الأنواع المعروفة في المجال الطبي، في حين أن البيانات المصرفية، والبيانات المالية، وتقارير الدفاتر العامة، أو ملفات الجرد الختامية تعتبر أنواع شائعة في مجال الأعمال والمحاسبة. وبالطبع، فإن العديد من الأنواع تتقاطع مع العديد من المجالات. وكمثال في هذا الصدد هو المقال العلمي، الذي قد يظهر كطريقة تقليدية لتنظيم المعلومات في أي مجال من مجالات المعرفة، على الرغم من أن الأعراف النصية قد تكون مختلفة قليلاً في كل حالة.

أحد التحديات التي يتعين على المترجمين المتخصصين مواجهتها هو تعلم كيفية التعامل مع جميع الأنواع المختلفة التي قد يجدونها في عملهم. من جهة، يجب أن يكونوا على دراية ‘بالثقافة’ والأغراض التي أدت إلى استخدام أعراف النوع الخاصة بلغة المصدر، ومن ناحية أخرى، تقرير كيف ينبغي التعامل مع هذه الأعراف في الثقافة الهدف، بالاتفاق مع التوقعات المحتملة للمستفيدين الهدف (الذين يحتاجون أيضا إلى تصورهم). وكما أكد نيوبرت وشريف (Neubert and Shreve, 1992: 117)، فإن ‘الانطباع بأن الترجمة تبدو خاطئة يأتي من انتهاكات لتوقعات القراء النصية، حيث أن القارئ يضع في اعتباره مجموعة من التوقعات الضمنية حول ما يجب أن يكون عليه النص’. قد يتطلب مواكبة أعراف النوع قرارات جذرية أحيانا، مثل الحذف أو الإضافة أو إعادة تنظيم المعلومات في النص الهدف. فمثلا نجد أن الترجمات العربية للمقالات حول تقنية المعلومات والاتصالات باللغة الإنجليزية أطول من مصادرها  وربما قد تحتاج إلى عدد أكبر من التقسيمات داخل النص، مثل العناوين الفرعية أو الفقرات. وهذا يبين أنه على المترجمين العرب أن يبذلوا جهداً لتكييف النصوص الهدف مع الاعراف العامة للثقافة الهدف، والذي يتطلب تكثيف أخبار تقنية المعلومات والاتصالات في العالم العربي. قد تكون هناك حاجة إلى جهد أكبر للتكيف في الترجمات المتقاطعة، التي يختلف فيها نوع المصدر ونوع الهدف (على سبيل المثال، ترجمة بيان صحفي مصدر كمقال إخباري في الثقافة الهدف).

فيما يتعلق بوظائف التواصل، وعلى الرغم من الافتراض التقليدي، يبدو أن ممارسة الترجمة تشير إلى أن النصوص المتخصصة التي تخدم غرضًا إعلاميًا بحتًا ليست متكررة، ولا حتى في المجالات التقنية. وباستثناء الأوصاف التقنية (مثل وصف الأجزاء التي تشكل آلة معينة أو عملها)، والتي يمكن النظر إليها على أنها إعلامية فقط ، فإن النصوص الأكثر تخصصًا تهدف إلى القيام بالعديد من المهام التواصلية. ولذك، على الرغم من أن هدفها الأساسي قد يتمثل في نقل المعلومات، إلا أن معظم النصوص المتخصصة تهدف أيضًا إلى الإقناع (على سبيل المثال من خلال الجدل، في المقالات العلمية، وفي إعلانات المنتجات)، أو للإرشاد والتوجيه (مثل أدلة المستخدم، أو الأحكام القانونية)، أو حتى للتعبير عن وجهات النظر ‘الشخصية’ (على سبيل المثال في المقالات العلمية، في تقارير الشركات)، إلخ. وإذا ما نظرنا إلى النصوص في التخصصات المختلفة ، فسنجد أنها تستخدم مجموعة واسعة من الوسائل اللغوية والخطابية من أجل تحقيق كل هذه الوظائف في النصوص المصدر، وقد يشكل بعضها تحديًا كبيرًا للمترجمين

.

التحديات والمسؤوليات والمخاطر

وكما أظهرت هذه النظرة العامة الموجزة، من مستوى المصطلحات، إلى العبارات، والنوع وأعرافه، والوظائف التواصلية ، يجب على المترجمين الذين يعملون مع النصوص المتخصصة أن يتعاملوا مع العديد من التحديات التي لا تتطلب معرفة لغوية إضافية فقط في المجال المعني، ولكن أيضا مهارات حل المشاكل والإبداع اللغوي. ومن العديد من النواحي، في المجتمع القائم على المعرفة، حيث تنتشر المعلومات بسرعة مذهلة، فإن الحدود التي تفصل بين التخصصات قد تلاشت، وتتقدم التطورات العلمية والتقنية على نطاق لم يسبق له مثيل من قبل، وهو الأمر الذي جعل الترجمة المتخصصة متطلبة مثلها مثل الترجمة الأدبية على الأقل. وعلى أية حال، فهي بالتأكيد ليست ‘أسهل’ أو ‘مقيدة’ أو ‘شبيهة بالآلة’ أو ‘رتيبة’، كما تقول بعض الآراء التقليدية. تتشابه الترجمة المتخصصة والترجمة الأدبية في العديد من النواحي. وفي الواقع، إذا أخذنا بمفهوم التخصص إلى أقصى حدوده، يمكننا اعتبار الفن الأدبي نشاط متخصص، والذي تمارسه فقط مجموعة صغيرة من الخبراء، ويمكننا أيضًا اعتبار الترجمة الأدبية نوعًا من الترجمة المتخصصة. ومع ذلك، وعلى الرغم من التشابه الواضح بينهما، فإن محاولة جعل هاتين الحرفتين تتنافس  والجهد المبذول لتسميتهما على أساس الأحكام القيمية يعتبر أمر مفيد مثل صب الماء في الغربال.

ويتحمل المترجمون المتخصصون مسؤولية مشتركة تجاه كل من النص المصدر ومنتجه (منتجيه) والنص الهدف ومتلقيه المستقبليين. قد تكون مكانة النص الأدبي المصدر أعلى من معظم أنواع النصوص الأخرى، كما ادعى سنيل-هورنبي، ولكن هذا لا يعني أن النصوص المتخصصة المصدر غير مؤلّفة أو أن أولئك الذين يطلبون الترجمات المتخصصة يتوقعون عملا أقل من الجيد، أي أنهم حتما يرغبون في ترجمة تمكن من الحفاظ على دقة المحتوى المعلوماتي الذي ينقله النص المصدر بينما تنجح في تحقيق التأثيرات التواصلية المقصودة في السياق الهدف.

في موازنتها المستمرة بين الدقة والاتقان في ترجمة المصطلحات والمحتوى المعلوماتي وسعة الحيلة في تقديم العديد من الظواهر اللغوية والعملية الأخرى الموجودة في النصوص المصدر، فإن الترجمة المتخصصة ليست نشاطًا خاليًا من المخاطر. ليس من قبيل الصدفة، حسب بعض الآراء، أن مفهوم الانحراف في الترجمة (للنص الهدف بالنسبة للنص الأصلي) مقبول فقط عندما يتحدث المرء عن الوثائق ‘العلمية’ حيث ‘يتم وضع الحقائق وعرضها بمصطلحات موضوعية غير مؤهلة لقارئ النص المصدر والنص الهدف على حد سواء، ولكن يختلف الوضع مع النصوص الأدبية’ (Bassnett, 1992: 79). ففي مجالات المعرفة حيث تكون الدقة شرطًا أساسيًا، قد يكون لسوء ترجمة المصطلحات نتائج كارثية، وبعواقب تتعدى كثيرا الأخطاء في أسلوب الكاتب الأدبي. وعلاوة على ذلك، فإن سوء معاملة التعابير الاصطلاحية وخيارات النوع غير الملائمة قد يقوض تماما الطريقة التي يتم بها فهم المعلومات الواردة في النصوص المتخصصة وتلقيها والأثر التواصلي المقصود الذي من المفترض أن تحدثه الترجمة في السياق الهدف.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أنه، خاصة عندما تكون اللغة الهدف أقل شهرة وتوحيدا من حيث المصطلحات، فإن المترجمين المتخصصين، تماماً مثل الصحفيين أو المؤلفين، هم مبدعون للغة أيضاً. وكما أكد مونتغمري (Montgomery, 2000: 18)، فقد ‘أدت الترجمة (…) مرارًا وتكرارًا إلى إنشاء مفردات جديدة بلغات كانت في السابق غريبة على المعرفة ذات الصلة’. عندما تكون النصوص المصدر ذات تأثير كبير أو تستفيد من التداول الواسع، فإن بعض الاختيارات التي تتم في ترجمتها ستميل إلى التمسك بالعقل الجماعي والاعتماد عليها كقاعدة، وبالتالي تصبح ترجمة ‘عرفية’ للمصطلحات الجديدة أو العبارات الاصطلاحية الجديدة الخاصة بالمجال. وبالتالي، يتم عادة إدخال الاقتراض الرسمي أو الدلالي إلى اللغة، مما يثري مفرداتها ويساعدها على مواكبة تطورات العلوم والتقنية. من هذا المنظور، يتحمل المترجمون المتخصصون مسؤوليات تجاه اللغة الهدف أيضًا ويجب أن يكونوا حذرين من خطر إدخال ترجمات فضفاضة وأسلوب سيء في السياق الهدف. “يجب أن يكون المترجم أكثر من مجرد جهاز ينقر على كلمة مقابل كلمة، وعبارة مقابل عبارة، بل يجب أن يشارك بنشاط في اختيار اللغة، ويرقص على الحدود بين التقليد والابتكار’ (Montgomery, 2000: 34).

 

 

المصدر: عالم أكاديميا 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة