تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



عرض  وتلخيص :إسراء مجدي مصطفي.

  النقد الأدبي خطاب يستند على خطاب آخر هو الإبداع الأدبي بشتى ضروبه، بغرض استجلاء معانيه، وإزالة ما قد يكتنفه من غموض. ولما كان الهدف الرئيس للترجمة يتلخص في نقل محتوى هذا الإبداع لقراء لغة مغايرة؛ فإنه من الضروري العمل على نقله بجلاء، والاجتهاد في إيضاح الأبعاد الفعلية التي يرمي إليها كاتب النص باللغة المصدر. يلتقي الناقد والمترجم، إذن، في نقطة جوهرية تتمثل في إبراز المعاني الحقيقية للنص. ولهذا يُعتبر النقد وتحليل النص من أقرب المسارات العلمية للترجمة. ولا يشترط في الناقد بطبيعة الحال الإلمام بمنهجية وعلوم الترجمة؛ لأن بمقدوره استعمال ذات اللغة التي استخدمها الكاتب، أما المترجم؛ فقد يجد نفسه مضطراً للإلمام، ولو بقدر يسير، من المعرفة النقدية بوجه عام، والأعمال النقدية التي تناولت العمل الذي يود ترجمته على وجه الخصوص؛ لأن من شأن تلك المعرفة النقدية تذليل عملية الترجمة من ناحية، وإيضاح المعاني الأقرب لمرامي الكاتب من ناحية أخرى كما سبقت الإشارة. يرتكز هذا البحث على نقطة محورية، وهي أنه ليس بمقدور المترجم، سيما في المجالات الأدبية، إعطاء ترجمة صادقة ومقنعة دون الانطلاق من تفسير سليم للعمل الذي يعكف على ترجمته. وأن مثل ذلك التفسير السليم لا يتأتى سوى باستخدام الطرائق التي استنبطها وطورها النقد الأدبي الذي أصبح في الآونة الأخيرة علماً قائماً بذاته، له أطره وقواعده، وتدخل في مكوناته العديد من المعارف المساعدة كعلم النفس وعلمي الاجتماع واللغة. ونظراً لهذا الاتساع غير المسبوق في ميادين النقد الأدبي، فقد يكون من العسير على المترجم الإلمام بكل هذه المجالات المعرفية وإتقانها؛ اللهم إلا إذا كان المترجم نفسه ناقداً محترفاً في الوقت ذاته. ولعل ذلك ما يدفعنا للاكتفاء بعرض أسس نظرية نقدية واحدة نحسب ألا غنى عنها للمترجم، سيما في المجالات الأدبية، إن هو أراد إعطاء تفسير أمين لمضمون النص. نعني بذلك نظرية النقد النفسي التي أرسى دعائمها شارل مورو  ( Charles Mauron) في ستينيات القرن المنصرم.

الجزء الأول: إمكانية استفادة المترجم من النقد المسترشد بعلم النفس:

      ثمة عدة تيارات نقدية تسترشد بعلم النفس، بيد أن اتجاهين اثنين فقط أظهرا الغلبة في مضمار الدراسات الأدبية وهما: التحليل النفسي المتأثر بالمدرسة الفرويدية، والنقد النفسي الذي قام بتطويره شارل مورو . يتفق التياران على وجود الشخصية اللاواعية لدى الكاتب. لكن إذا كان علم النفس الفرويدي يركز على شخص الكاتب، فإن شارل مورو يهتم بفحوى العمل الأدبي ذاته. يوضح جان لو قاييو  ( Jean le Gaillot) ذلك بالقول:

   ” بوسع الأسلوب التحليلي المطبق على الأدب أن يأخذ، وقد أخذ ذلك تاريخياً بالفعل،

  اتجاهين رئيسيين يفضيان إما إلى تحليل الكاتب، وإما إلى قراءة تفسير العمل”1

    تعرض مشروع النقد الفرويدي، وبخاصة في جانبه الإكلينيكي، تعرض للعديد من الانتقادات، صدر بعضها من أتباع المدرسة أنفسهم. إذ ها هو ناقد مثل دورا ( Dora) يصف المدرسة النقدية لفرويد بــ “محدودية” الأفق؛ محدودية تقودها دوماً لاكتشاف الجنون، الأعصاب، والشهوات الجنسية في ثنايا الإبداع الأدبي. كما يرى نقاد آخرون مثل بيلا ( Bella) أن الكاتب المعاصر ليس مضطراً لإخفاء أفكاره ومشاعره، إذ بمقدوره الخوض في القضايا كافة بحرية وشفافية، ودونما خشية من رقابة، لذا لم يعد للتحليل الفرويدي من بريق في مجال الإبداع الأدبي. ولأن اهتمامنا ينصب في المقام الأول على ترجمة العمل الأدبي وليس على سيرة كاتبه؛ فسنركز على النقد النفسي لشارل مورو باعتباره الأقدر على تقديم العون للمترجم من ناحية، ولاحترامه لخصوصية العمل الأدبي من ناحية أخرى.

الجزء الثاني: كيفية مقاربة نظرية النقد النفسي للعمل الأدبي:

       تتسم نظرية شارل مورو بالبطء، ويقر مؤسسها بأن تطبيقها على مجمل أعمال كاتب واحد ربما استلزم بضع سنوات، وبخاصة إن كان إنتاج ذلك الكاتب غزيرا. يعني ذلك، بالضرورة، أن عمل المترجم الذي يود اقتفاء هذه المدرسة النقدية سيستغرق وقتاً أطول، بحكم ازدواجية دوره. إذ يتوجب عليه أولاً القيام بمهمة الناقد، قبل العكوف على الترجمة. ويتلخص عمل الناقد ـــ المترجم هنا في دراسة مجمل أعمال الكاتب الذي يود ترجمة كل أو بعض إنتاجه. تهدف هذه الدراسة لاكتشاف ما يسميه مورو بــ ” تكتل الكلمات المُلحة والصور المتكررة”. ويمكن التعرف على ذلك التكتل وتلك الصور؛ لأن رباطاً عاطفياً يربط فيما بينها. يصف صاحب النظرية هذه الخطوة الأولى والرئيسة بقوله:

   ” تقوم الدراسة داخل عقل الناقد نفسه، إذ ينبغي على الناقد، شأنه في ذلك شأن المحلل النفسي،

مُمارسة ما يسمى بالتركيز العائم.  ويتحتم عليه معرفة عدة نصوص عن ظهر قلب، وأن يكون في

حالة تنصت لأحداها في الوقت الذي يكون فيه دائم التفكير في بقيتها. ولا يتعلق الأمر هنا بضرب

من ضروب المقارنة، وإنما بملاحظة ما يوجد في هذا النص، ويكون شبيهاً بما يوجد في بقية النصوص

حينها يتضح للناقد أن عدة تداخلات تصبح ممكنة، وتظهر عدة تطابقات لفظية وبنيوية”2

      يقوم المترجم عقب ذلك بوضع تلك الصور المُلِحة والكلمات المتكررة التي ترد في مُجمل أعمال الكاتِب وفقاً لما يربطها من رباط  عاطفي، أي موضوع مشترك.

    بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو كيفية تحديد مثل هذه العاطفة أو الموضوع المشترك الذي يستقطب عدة صور تشكل نقطة جوهرية تشغل بال الكاتب، أو الشاعر. تجيب النظرية بأن الترابط العاطفي يظهر في شكل أوضاع مأسوية تتولد لا شعورياً عند المبدع. تظهر هذه الأوضاع على شكل تداعي خواطر وأفكار حول الحياة، الموت، الحب، البغض، وما إلى ذلك من مشاعر. وتأتي أهمية الحلقات المترابطة من حيث كونها المُرشد للفكرة الرئيسة التي تكمن في عقلية الأديب وتوجه إنتاجه؛ فكرة تطلق عليها النظرية اسم ” الوهم”، أو “الأسطورة الشخصية”.

 


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة