تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



إن علاقة اللسانيات بالترجمة علاقة وثيقة جدًّا؛ حيث إن الترجمة انطلقت من اللسانيات ابتداءً وانبثقت عنها؛ لتُصبح على ما هي عليه كعلم يُدرس في الجامعات والمعاهد، وكمِهنة يَمتهِنها عدد من المترجمين، وكحقل علم أيضًا يَشتغل به المنظِّرون لهذا الميدان المهم.

يقول أ. د. "عبدالرحمن بودرع": "اللسانيات دراسة علمية منهجية للظاهرة اللغوية ووصْفلبِنْياتها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والمُعجمية والتداوليَّة؛ لمعرفةقوانين حركيَّتها ووظائفها، والترجمة فنُّ نقْلالمعاني من لغة إلى أخرى مع الحفاظ على خصائص اللغة المنقول إليها،والجامع بينهما أن اللسانيات تُمدُّ فنَّ الترجمة بمعرفة خصائص اللغاتوما تَشترِك فيه وما تَختلف فيه وتمدُّها بالتقنيات اللغوية لنقل المعاني.

الترجمة تستعين باللسانيات في معرفة بِنيات اللغات وخصائصها ومميزاتها، ومَعرفة قضايا التواصُل بين اللغات والتقريببينها، وعندما تتأسَّس هذه المعاجم في اللغات الخاصة يَسهل على الترجمةآنذاك أن تنقل المعاني والمفاهيم والتصوُّرات من لغة إلى لغة، وبسُرعة فائقة كما هوالشأن في الترجمة الفورية".

إننا نَبتغي من خلال هذا الكلام أن نُنوِّه بدور اللسانيات في بناء العمل الترجَمي، هذا عَدا روافد الدراسات اللسانية الحديثة التي ما زالت تُعطي لهذا العلم زَخمًا مهمًّا، لاحِظوا كيف تغيَّرت النظرة إلى الترجمة باعتِبارها فنًّا وتقانةً يَمتلك المترجم آلياتها موهبةً وفِطرةً، إلى علم قائم على مبادئ دقيقة تُساهم في رقيّ ونقاء عملية الترجمة، يقول أ.د "حبيب مونسي": "لقد استهدت نظريات الترجمة باللسانيات التماسًا منها إلى سِمة العلمية فيها، وابتغاء إضفاء مسْحة من اليقين في مُنجزاتها إذا هي ركنَت إلى علم لغويٍّ يتشدَّد كثيرًا في ضبط أدواته ومصطلحاته، بيد أن اللسانيات على اختلاف مَشاربها ومدارِسها، عالَجتِ الظاهرة اللغوية علاجًا خاصًّا، ارتُكبت فيه جملة من التجاوزات أحالت الدرس اللساني إلى ضرب المثال البَعيد كل البعد عن الجاري في الاستعمال، والشائع بين الناس، وأمام إلحاح نظريات جديدة تبحث في التواصل والمقاصد، وتحليل الملفوظات، والخطاب، كان على اللسانيات أن تُدير دفة توجّهها المثالي إلى المُعاينة السياقية، وأن تخوض غمار الاستعمال لتجدِّد صلتها باللغة وهي فاعلة في صلبِ الواقع، فكانت التداوليَّة..".

نُبرز هنا على سبيل المثال لا الحصر المقاربة اللغوية التي قام بها كل مِن المنظِّرين "فيني Vinay" و"داربلني Darbelnet"، "La stylistique comparée"؛ حيث قاما بدراسة تقابليَّة للغة الفرنسية والإنجليزية، من خلالها تمَّ الوصول والحصول على حلول طالَما وقفت حجر عثرة أمام المُترجمين.

أساليب الترجمة من مُباشرة وهي: الاقتراض والمُحاكاة والترجمة الحرفية، وغير مُباشرة: الإبدال والتطويع والتكافؤ والتصرُّف، أعطَت بُعدًا أكاديميًّا للترجمة فأصبحنا نرى مُذكِّرات الماجستير والدكتوراه والدراسات المتخصصة تَلِج رويدًا رويدًا هذا الحقل المهم.

إن هذا لدليل قاطع على دور اللسانيات العامة، بل والتطبيقية منها بصفة أخص في ميدان الترجمة؛ كدراسة لُغوية مُنبثقة من اللغة حصرًا ثم مقاربتها بأشكال ترجمية تبيِّن لنا أساليبها المختلفة والأصح منها.

اللسانيات ميدان شائق وجميل، يُعنى به اللغويون بالأخص، وإسهاماتهم في الدراسات اللغوية يمكن الإفادة منها والنهل منها قدر المستطاع، (نعوم تشومسكي Noam Chomsky، فرديناند دوسوسير Ferdinand de Saussur..)، وغيرهما من العلماء أفادوا وأجادوا، فأصبحْنا لا نلج الترجمة إلا من خلال هذا الطريق الممهِّد والمسهِّل لهضْم علومها.

إن "فرديناند دوسوسير Ferdinandde Saussur"، بكتابه: "محاضرات في اللسانيات العامة (cours de linguistique générale) - والذي هو ثمرة المحاضرات التي كان قد ألقاها في جامعة جنيف - قد منح اللسانيات الطابع العِلمي، فزوَّدها بمصطلحات جعلتها تتجه نحو الدراسة الوصفية، وميز بين اللغة واللسان والكلام؛ (angue, langage, parole).

ندلِف إلى "نعوم تشومسكي Noam Chomsky "، وهو أستاذ لسانيات وفيلسوف أمريكي، وأستاذ لسانيات فخري في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يُوصف تشومسكي بأنه "أبو علم اللسانيات الحديث"، وقد أسَّس نظرية النحو التوليدي، والتي تُعتبَر أهمَّ إسهام في مجال اللسانيات النظرية في القرن العشرين، ويعود إليه الفضل كذلك في تأسيس ما يُعرَف بـ "تراتب تشومسكي" ونظرية النحو الكلي.

لا بد من إعطاء هذه الدراسات وقتًا أكثر حتى تَنضَج وتتبلور بشكل جليٍّ؛ فالعديد من المقارَبات تكشف لنا اليوم جوانبَ لم نكن على علم بها؛ ما هي اللغة؟ كيف تواضَعَ الناس عليها؟ كيف نحقِّق التواصل المنشود بين البشرية من خلال تنوُّع الألسنة؟

باختصار شديد، نحن على يقين بأن اللسانيات كانت - وما زالت - من أهم عوامل المضيِّ قدمًا في علوم الترجمة، بل ازددنا شخصيًّا شغفًا بهذا العلم لما رأينا فيه من دقة متناهية في وضع المصطلحات وتوحيدها وتوليدها، ما يُسهل المهمة على المترجم في عمله الدؤوب في ترجمته للنص، سواء كان نصًّا أدبيًّا أم تخصصيًّا؛ قانونيًّا، سياسيًّا، طبيًّا.

أشد على أيدي المشتغلين باللسانيات أن يَهبونا دراسات لسانية أخرى تزيدنا عمقًا في نظرتنا للترجمة، فكلما كانت القاعدة صلبةً ومتينةً، ازددنا قربًا لترجمة أمينة خالية من الشوائب.

أغلب الدراسات أجنبية اليوم، أما في وطنِنا العربي فنقتصر على ترجمات مُحتشمة لها: فهل هذا سبب وجيه في عزلِنا عنها؟ لا، يجب السعي وراء هذا العلم وأخذه من مصادره الأولى الأصيلة، ويَبقى حلمنا أن نرى دراسات من لدن المتمرسين في اللسانيات عندنا، لا نريد أن نبقى معزولين عن العالم، يجب على المَجامع اللغوية أن تلعب دورها المنوط بها أيضًا، حتى يسير هذا الركب ونُواكب ما يَجري على الضفة الأخرى من البحر؛ يقول الدكتور "حافظ إسماعيل علوي": "وللتدليل على تخلف الترجمة في ثقافتنا يَكفي أن نُشير هنا إلى "أن بلدان الوطن العربي، البالغ تعداد سكانها 250 مليون نسمة في العام 1992، قد أصدرت 6795 مطبوعة، تأليفًا وترجمةً، في العام 1992، منها 548 مطبوعة فقط في العلوم، بينما دولة واحدة، كإسبانيا - مثلاً - البالغ تعدادُ سكَّانها 39 مليون نسمة فقط، أصدرت في العام ذاته 41816 مطبوعة، منها 2512 مطبوعة في العلوم، هذا يعني أن دول الوطن العربي مجتمعة، وتعداد سكانها ستة أضعاف تعداد سكان إسبانيا، تصدر فقط سدس ما تُصدره إسبانيا وحدها، والتي تُعتبَر دولة متقدمة علميًّا".

 

النصدر الالوكه


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة