تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



إن اختزال ترجمة النصوص التي تشير أو يتم إنتاجها ضمن مجال متخصص من المعرفة أو النشاط في ترجمة مصطلحاتها يعد تبسيطًا بدائيًا. قدر نيومارك

(استشهد به في Byrne, 2006: 3) أن المصطلحات تمثل على الأكثر 5-10٪ من المحتوى الكلي للنصوص التقنية. وبالطبع، ينبغي أخذ هذا التقدير بحذر، لأن نسبة المصطلحات في النص تعتمد على العديد من العوامل. ومع ذلك، من منظور معجمي، تتكون معظم أنسجة النصوص المتخصصة من الكلمات التي تنتمي إلى المفردات اليومية أو الكلمات التي يمكن اعتبارها شبه متخصصة (أي أنها شائعة الاستخدام في العديد من المجالات).

في حين أن إظهار أن المصطلحات ليست سوى جزء صغير نسبيًا من المفردات المستخدمة في النصوص المتخصصة، فإن هناك أيضًا جانب آخر مليء بالتحديات في الترجمة المتخصصة، ألا وهو التعامل مع التعابير الاصطلاحية والنوع. فإلى جانب العثور على المصطلحات الصحيحة، يحتاج المترجمون الذين يعملون مع نصوص متخصصة إلى التعرف على أنواع مختلفة من التعابير الاصطلاحية الموجودة في النص الأصلي، وفهم معانيها وتأثيراتها البؤرية المقصودة، واتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ترجمتها. على الرغم من أن العبارات المحددة تحمل وزنًا أخف فيما يتعلق بالمحتوى المعلوماتي، إلا أن ترجمتها يمكن أن تعرقل قابلية القراءة الشاملة وتقوّض الوظائف التواصلية المقصودة للنص الهدف.

بالنسبة إلى ملكوك (Mel’čuk, 1998: 24-30)، فإن العبارة المحددة أو التعبير الاصطلاحي هو ببساطة عبارة ليست حرة؛ وهذا يعني أنه عند بنائها إما أن اختيار العناصر المكونة لها أو الجمع بينهما، أو كليهما، لا يتم بحرية، بل يقتصر على عدد محدود من الخيارات (Mel’čuk, 1998: 24-30). على الرغم من أنها غير مستغلة نسبياً في دراسات الترجمة، إلا أن مجال علم العبارات يبدو ذا أهمية قصوى في الترجمة المتخصصة. من أجل تبسيط التواصل، لكل مجال من مجالات المعرفة عبارات محددة ومجموعات كلمات مميزة. على سبيل المثال، ‘تصفح الإنترنت/ الويب/ الملفات / البيانات’، ‘قراءة/ كتابة قرص/ بيانات’، ‘أدوات التحرير’، ‘معالجة الصور’ ، ‘الاستخدام/ الوصول غير المصرح به’ تعتبر من التعابير ومجموعات الكلمات الشائعة جدا في مجال تقنية المعلومات.

عند التعامل مع عبارات النصوص المتخصصة، فإن اختيار الكلمات المناسبة لتتماشى مع كل مصطلح في الترجمة يعتبر أمر أساسي، ليس فقط من أجل الحفاظ على النوع والأسلوب الخاص بالحقل، ولكن أيضا للحفاظ على ودعم الوظيفة التواصلية التي يفترض أن يحققها النص المترجم في سياق الاستقبال الهدف. أخبرني طبيب ليبي ذات مرة أنه كان منزعجا جداً من نص طبي مترجم قرأه. فمن بين أشياء أخرى، شعر المترجم الليبي بأن الأفعال الإنجليزية مثل ‘to die’ أو  ‘to flat line’  كانت قاسية جدا، ولذلك قرر أن يخفف من وقعها في الترجمة. ونتيجة لذلك، نجد في النسخة العربية من المقالة الإنجليزية، أن المرضى “توفوا” أو “قضوا نحبهم” أو “فارقوا الحياة”. وكما أوضح الطبيب، فإن التأثير غير المرغوب فيه لهذه المترافقات كان له تأثير سلبي على استقباله للمقال.

وبصرف النظر عن المترافقات الخاصة بالمجال، فقد تشمل النصوص المتخصصة العديد من الأنواع الأخرى من العبارات الاصطلاحية النصية والمرجعية. ففي بعض الأحيان، نجد أن العبارات الاصطلاحية النصية، العبارات الخاصة وغير الخاصة بالمجال، يرافقها في النصوص المتخصصة ما أطلق عليه جرانجر وباكووت (Granger and Paquot, 2008) اسم العبارات الاصطلاحية التواصلية (communicative phrasemes). فتبعاً للغرض الكلي الذي يتبعه نص متخصص، قد يتخذ هذا الأخير شكل صيغ أفعال الكلام (تستخدم أساساً في الإعلان أو في النصوص التي تخاطب القراء بشكل مباشر)، وصيغ المواقف (على سبيل المثال، ‘أعتقد/ نعتقد أن …’ ، ‘أرى/ نرى أن …’ المستخدمة بشكل رئيسي في النصوص العلمية الجدلية)، و الأشياء الاعتيادية (التي تستخدم في بعض الأحيان في السياقات التعليمية)، والأمثال (أو إعادة الصياغة الذكية)، والشعارات (إعلانات، اتصالات الشركات، إلخ).

إن الطريقة التي يتم بها التعامل مع جميع أنواع التعابير المذكورة حتى الآن في الترجمة لها أهمية كبيرة، جنبا إلى جنب مع المصطلحات، لأنها تشارك في بناء النوع الخاص بالمجال والنوع الاتصالي العام (أو الأسلوب)،. لكل من النص المصدر والنص الهدف. وكما لاحظ بيرن (Byrne, 2006: 5)، في كثير من الحالات، لا يتم الاعتراف مطلقا بأهمية أو حتى وجود أسلوب في النصوص التقنية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الاعتقاد بأنه نظرًا لأن اللغة التقنية وظيفية، فيجب أن تكون ‘واضحة’ ومجردة من أي شكل من أشكال الأسلوب أو الهوية اللغوية’. الأمثلة القليلة التي نوقشت حتى الآن هي مؤشر على أن حيادية الأسلوب أو الافتقار للإبداع اللغوي في النصوص المتخصصة ليس عالميا.

 

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة