تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



تلخيص وتقديم/ ابراهيم جمال

يعتبر اللاهوتي والمستشرق الألماني( أدالبير ميركس)مؤرخ قواعد اللغات السامية، وينتمي الى اواخر القرن التاسع عشر الميلادي. وقد تعرض للنحو العربي من خلال كتاب سيبويه في بحث ألقاه في معهد مصر عام 1891 بعنوان:" أصل النحو العربي"

وانطلق ميركس قبل عرض أطروحته من فكرتين مؤسستين

الأولى: ان المؤلفين العرب الذين انشلوا بدراسة الفيلولوجيا وجدوا أنفسهم يوما ما أمام مسألة توضيح أصل الفيلولوجيا العربية، وأن عليهم ان يتساءلوا عن أي حقبة بدأ العرب بانشاء نظام نحوهم، ومن هم أساتذتهم؟ ومن هم كتابم الاوائل الذين وضعوا أسس التي بنت عليها الاجيال اللحقة النحو العربي الذي لم يتغير ابدا ولم يتراجعوا عنه رغم الصعوبات؟

ولا ينسى أن يؤكد انهم بذلوا طاقتهم لتجاوز هذه الصعوبات" واذا لم يكونوا وصلوا الى الهدف الذي وضعوه فلأنهم فتقدون الروح النقدية، وفي الوقت ذاته يفتقدون المعارف التاريخية اللازمة ليصلوا بعملهم الى نهاية حينة، ونحن مدينون لمجهوداتهم التر أضحت رهن أبحاثنا النقدية.." فحسب ميركس أن الذين اشتغلوا من العرب بتاريخ الدراسات الفيلولوجية لم يكونوا مؤرخين ولم يعرفوا كيف يتساءلون جيدا عن أصل النحو العربي.

الثانية: وهي فكرة بديهية لميركس وهي أن كل نحو يتأسس على الفلسفة والمنطق. فكيف هذا؟ ويجيب أن  معرفة الكلام وأجزاء اللغة وأبنية الكلام ومشتقاته والأعضاء المكونة للجملة البسيطة، انما كانت نتيجة تحليل فلسفي" ويبرر ذلك بأن الفلاسفة الرواقيين هم الذين قاموا بتحليل منطق اللغة، وهذا المبدأ لم يعرفه العرب الذين يجهلون قيام النحو على المنطق وبالتالي فالنحو العربي لم يكن له الا المنطق الارسطي مصدر الهام ونموذجا." وعلى هذه الأطروحة ارتكز اللاحقون الذين لم يروا أصل النحو العربي الا في المنطق الارسطي.

ويتوقف ميركس مع ابن النديم في كتابه الفهرست الذي يتناول الننحاة الأول، ويعيب عليه سكوته عن المصادر التي ارتكز عليها النحويين الاوائل. ثم يعود الى ابن خلدون الذي يصفه ميركس بانه العقل الأكثر فلسفة في الادب العربي. لقد ضمن ابن خلدون في مقدمته بعض تأملاته حول الدراسات النحوية، وهو في نظر ميركس" الذي سخر من حماقات النحويين وتصنيفهم الخطأ" والى ابن خلدون يرجع الفضل حيب ميركس في المعلومة المهمة التي تفيد أن النحويين الاوائل كانوا فرسا وليسوا عربا. يقول ابن خلدون" وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها. والحضر لذلك العهد هم العجم او من في معناهم من الموالي وأهل الحواضرالذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة واحوالها من الصنائع والحرف، لأنهم أقوم على ذلك، للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس، فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما وكلهم عجم في أنسابهم. وانما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيروه قوانين وفنا لمن بعدهم.

وكذا حملة الحديث وعلماء اصول الفقه، وكذا أكثر المفسرين وحملة علم الكلام. ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه الا الأعاجم. وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم:" لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس".   وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة شغلتهم الرئاسة والحروب وما دفعوا اليه من القيام بالملك عن القيام العلم"

ان قيمة هذه المعلومة تسمح لميركس باستنتاج أن ثمة تسرب الي النحو العربي قد دخل عبر هؤلاء ودرايتهم بالفلسفة اليونانية واطلاعهم على المنطق اليوناني خاصة والثقافة اليونانية عامة.

وبناء عليه خلص ميركس الي ما يلي:

  • هناك نقص في التنظيم والوضوح عند سيبويه ولكن مع هذا هناك مادة جمعها وأطرها ضمن فكرة عامة.
  • كل نظرية الاشتقاق والعراب المتعلقة بالفعل والاسم موجودة في الكتاب ولكن تبدو غير معقولة للدارسين الذين لا يمتلكون اللغة
  • يتناول سيبويه ملاحظات تركيبية، لكن هذه أيضا لم ترتب وفق نظام منطقي.
  • نقص شبه كامل للتعريفات، وهذا يرجع تبريره بأن الاصناف النحوية كانت معروفة بشكل ما لدى كل الدارسين.
  • يقسم سيبويه عناصر اللغة الى ثلاثة أجزاء: الاسم، الفعل، الحرف. وهذا هو تقسيم أرسطو التام والمتقدم عند النحويين الاغريق. وهذا يقود الى فكرة مفادها أن الأصناف النحوية تم اقتراضها من الفلسفة المشائية.
  • بعد ان اقترح سيبويه اجزاء اللغة وتسميتها. لم يعط تعريفا للاسم او الفعل، وتحدث عن الحرف حيث يقول" فالكلم اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل". ويري ميركس أن تعريف سيبويه للحرف" ليس له معنى في ذاته، انما هو تعريف أرسطو، فالحرف عنده لا معنى له".
  • ليس عند أرسطو مفهوم للفاعل في المعنوى النحوى، ولكن نجد عنده مفهوم المستدأو الخبر. وكذلك لعرب لا يوجد لديهم مفهوم الفاعل النحوي، ولكن لديهم الخبر، وهذا ليس الا ترجمة من اليونانية... فكل هذه المفاهيم موجودة في الكتابات المنطقية لأرسطو.
  • من أجل شرح مختلف أنواع الاسم والفعل خاصة، استعان العرب بفكرة الجنس/ النوع. لقد كانوا يفتقرون في لغتهم- كما في اللغات السامية- الي كلمة للدلالة على الجنس. وهذه وجهة نظر أخرى تدعو الى اعتبار ما تم اقتراضه من العلم اليوناني.
  • ان الاعراب ليس سوى تحويل للفظ اليوناني وتطبيقه لحاجيات النحويين العرب. انه، كما في اليونانية، هو التعبير بشكل سليم فيما يتعلق بالاستعمال المنطقى للأجناس والأعداد، ونضيف الحال فيما يرتبط بالفاعل، والخبر والنظام. ونفس الشئ في العربية، فالأعراب معرفة الاستعمال المنطقي لأواخر الاسم والفعل
  • الفعل في العربية ليس الا ماضيا ومضارعا، لقد كان مستحيلا بالنسبة الى النحويين العرب تمييز الأزمنة الثلاثة: الحاضر، الماضي، المستقبل، ومن أجل ملء الفراغ في لغتهم فقد أدخلوا الأمر وذلك ليملؤوا حاضر اليونانيين. يقول سيبويه" وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث لأسماء وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع"." فأما بناء ما مضى فذهب وسمع ومكث وحمد. وأما بناء مالم يقع فانه قولك آمرا: اذهب، واقتل، واضرب، ومخبرا: يقتل ويذهب ويضرب وكذلك بناء مالم ينقطع وهو كائن اذا أخبرت".

وهذا أهم ما بنى عليه ميركس أطروحته.     


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة