تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



بقلم/ أسماء بدوي

يجب أن يختلف عقل طالب الترجمة عن عقول البشر جميعًا،فهو الوحيد الذي يعد الفهم فريضة عليه، فهو مطالب بفهم ما قيل في صورة حروف ومن ثم نقل ما فهمه بصورة يستطيع القارئ قرائتها، وكما قال أستاذنا الدكتور حسام الدين مصطفي فى تشبيهه للنص المطلوب ترجمته بالجثة الهامدة التى لا تنطق ببنت شفة، فكما سيشق على ضابط التحريات معرفة سبب موت هذة الجثة، فهو أيضًا بالأمر الشاق على المترجم أن يتوصل لما يريد أن يقوله الكاتب من خلال النص المكتوب.

ولكن ما يؤرق عقل طالب الترجمة ليس النص ولكن كيف سيصل للنص ومن سيوصله إلى هذا النص وكيف سيتعامل مع النص ، فطالبنا يقضى نصف يومه في الجامعة والنصف الآخر في إنجاز ما طُلب منه حتى لا يتعرض للتوبيخ من أستاذ المادة أو الحرمان من بعض الدرجات، وكلما ينظر طالبنا للإعلانات عن وظائف الترجمة يجد صفحة من المتطلبات التي تحتاج لسنين من الجهد والعناء، فهو لم يخبره  أحد فى الجامعة أنه يجب عليه الترجمة باستخدام الكمبيوتر وبرامج الترجمة الآلية التى تحتل السطر الثان من إعلانات وظائف الترجمة، فأستاذ الترجمة يعطى نصًا مطبوعًا على ورق أبيض ويتسلم ترجمته بنفس الطريقة.

فيقرر طالبنا السعي والجد في البحث عن كيفية تطوير نفسه، ويتوصل إلى أن أول خطوة لكي تصبح مترجمًا جيدًا هي أن تكون قارئًا جيدًا فيذهب طالبنا لشراء أم الكتب التي تفوق مستواه بمراحل ويحاول فهمها ولكن لا تجدي نفعًا، فهو لم يخبره أحد أن ما يقرأه المترجم المبتديء يختلف تمامًا عما يقرأه أصحاب الخبرة فى الترجمة فكما يقال: لكل مقام مقال، فيقول صاحبنا في قرارة نفسه أن تلك العثرات هي بداية النجاح، وأن وقت السعى لا يمكن أن يتخلله استسلام، فيبحث صاحبنا عمن يشار لهم بالبنان في الترجمة ويبدأ بمتابعة صفحاتهم على الفيس بوك وخلافه؛ فيتفاجئ بأن هناك تخصصات فى الترجمة وأن كل مجال له متطلبات تختلف عن المجالات الأخرى وأن هناك العديد من أنواع الترجمة غير هذة النصوص الهامدة.

فيجد الأستاذ الفلاني يتحدث عن ضرورة اختيار التخصص وأن عصفور باليد خير من اثنين على الشجرة ، ويجد أستاذًا آخر يقول من لم تكوى يده في أغلب تخصصات الترجمة لن يفلح في العمل كمترجم؛ هنا يقف طالبنا مذهولًا لا يعلم ماذا يفعل- وكان قد سبق وقرأ أن الترجمة هي فن اتخاذ القرار- وهو يقف في حيرة من أمره لا يستطيع أن يقرر لنفسه ماذا سيفعل فهل سيقرر ماذا أراد الكاتب أن يقول في هذا النص؟!، فخطر بباله أن يحاور أستاذ الترجمة بالجامعة لكي ينهل من خبراته ،ولكن كلما ذهب لا يجد الدكتور بالمكتب الخاص به فهو خارج الجامعة، فيخرج من الغرفة عازمًا على الرجوع في اليوم التالى،ويذهب في اليوم التالى ولكن يرفض الدكتور الاستماع لأن لديه من العمل ما يغنيه عن سماع سؤال هذا الطالب ويقول نتحدث أثناء المحاضرة، ينتظر طالبنا المحاضرة على أحر من الجمر ولكن يدخل الدكتور على عجلة من أمره يريد إنهاء النص الذى كلف الطلبة به وإعطائهم النص الجديد ومن ثم إنهاء المحاضرة والخروج مهرولًا لكي يتمكن من اللحاق بالاجتماع الفلاني.

فيفتش عن قائمة بأسماء أعلام الترجمة في مصر فيجد قائمة ذاخرة بالأساتذة الكبار ولكن لا يجد أي سبيل للوصول إليهم، فيقع اختياره على أستاذ  وجد له صفحة على الفيس بوك فينظم رسالة عظيمة يطلب فيها أي فرصة للتحدث عما يجول بخاطره من أسئلة وفي نهاية الرسالة يطلب خمس دقائق من الأستاذ لكي يراه ويتحدث معه، وينتظر صديقنا الرد ولا يأتي شهر، اثنان ، ثلاثة ، وتكون الامتحانات قد شارفت على الأبواب فينحي كل أسئلته جانبًا حتى الانتهاء من فترة الامتحانات، ولكن يظل ينظر إلى الرسالة بين الحين والآخر ولم يتغير شئ وكأنه نظمها ليقرأها هو. وانتهت الامتحانات ولم تُقرأ رسالته بعد، فهو لم يكن يعلم أن صاحب الصفحة ليس متفرغًا للرد على الرسائل إن لم تكن رسائل من أجل العمل فقط.

فهو ما زال فى مرحلة السعى والاستسلام قطعًا مرفوض، ولكن لا مانع من بعض الراحة من التفكير فى تلك المؤرقات، فيتصفح الفيس بوك فيجد دورة للتدريب على الترجمة العامة فتنفرج أساريره معلنة عن فرحة من وجد ضالته أخيرًا، فيقرر الالتحاق بهذة الدورة مهما كلفت الأمور، فهم إلى هاتفه واتصل بالرقم الموجود بالإعلان ليعرف كل التفاصيل، فعلم أن الدورة ستعقد بمدينة نصر وهو يقطن بالسادس من أكتوبر، وتكلفتها 3500 جنية لمدة شهرين بمعدل مرتين أسبوعيًا، فهو قد عزم على تخطي كل الصعاب وقرر الذهاب وأخذ يحدث نفسه أنه لا بد من العناء والمشقة من أجل الوصول، فهو لم يعلمه أحد كيف يصرف جهده، فيصل إلى مقر الدورة ويجلس مفعمًا بالأمل والنشاط ويستمع للكلمات الأول التى تخرج من فم المحاضر ألا وهي أن المترجم يجب أن يكون باحثًا وأعطاهم بعض المصادر للبحث فيها والوصول إلى أهم القواميس وأهم المواقع الخاصة بالترجمة، فذهب طالبنا لتطبيق تلك النصيحة والبحث في المواقع وبعد قضاء ثلاثة أيام في القراءة والتمحيص علم أن الترجمة العامة ليست النوع الذي يتطلب هذا العناء والمشقة. ووجد العديد من الدورات على اليوتيوب لأساتذة كبار وعرف ما وجب علي المترجم فعله وبدأت الأسئلة فى مخيلته تتلاشى فهي تظهر أمامه قبل البحث عنها.

فتعلم أول مهارة على طريق الترجمة ألا وهي مهارة البحث، وجاء اليوم التالى من الدورة وبدأ يشعر بالندم لأنه أحس لوهلة أنه قصر في البحث وكانت تعزيته الوحيدة أن حضوره هذة الدورة هو ما فتح له كل هذة الطرق وأجاب بشكل غير مباشر عن بعض الأسئلة التى تؤرقه، فقرر استكمال ما بدأ بجانب تعليم نفسه بشكل شخصي. وعلم صاحبنا أن المترجم هو سيد قراره ومالك وقته فخصص لنفسه طوال مدة الدورة ساعتين يوميًا للقراءة والعمل على ما ينقصه من مهارات وإنجاز المهام المطلوبة منه.

 وبعد انتهاء الدورة جلس صديقنا مع نفسه ليحصد ما تعلم خلال أشهر الدورة فوجد أنه أتقن الترجمة العامة وحصل على بعض المعلومات عن المجالات الأخرى ولكن لم يغوص فيها، وهنا اتضحت له إجابة سؤاله وهو لم يكن يعلم أنه سلك منهج من فضلوا البدء بالترجمة العامة أولًا ومن ثم باقي أنواع وتخصصات الترجمة، فذهب مرة أخرى لإعلان العمل ليجد في السطر الأول منه (مطلوب مترجم قانوني يجيد الترجمة من الإنجليزية إلى العربية)، فلم يتفاجئ هذة المرة لأنه لديه ترسانته التي يستطيع أن يتزود منها بكل ما يريد من أجل الخروج للساحة كبطل مظفر، فذهب للبحث عن كل ما يخص الترجمة القانونية ولكنه لم يستسيغ التعامل معها ولم يصمد أمامها طويلًا لما بها من صلابة في النصوص ودقة متناهية، فعزف عن الترجمة القانونية. وهنا ظهرت له مشكلة أخرى فهو لم يجد أى إعلان يطلب مترجمًا عامًا، فذهب لمقالاته مرة أخرى ولكن تلك المرة قرر البحث باستفاضة عن الترجمة السياسية فهو يعرف عنها القليل، شعر بأن هذا التخصص هو مراده وقرر تعلم كل شئ عنها ولكنه لم يعان تلك المرة ما عاناه في الترجمة العامة فهو قد قطع نصف المشوار لم يتبق لديه غير تعلم المصطلحات السياسية والبدء في الترجمة الفعلية، وكانت تلك أولى محاولاته في الترجمة دون مراجع.

ولكنه علم أيضًا خلال رحلته أن أحد أسلحة المترجم هي قواميسه والسلاح الآخرهو التقييم الذي يحصل عليه من المراجع أو العميل إذا قرر العمل كمترجم حر، وهنا قرر أنه قد حان الوقت لكي يتدرب في إحدى المكاتب كمترجم فعلي؛ فأحضر قائمة بأرقام مكاتب الترجمة في محيطه وبدأ بالاتصال ولكن أصيب بخيبة أمل لم يتعرض لها من قبل، فأحدهم طلب منه دفع مبلغ لا يقدر عليه طالب في أول حياته، والآخر رحب به كعامل يقدم الشاي ويطبع الأوراق للأستاذ الكبير، وآخر وبخهُ لأنه أيقظه من نومه أثناء ساعات العمل، وآخر اشترط أن يكون خريجًا.

في ذلك اليوم شعر الطالب بحزن أرق عليه ليله وأشعره بأن ما بذله خلال أشهر الدورة ومن ثم الإجازة الصيفية لم يكن كافيًا حتى للتدرب، وهنا لم يتجرأ على التفكير بالعمل وشعر أن الأبواب مقفلة في وجهه، فقرر إعطاء نفسه عطلة عن كل عاداته التي فرضها على نفسه وتوقف عن القراءة والتمحيص وعن الترجمة أيضًا، وقرر الاكتفاء بما يتعلم في الجامعة إلى أن يتخرج. إلى أن صادفه إعلان على موقع من المواقع المتخصصة في الترجمة التى سبق وقام بمتابعتها، ولكنه كان إعلان عن دورة للكات تولز مع تخصيص وقت للتعرف على كيفية الوصول للعميل، لم يتحمس طالبنا كأول مرة، ولكنه قرر الذهاب لأن هذة المهارة تنقصه وكانت ستعقد الدورة بجانب بيته فهو لن يتكبد عناء ومشقة الطريق وكانت بالسعر الميسور أيضًا.

وهنا انتابه شعور لا يستطع وصفه بالفرح ولا بالحزن فهو قد اعتاد على الترجمة باستخدام الوورد، فكانت المفاجأة عندما تعرف أكثر على تلك البرامج التي تساعد على إخراج ترجمة أفضل وبجهد أقل، وكانت مكافأته عندما طلب المدرب من المتدربين فتح أى مشروع قد عملوا عليه من قبل، فهنا تحديدًا شعر بالفخر وبقيمة ما بذل من جهد، وعادت الابتسامة تملأ وجهه عندما أشاد المدرب بكيفية تنسيقه للنص وقوة اللغة العربية لديه وهو مازال طالبًا، وعاد لبيته في ذلك اليوم كالفارس المظفر على حصانه، وشعر بأن الأرض رغم وسعها لا تسعه، وقرر العودة إلي مقالاته والبحث عن دورات فيما ينقصه من مهارات.

وفي منتصف عامه الدراسي وبعد أن تيقن من أن لديه من المهارات ما يكفيه للعمل قرر البدء كمترجم حر فشرع في إنشاء صفحته ليقدم نفسه بين معشر المترجمين كمترجم حر، وعرض خدماته ووضع سيرته الذاتية وعينة من عمله ولكنه في أول شهر لم يحصل على أى عروض ولم يتلق أي طلب، فعلم أن ما زالت هناك مهارة تنقصه فعلى الفور عاد لمقالاته ولكن كل ما يقرأه متوفر لديه وهو يعرف كل خطوة بالمقال، فأين المشكلة إذًا؟ أرقته هذة المسألة ليال طوال وقد قتلها بحثًا وتمحيصًا، فقرر التواصل مع أستاذ كان قد حضر معه ورشة متعلقة بالعمل الحر من قبل، وذهب له في مقر عمله وأخبره الأستاذ أنه لم يعرف بعد من أين تؤكل الكتف أي لا يعرف كيف يصل للعميل، ونصحه المعلم بحضور الورشة التى ستعقد خلال أيام للتحدث عن كيفية الوصول للعميل وأسس تحديد أسعار الترجمة.    

وحصل صاحبنا على أول عميل له بعد مشقة وعناء ولكنه أيضًا شعر بمعنى السعادة لأول مرة ولم يكن قد تقاضي أجره بعد، فحصوله على العميل كان الهدف الذي طال انتظاره لأشهر. وتعلم صاحبنا أن ليس هناك نقطة تدعى نقطة التوقف أو الاكتفاء لدى المترجم، فالتعلم والبحث والإطلاع لدى المترجم مهما عظمت مكانته كالظفر الذي لا ينفصل عن اللحم.

وقرر صاحبنا  إفادة من حوله بما تعلم فأنشئ صفحة أخرى له على الفيس بوك غير صفحته الشخصية من أجل الترجمة فقط، وأخذ بنشر كل ما تعلمه خطوة بخطوة، مع تحفيز متابعيه على العمل وبذل الجهد فى المكان الصحيح، وأنشأ اسمه في عالم الترجمة، وعزم على تخصيص وقت للرد على الأسئلة على الخاص أو غيره لكل متابعيه حتى لا يتكبدوا ما عانى من مشقة، وعند تخرجه كان صاحبنا ممن يشار لهم بالبنان وممن يشاد بهم في مجال الترجمة، وأخذت الشركات تتسابق من أجل الظفر به.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة