تابعنا
الرئيسية / مقالات


مشاركة المقال عبر



هناك عدة عوامل تضافرت معاً وأدت إلى انتشار اللغة العربية في إثيوبيا؛ من أهمها:

1 - العامل الديني:

يأتي العامل الديني في مقدمة عوامل انتشار اللغة العربية في إثيوبيا، فقد أخذ الإسلام ينتشر شرقاً وغرباً, فدخلت بلاد العرب في الإسلام, ولحقت بها الشام والعراق وفارس وغيرها من البقاع، وسارت اللغة العربية مع الإسلام جنباً إلى جنب، فحيثما انتشر الإسلام واستقرت قواعده انتشرت اللغة العربية، فمع اعتناق الفرد للدين الإسلامي لا بد له من الإلمام، على الأقل، ببعض الآيات القرآنية حتى يؤدي بها صلاته وواجباته الدينية، ولذلك فإنه لا بد أن يكون على علم ولو ضئيل باللغة العربية، أما مَن يريد أن يفهم دينه ويتبحر فيه؛ فلا بد له من الإلمام الجيد باللغة العربية حتى يستطيع قراءة القرآن الكريم وفهمه, وقراءة شروحه وتفاسيره، وبهذه الطريقة حمل الإسلام اللغة العربية معه حيثما حل وأينما ارتحل؛ على نحو يجعل للعربية درجة من الانتشار في كل المناطق التي تضم جماعات مسلمة، ولم تكن الحبشة بمعزل عن هذا الأمر، فانتشار الإسلام بها أدى إلى انتشار اللغة العربية.

2 -  دور التجار:

أدى التجار دوراً قوياً في انتشار اللغة العربية في إثيوبيا، فإذا كان بعض التجار العرب قد استقروا قبل الإسلام على الساحل الشرقي للحبشة وعملوا في التجارة؛ فإنه بعد الإسلام كثر عددهم بشكل كبير, وأقاموا مراكز استقرار لهم على طول الساحل، كما نشأت كثير من المدن الساحلية التي تحولت إلى مراكز تجارية مهمة.

ولم يكن من المعقول أن يظل النفوذ العربي الإسلامي حبيساً في هذه المدن الساحلية، بل كان لا بد أن ينفذ إلى المناطق الداخلية، فكان هؤلاء التجار هم الوسيلة والعدة في نشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية، فكانوا يرحلون إلى المناطق الداخلية التماساً للتجارة، ويقيمون بها بعض الوقت ثم ينحدرون إلى الساحل من جديد، وفي أثناء إقامتهم كانوا يخالطون الناس ويتعاملون معهم وينشرون الإسلام؛ وهو ما يستتبع نشر اللغة العربية.

كما كانت هذه المدن الساحلية أسواقاً ضخمة يقصدها أبناء البلاد الأصليين لبيع حاصلاتهم، وشراء ما يحتاجون إليه, أو بقصد الإقامة والتماس فرص العمل, فكان اختلافهم إلى هذه المدن يتيح لهم الاحتكاك بالحياة الإسلامية والثقافة العربية من قريب؛ مما يدفعهم إلى اعتناق الإسلام ومن ثم نشره بين ذويهم إذا عادوا لبلادهم.

كما أن المعاملات التجارية في مثل هذه الأسواق كانت تتم في الغالب باللغة العربية أو بالعربية المختلطة بلغات البلاد المحلية؛ مما أتاح لهؤلاء الأفراد أن يعرفوا قدراً من اللغة العربية من خلال هذه المعاملات؛ مما كان له أثر ما في نشر اللغة العربية بين السكان الأصليين؛ حتى إذا ما اعتنقوا الإسلام صار واجباً عليهم الإلمام ولو بشكل قليل باللغة العربية.

كما قام العديد من التجار الأثرياء بفتح الكتاتيب والمدارس لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية، كما كانوا يرسلون الطلاب المتفوقين إلى الحرمين أو دمشق أو القاهرة لإتمام تعليمهم, وكان لهذا الأمر أثر كبير في نشر اللغة العربية في إثيوبيا.

3 -  دور الهجرات العربية:

كان للهجرات العربية وتحركات القبائل دور مهم في نشر اللغة العربية في إثيوبيا، فقد خرجت هجرات متعددة من القبائل العربية بعد هجرة المسلمين الأولى فقصدت الحبشة واستقرت بها, ومن هذه الهجرات هجرة أقوام من ربيعة وقحطان واستقرارهم في مناطق البيجا، كذلك هاجرت أقوام من قبيلة بني مخزوم القرشية, وأقامت إحدى الممالك الإسلامية بزعامتها في منطقة شوا الشرقية في نهاية القرن التاسع الميلادي تقريباً، وقد هاجر أسلاف هذه الأسرة عبر البحر الأحمر في عهد خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

كذلك هاجر العديد من المسلمين لأسباب اقتصادية أو سياسية من شبه الجزيرة العربية أو من مصر ووصلوا إلى الحبشة, فبعد قيام الخلافة الأموية وفي أثناء تثبيتها لحكمها في الحجاز هاجر العديد من العرب فراراً من الأمويين، وتكررت مثل هذه الهجرة وعلى النمط نفسه عندما قامت الخلافة العباسية، ففر كثير من معارضيها وانتشروا في شمال إفريقيا والأندلس، ومنهم عدد لا بأس به وصل إلى الشاطئ الإفريقي, ومنهم من توغل إلى الحبشة.

ولم تتوقف الهجرات العربية عند ذلك التاريخ فقط بل توالت واستمرت على مدار السنين؛ نتيجة للجوار الجغرافي أو نتيجة للظروف السياسية أو للعوامل الطبيعية، وإن أخذت شكلاً أقل حدة وأقل تدفقاً من ذي قبل, حيث يذكر فيرجسون أن هذه الهجرات استمرت, حتى أنه يذكر أن هناك عدداً من المجموعات المسلمة المتحدثة بالعربية نزحت من السوادن إلى إثيوبيا في القرن التاسع عشر.

وكان للهجرات دور مهم في نشر اللغة العربية بين السكان الأصليين؛ نظراً لأن هذه القبائل العربية اختلطت بالسكان الأصليين واندمجت معهم وصاهرتهم، كما أن هذه القبائل كانت على قدر من التقدم والرقي؛ مما جعلها من عناصر التأثير فيمن حولها من السكان الأصليين.

4 -  العامل الحضاري:

ومن العوامل التي ساهمت في نشر اللغة العربية في إثيوبيا أيضاً العامل الحضاري، وهذا العامل يعني أنه إذا التقت لغة ذات تراث حضاري متفوق بلغة أخرى حظها من ذلك التراث قليل؛ فإن الأمر ينتهي بتغلب اللغة الأولى وسيطرتها, وقد حدث هذا مع اللغة العربية في إثيوبيا؛ فإثيوبيا بها عدد كبير من اللغات المحلية ذات التراث الحضاري المتواضع, وقد اصطدمت هذه اللغات باللغة العربية التي كانت في تلك الفترة لغة الحضارة الإسلامية, الحضارة التي ازدهرت في العصر الأموي والعباسي وبلغت شأناً كبيراً, وأدى ذلك إلى سيطرة اللغة العربية فأصبحت هي لغة التعامل.

5 -  عامل المصلحة الشخصية:

كما أن هناك عاملاً آخر جعل للعربية هذا الشأن في إثيوبيا, وهو عامل مصلحة الأفراد الشخصية، فالعربية هي اللغة التي يستطيع أن يصل الأفراد عن طريقها إلى الوظائف الرفيعة، وذلك عن طريق التعامل مع العرب المسلمين الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية مرموقة، فقد كانوا سادة التجار والماسكين بزمام الحياة الاقتصادية في البلاد؛ لذا كان من مصلحة الأفراد الأحباش أن يتعلموها, ليس فقط لأنها لغة دينهم؛ ولكن لأنها أيضاً وسيلة للتكسب والارتزاق، بعد أن صارت الوظائف التي تتطلب خبرة خاصة ومستوى ثقافياً معيناً لا يشغلها سوى المسلمين المتعلمين؛ لذا فقد التزم كل مسلم بتعليم أبنائه القراءة والكتابة بالعربية.

وبالإضافة إلى هذه العوامل؛ فإن الطرق الصوفية والدعاة والمعلمين قاموا بجهود صادقة في نشر الإسلام واللغة العربية عن طريق التعليم والدعوة الصادقة، كما قاموا بإنشاء المساجد وفتح المدارس, كما صاهروا أهل البلاد واندمجوا فيهم.

المصدر : قراءات أفريقية


شاركنا

جميع الحقوق محفوظة للمصادر الأصلية للمواد المنشورة

ونرحب بتلقي اسهامتكم والإنضمام إلى فريق التحرير والترجمة بالمجلة