تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



العاطفة القوية الصادقة هي التي تجعل الأدب قويا والشعر نابضًا بالحياة، فهي من النص الأدبي بمنزلة الروح من الجسد، فيها يسمو الأدب ويخلد الشعر، ولذلك تنبه لها النقاد القدامى، وأشادوا بمنزلتها من الأدب، وتحدثوا عن مصادرها القوية، ومنابعها المندفقة، وأوارها المتأجج، فاختاروا لها أنسب الأوقات وأصفاها، وأجمل الأماكن وأهدأها، ووضح أبو سهل في صحيفته وقت احتدام العاطفة، ومنطلق صدقها، وحرارتها، ومنزلتها من الأدب، حين تبعث فيه القوة والحياة قال بشر: "خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف نسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش القول، وأجلب لكل عين وغرة، من لفظ شريف، ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة".

ينبغي على الاديب أن ينتقي أنسب الأوقات لكتابة الأدب أو إنشاد الشعر أو إلقاء الخطب، ويمتنع عن الكتابة في وقت فتور العقل، وخمود البدن، وتبلد الإحساس وامتلاء المعدة، فكما قالوا: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. وإنما يكتب الأديب أثناء النشاط في البدن، واليقظة في العقل، والحركة في الذهن، وانفعال المشاعر، ورقة الأحاسيس، لتكون العاطفة صادقة، والخيال خصبان فتتمكن منه الألفاظ الكريمة، والكلمات الفصيحة، والنظم البليغ، والتراكيب القوية، والمعاني البديعة، والأفكار المبتكرة، فإن مثل هذه الفترة، مهما كانت وجيزة فهي أفضل من أيام خفتت فيها العاطفة الصادقة، حين يعاني منها الأديب أثناء الصياغة من آلام الكد والمطاولة ومتاعب الجهد والمحاولة.

فالعاطفة الصادقة هي التي تؤجج في الأدب شعورا متدفقًا، وإحساسًا عميقًا، ونشاطًا فكريًّا وذهنيًّا، فينبض الأدب بالحياة، والحياة فيه هي الصدق العاطفي والفني، فيرتفع إلى سمو الغرض، وشرف الهدف، ووضوح المعنى، وينقاد اللفظ خفيفًا سهلًا على اللسان، ويجري رقيقًا عذبًا، كالماء العذب الرقيق، والينبوع الثر الصافي.

وحرارة العاطفة لا تزج بالأديب في دروب الخطأ، ومنحنيات التيه، لأن العقل يوجهها ويسدّد خطاها، وينظم شراراتها، فلا تهبط في الشعاب المتوعرة، أو تنزل في مخالق التعقيد، الذي يلف المعنى في ضباب كثيف، أو يدرج الغرض في أثواب قائمة، فيكون الأديب في أسلوبه الذي اختفى فيه المعنى، أسوأ حالًا قبل أن يكشف عنه.

وأبو تمام الذي عاصر بشرًا تحدَّث عن وقت نشاط العاطفة، وعن مصدر القوة والصدق في الأدب بما وصَّى به تلميذه البحتري: يا أبا عبادة تخيَّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر... فإذا عارضك الضجر، فأرح نفسك ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب.

وسار ابن قتيبة على نهج بشر، متأثرًا به في حديثه عن العاطفة، ووقتها وصدقها قال: "وللشعر أوقات يسرع أتيه، ويسمح فيها أبيه، منها أول الليل قبل تغشي الكرى، ومنها صدر النهار قبل الغداء، ومنها يوم شرب الدواء، ومنها الخلوة في المجلس وفي المسير، ولهذه العلل تختلف أشعار ورسائل المترسل". ويسير أبو هلال العسكري [م 395 هـ] في هذا الطريق الذي بدأه بشر، فيذكر الأديب بالكف عن الأدب إذا شعر بفتور أو ملل، ويحثه على العمل يقول فاعمل: "ما دمت في شباب نشاطك، فإذا غشيك الفتور، وتخونك الملال، فأمسك، فإن الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضجر خسيس، والخواطر كالينابيع، يسقى منها شيء بعد شيء، فتجد حاجتك من الري، وتنال إربك من المنفعة فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلَّ عنك غناؤها".

وغيرهم من النقاد الذين تأثروا بالصحيفة مثل الآمدي، والقاضي الجرجاني ، وعبد القاهر الجرجاني.

الوزن والقافية:

وتحدث بشر عن قوة الوزن والقافية، وتناسبهما، وحسن موقعهما بين الألفاظ، وتلاحم المعاني في الأبيات، يقول بعد أن تحدث جودة الألفاظ: "والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاطى قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفتك، ولم تكن حاذقًا مطبوعًا.... عابك من أنت أقل عيبًا منك".

ويتأثر أبو هلال بما ذكره بشر عن الوزن والقافية، فيقول أبو هلال: "وإن أردت أن تعمل شعرًا، فأحضر المعاني التي تريد نظمها فكرك وأخطرها على قلبك وأطلب لها وزنًا، يتأتى فيه إيرادها، وقافية يحتملها، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية، ولا تتمكن منه في أخرى، أو تكون في هذه أقرب طريقًا، وأيسر كلفة منه في تلك، وإذا عملت قصيدة فهذّبها ونقّحها بإلقاء ما غثَّ من أبياتها، ورثَّ ورذل والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تسوّى أجزاءها، وتتضارع هواديها وأعجازها"

ويذكر ذلك أيضًا ابن رشيق فيقول: "ومنهم يحكم القافية في انتاجه، فينصب قافية بعينها لبيت بعينه من الشعر، مثل أن تكون ثالثة أو رابعة أو نحو ذلك لا يعدو بها ذلك الموضع، إلا أن انحلَّ عنه نظم أبياته، وذلك عيب في الصنعة شديد ونقص بين، لأنه أعنى الشاعر بصير على شيء واحد بعينه، مضيقًا عليه، وداخلًا تحت حكم القافية، وكانوا يقولون: ليكن الشعر تحت حكمك، ولا تكن تحت حكمه.... ومنهم من إذا أخذ في صنعة الشعر كتب عن القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه، ثم أخذ مستعملها وشريفها وما سعد معانيه وما وافقها، واطرح ما سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها، ليكرر فيها نظره، ويعيد عليها تخيره في حين العمل، هذا الذي عليه حذاق القوم... ومن الشعراء من إذا جاءه البيت عفوًا أثبته ثم رجع إليه فنقحه، وصفاه من كدره، وذلك أسرع له، وأخف عليه، وأصح لنظره، وأرخى لباله، وآخر لا يثبت البيت إلا بعد إحكامه في نفسه، وتثقيفه من جميع جهاته، وذلك أشرف للهمة، وأدل على القدرة ... والصواب ألا يصنع الشاعر بيتًا لا يعرف قافيته، غير أني لا أجد في ذلك طبعي جملة، ولا أقدر عليه بل أصنع القسيم الأول على ما أريده، ثم ألتمس في نفس ما يليق به من القوافي بعد ذلك، فأبني عليه القسيم، أفعل ذلك، كما يفعل من يبني البيت كله على القافية، ولم أر ذلك بمخلٍ عليّ، ولا يزيحني عن مرادي، ولا يغير علي شيئًا من لفظ القسيم الأول إلا في الندرة، التي لا يعتدّ بها أو على جهة التنقيح المفرط"

وصاحب الصحيفة أول ناقد تحدث عن القافية والوزن في ميزان النقد الأدبي، ثم جاء النقاد بعده لينظروا فيها نظرة نقدية تقوم على التحليل والتعليل حينًا، وعلى تجربة الناقد نفسه في الشعر حينًا آخر كابن رشيق في عمدته.

المصدر: المرجع الاليكتروني للمعلوماتية


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة